«نبض الخليج»
يأتي برنامج “وسط البلد” على تلفزيون سوريا بوصفه أكثر من حلقة حوارية تُضاف إلى أرشيف البرامج السياسية. هو محاولة لاستعادة شيء انكسر في التجربة السورية الحديثة: القدرة على الكلام العام بين السوريين، لا الكلام داخل الغرف المغلقة، ولا الكلام الذي يتحول تلقائياً إلى اتهام أو تحريض أو تصفية حساب. في بلدٍ أنهكته سنوات طويلة من الاستبداد ثم الحرب ثم القطيعة، يصبح مجرد الجلوس على طاولة واحدة والاعتراف بحق الآخر في أن يقول ما يعتقده، حدثاً لا يُستهان به. والميزة الأساسية في “وسط البلد” أنه لا يقدّم الحوار كزينة، ولا يقدّم الاختلاف كفضيحة، بل يقدّمهما كضرورة وطنية متأخرة، وكمسار بطيء لاستعادة الاجتماع السوري على قاعدة مدنية.
البرنامج، بصفته مناظرة حرّة، يراهن على بساطةٍ شديدة لكنها صعبة التطبيق: نقاش بلا محاذير مسبقة، إلا ما يتصل بالمواطنة وعدم الإساءة. هذه العبارة وحدها تكشف طبيعة الرهان. لأن ما يطلبه “وسط البلد” ليس توافقاً سطحياً، ولا خطاباً مصقولاً يهرب من الحقيقة، بل يطلب من السوريين أن يختلفوا داخل حدودٍ تحفظ الدولة كفكرة، والناس ككرامة. المواطنة هنا ليست شعاراً مبهماً، بل سقف يمنع تحويل النقاش إلى معركة هويات، ويمنع إعادة تعريف الوطن بوصفه ملكاً لفئة، أو بوصفه حلبة انتقام. وعدم الإساءة ليس رقابة على الآراء، بل شرط لبقاء الحوار إنسانياً، لأن الإهانة حين تدخل النقاش تُخرجه من السياسة إلى الإذلال، وتجعله أقرب إلى السحل اللفظي منه إلى التفكير العام.
لهذا السبب تحديداً يبدو “وسط البلد” مهماً في هذا التوقيت. فالسوريون لم يخسروا فقط البنى السياسية والمؤسسات، بل خسروا أيضاً لغة المشترَك: اللغة التي تسمح للناس بأن يختلفوا من دون أن يتبادَلوا الإلغاء، وأن يواجهوا الرأي بالفكرة لا بالشتيمة، وأن يقول أحدهم: أنا لا أقتنع من دون أن يضيف فوراً: وأنت عدو. فالاختلاف لا يعني الخلاف أبداً.
سنوات طويلة صنعت نموذجين متطرفين وكلاهما قاتل: إمّا صمت مفروض ينتجه الخوف، أو صراخ منفلت ينتجه الغضب. وبين الصمت والصراخ سقطت المسافة الأكثر صحة: الحوار بوصفه تقنية لإنقاذ المجتمع من نفسه.
ميزة البرنامج أنه يعيد السياسة إلى معناها الأول: الشأن العام بوصفه نقاشاً ومسؤولية ومحاسبة. ومناظرة تُدار أمام الناس، وبمشاركة الناس، تعيد التذكير بأن القضايا الكبرى ليست ملكاً لطبقة من المتخصصين ولا لدوائر مغلقة، بل هي قضايا البيت السوري كله. حين يسمع المشاهد رأيين متناقضين في الاستديو نفسه، ويجد أن البرنامج لا يطلب منه أن يصفق لطرف ويكره الآخر، بل يطلب منه أن يفكر، فهو يُستعاد كفاعل لا كمستهلك. وهذا تحول ثقافي قبل أن يكون إعلامياً: أن يتحول السوري من متفرج على مصيره إلى مشارك في تشكيل أسئلته.
برنامج “وسط البلد” لا يَعِد السوريين بحلول سحرية ولا يدّعي أنه يمثل الجميع، بل يفتح باباً كان مغلقاً؛ باب الاعتراف بوجود الآخر كشريك في البلد، مهما كان الاختلاف معه موجعاً
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية حضور زيدون الزعبي كمقدّم للبرنامج. لأن المسألة ليست أداءً تلفزيونياً فقط، بل هي روحٌ تُبث داخل المساحة: كيف تُدار المناظرة؟ كيف يُحمى النقاش من الانزلاق إلى التحقير؟ كيف تُمنح الآراء حق الظهور دون أن تتحول الحلقة إلى مباراة كسر عظم؟ الزعبي لا يظهر كمن يؤطر الضيوف بمواعظ جاهزة، بل كمن يحاول أن يمسك الخيط الرفيع بين الجرأة والفوضى. والأهم أن حضوره يرتبط في الوعي العام بمبادرات ومحاولات جادة ودونكيشوتية سابقة في اتجاه السلم الأهلي، وبمحاولة جسر الهوة بين السوريين والطوائف، وبالإيمان أن المجتمع السوري لا يملك ترف الانزلاق إلى كراهية جديدة، ولا ترف تحويل الجراح إلى حرب أهلية مؤجلة.
حين نتحدث عن السلم الأهلي هنا لا نقصد عبارة مطاطة تُستخدم لتخدير الناس أو دعوة غامضة للتهدئة. السلم الأهلي هو اسمٌ واقعي لمعادلة شديدة القسوة: إما أن يتعلم السوريون إدارة اختلافهم داخل قواعد مدنية واضحة، أو أن تستمر بلادهم في التهشم عبر دورات ثأر وانقسام. والسلم الأهلي ليس عدواً للعدالة، بل شرطٌ كي تصبح العدالة ممكنة، لأن العدالة داخل مجتمع محترق تتحول بسهولة إلى انتقام، ويصبح القانون مجرد غطاء لصراع جديد. لذلك فإن تحويل الحوار إلى ممارسة يومية، ووضعه داخل شروط المواطنة والكرامة، ليس ترفاً أخلاقياً بل دفاع عن المستقبل.
وربما هنا نلمس جوهر “وسط البلد”: أنه لا يَعِد السوريين بحلول سحرية، ولا يدّعي أنه يمثل الجميع، بل يفتح باباً كان مغلقاً. الباب ليس باب اتفاق نهائي، بل باب الاعتراف بوجود الآخر كشريك في البلد، مهما كان الاختلاف معه موجعاً. لأن الحرب، في أحد أوجهها الأكثر تدميراً، لا تقتل الناس فقط، بل تقتل القدرة على رؤية الناس. تجعل الآخر مجرد صورة كاريكاتورية: خائن، متطرف، عميل، كافر، شبيح، إرهابي… أسماء جاهزة تُغلق العقل وتبرر العنف. أما المناظرة حين تُدار بحد أدنى من الاحترام، فهي تفكك هذه الصور، أو على الأقل تضعها تحت الاختبار.
لكن نجاح التجربة ليس مضموناً دائماً. المناظرات قد تتحول بسهولة إلى ملاكمة كلامية إذا دخلها هوس اللقطة والترند، وقد تتحول إلى مسرح صراخ إذا فُقدت قواعد اللعب. والبرنامج قد يتعرض لضغطين متناقضين: ضغط من يريد خطاباً ناعماً بلا أسئلة حقيقية، وضغط من يريد حواراً عدوانياً يرضي الغضب ويغذي الانقسام. التحدي الصعب هو أن يبقى “وسط البلد” في مكانه الطبيعي: وسط المجتمع فعلاً، لا وسط المزايدات. أن يمنح الناس حق الكلام، لكن لا يسمح للكلام أن يتحول إلى سكين.
ومع ذلك، تبقى قيمة البرنامج في كونه يجازف بما لا تجازف به معظم المنصات: يعترف أن السوريين لا يحتاجون فقط إلى أخبارٍ عن أنفسهم، بل يحتاجون إلى فرصة أن يتكلموا مع أنفسهم. وهذا فارق كبير. لأن المجتمع الذي لا يتحاور يتحول إلى جزر متقابلة، وكل جزيرة تكتب أسطورتها الخاصة وتلعن الأخرى. أما المجتمع الذي يبدأ بالحوار، حتى لو كان متعثراً، فهو يبدأ بإعادة إنتاج البلد بوصفه فكرة مشتركة، لا بوصفه غنيمة أبداً، ولا بوصفه ساحة تصفية.
في النهاية، لا أحد يستطيع أن يدّعي أن برنامجاً تلفزيونياً سيُصلح ما أفسدته عقود. لكن البرامج لا تُقاس فقط بما تُنجزه فوراً، بل بما تعيد تعريفه في الوعي العام. و”وسط البلد” ليس إلا خطوة أولى بسيطة في طريق متعرج وعر كثير المنعطفات اسمه “الحوار السوري – السوري” يعيد تعريف التعبير السوري عن نفس بطرق مشروعة ومتاحة بعد أن انتهى عهد الصمت والتصفيق، لا مغامرة خطيرة، ولا تهمة. يضع قاعدة صغيرة في ظاهرها، لكنها مؤثرة في معناها: الاختلاف حق وضروري، والكرامة شرط، والوطن “وطن الجميع” سقف. وإذا استطاع السوريون أن يعتادوا هذه القاعدة مرة بعد مرة، فربما نكون أمام بداية مختلفة: بداية لا تمحو الألم، لكنها تمنع الألم من أن يتحول إلى كراهية أبدية.
يحسب للبرنامج جرأته في استقبال الضيوف المختلفين وأيضاً في فتح مواضيع ساخنة، ولكنها حتى الآن لم تسحب البساط من تحت أقدام السوشيال ميديا حيث تكثر الأسئلة العبثية دون أجوبة وحيث تكثر الإدانات أو التمجيدات دون وعي بالمفاهيم، فالمطلوب من البرنامج أن يقتحم بؤر التوتر من أجل تنفيس الاحتقان الواهي وفتح الأفق للحوار الذي من الممكن أن يكون رافداً للحوار السياسي وليس فقط حواراً إعلامياً. والاستفادة من علاقات المقدم زيدون الزعبي وهو ناشط سياسي وأكاديمي متشعب الاتجاهات في استقطاب صناع السياسة بدل الاكتفاء بالتعليق عليها، ومثالنا نستلهمه من ذكره لسياسية كردية ذكرها في البرنامج في الحلقات الأخيرة، وكان حرياً به استضافتها لاستجواب المواطنة الحقيقي أمام الإعلام. كأي مسؤول سياسي يخضع للأسئلة الحرجة أمام وسط البلد الذي سيكون حينها فعلاً برلمان رأي عام حقيقي. مع العلم أن برنامجه قد أطلق مؤخراً أيضاً مبادرة سياسية متعلقة بأزمة السويداء وعلاقتها مع المركز، بعد استضافته محافظ السويداء نفسه الذي أطلق بدوره مبادرات تبدو كبداية مشجعة لحوار يتمناه السوريون بين الطرفين.
بحسب الإعلان الرسمي لتلفزيون سوريا، يُعرض “وسط البلد” كل أربعاء من الساعة 9:00 حتى 11:00 مساءً على شاشتي تلفزيون سوريا والقناة الثانية، وتكون الإعادة على تلفزيون سوريا يوم الخميس الساعة 7:00 صباحاً، وعلى القناة الثانية يوم الخميس الساعة 2:00 ظهراً.
ودلالة هذا التوقيت ليست عابرة. اختيار ليلة الأربعاء في ذروة وقت المشاهدة يعني أن البرنامج يُقدَّم بوصفه حدثاً أسبوعياً مركزياً، لا مادة هامشية تُدفع إلى ساعات الفراغ. إنه موعد الناس في بيوتهم بعد يوم العمل، أي لحظة يتجمع فيها المجتمع أمام الشاشة، وهذا ينسجم مع فكرة البرنامج نفسها: نقاش سوري عام لا جدل نخبة معزولة. كما أن تخصيص ساعتين كاملتين (من 9 إلى 11) يحمل رسالة واضحة: هذه ليست مناظرة سريعة لالتقاط جملة ساخنة، بل مساحة تسمح بتفكيك القضايا بعمق، وإعطاء الوقت للحجّة والردّ والتوضيح، أي محاولة لاستعادة الحوار بوصفه ممارسة مدنية لا سجالاً عصبياً.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية