جدول المحتويات
«نبض الخليج»
تحاول قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الترويج لرواية “مقاومة أسطورية” في حي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، في وقت تبدو فيه في أضعف حالاتها بعد أن فقدت وجودها العسكري في المدينة، وهذه الخسارة غير المتوقعة وضعت “قسد” في أزمة ثقة أمام مؤيديها وحواضنها التقليدية، الذين انخرطوا في جدل واسع حول أدائها العسكري، ومدى تمسكها بمناطق سيطرتها السابقة في حلب، حيث لم يظهر دفاعها في الشيخ مقصود والأشرفية وما جاورهما بالمستوى الذي ينسجم مع شعاراتها المعلنة عن “المقاومة” والصمود، ولا مع الأدبيات التي لطالما روجت لها، بما في ذلك قائمة طويلة من الوسائل والتكتيكات الدفاعية مثل الأنفاق والمخابئ والتحصينات.
خسارة “قسد” بهذا الشكل في حلب اعتبرت إشارة مقلقة بالنسبة لمؤيديها، إذ ربط كثيرون بين ما جرى هناك وما قد ينتظرها في مناطق الجزيرة السورية، معتبرين أن مصيرها هناك قد يكون مشابهاً، وأن المكاسب السياسية والعسكرية التي يمكن أن تحققها ستكون أقل بكثير مما كان متوقعاً لو أنها التزمت بتطبيق اتفاق العاشر من آذار الذي كان من شأنه أن يخفف من حدة المواجهة ويمنحها مساحة أكبر للمناورة.
وفي محاولة لتجاوز وقع الهزيمة وإلهاء جمهورها، لجأت “قسد” إلى أساليب دعائية متعددة، أبرزها صناعة أسطورة مفترضة عن “مقاومة بطولية” في الشيخ مقصود، وإبراز أحد القادة المغمورين على أنه بطل المرحلة، في مسعى لإعادة بناء صورة معنوية أمام جمهورها، وتثبيت سردية جديدة تظهرها كقوة ما تزال قادرة على الصمود رغم الانكسارات، هذه الاستراتيجية الإعلامية تأتي في سياق أوسع من محاولات “قسد” الحفاظ على تماسك حاضنتها الشعبية، وسط مخاوف متزايدة من انتقال عدوى الهزيمة من حلب إلى مناطق نفوذها الأخرى في شمال شرقي سوريا.
“قسد” تحاول ترميم صورتها أمام مؤيديها
قال الباحث والمحلل السياسي عبد الرحمن الحاج لموقع تلفزيون سوريا إن صورة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) انكسرت أمام قاعدتها الاجتماعية على نحو غير مسبوق، فالهزيمة التي تعرضت لها في حلب كانت صادمة ومفاجئة حتى لمؤيديها.
وأوضح الحاج أن الأنفاق التي حفرتها، والأسلحة التي خزنتها، واستخدام المدنيين كرهائن، لم يمنحها أي ميزة حقيقية في مواجهة الجيش، بل سرعان ما انهارت دعايتها حول امتلاك القوة والانضباط والتدريب، وهو ما شكّل صدمة مزدوجة لقيادة “قسد” وجمهورها على حد سواء.
ويضيف الحاج أن “قسد” سعت إلى ترميم صورتها المكسورة عبر عدة أساليب دعائية وإعلامية، من بينها:
- الزعم بأن قواتها صمدت أمام جحافل الجيش لثلاثة أيام متواصلة.
- اختراع بطولات لا يمكن إثباتها أو التحقق من صحتها.
- تنفيذ عمليتين انتحاريتين بهدف تحسين صورتها وإظهار استعدادها للتضحية.
- محاولة قصف مبنى المحافظة وقتل مسؤولين حكوميين باستخدام طائرة مسيّرة إيرانية الصنع.
- البحث عن انتهاكات أو فبركة أحداث لتشويه صورة الجيش، الذي نفذ واحدة من أنجح العمليات العسكرية في منطقة مدنية مكتظة بالسكان من دون وقوع ضحايا مدنيين تقريباً، الأمر الذي عزز صورته كجيش قوي ومنظم ويتطور في أدائه بسرعة مذهلة.
ويتابع الحاج بالقول إن السؤال الجوهري هو: هل يمكن لهذه الأساليب أن تؤدي فعلاً إلى تحسين صورة “قسد” بعد الهزيمة؟ الواقع أن ردود الأفعال على وسائل التواصل الاجتماعي تكشف عن حالة واسعة من الإحباط والشعور بالخديعة والوهم بين مؤيديها، حيث يرى كثيرون أن الدعاية لم تعد قادرة على إخفاء حجم الانكسار، وبحسب الحاج، فإن الطريقة الوحيدة التي قد ترمم صورة “قسد” هي أن تكسب معركة حقيقية على الأرض، لكن تجربة حلب ستجعلها تفكر ألف مرة قبل الإقدام على أي مواجهة جديدة، خاصة في ظل تراجع ثقة جمهورها وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية عليها.
تفنيد أسطورة “زياد حلب” الدعائية
بعد انسحاب “قسد” من حي الشيخ مقصود في حلب، ركزت دعايتها الإعلامية على إبراز اسم أحد قادتها الذين قتلوا في المعركة الأخيرة التي شنها الجيش السوري، وزعمت أن “القائد الأسطورة زياد حلب” وهو الاسم الحركي لزياد زعيم قدور، عضو قيادة الأمن الداخلي (الأسايش) سابقاً في الحي، قد سطر “ملاحم البطولة في الدفاع عن المنطقة”، ووفقاً لروايتها، جرى نقل جثمانه مؤخراً إلى مدينة عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشمالي الشرقي ليدفن هناك، في محاولة لإضفاء رمزية على شخصيته.
زياد قدور، المعروف أيضاً بلقب “زياد عفرين”، كان قد ظهر إعلامياً في كانون الأول/ديسمبر 2025 عبر إحدى القنوات الكردية بصفته عضواً في قيادة “الأسايش” في الشيخ مقصود، كما ظهر في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه عقب زيارة سيبان حمو، أحد أبرز قادة “قسد”، إلى الحي، وقبيل انسحاب “قسد” من حلب، ظهر زياد في مقطع مصور إلى جانب عدد من المجندين والمجندات، موجهاً كلمة لرفع المعنويات والتأكيد على حضوره الميداني، ومنذ ذلك الحين، بدأ أنصار “قسد” بإطلاق لقب “الجنرال” عليه، مستخدمين صوراً غالبها مولّد بالذكاء الاصطناعي لتكريس صورة أسطورية له.
مصادر محلية في الشيخ مقصود تؤكد أن زياد لم يكن يوماً قيادياً بارزاً في الحي، بل كان نشاطه الأساسي في مناطق الجزيرة السورية، وفي عام 2024 كان أحد القادة الميدانيين في مدينة الطبقة بريف الرقة، في حين ظهر عام 2020 في مقابلات إعلامية بصفته قيادياً في “قسد” في ناحية عين عيسى شمالي الرقة، من دون أي سجل فعلي لنشاطه في الشيخ مقصود.
وتشير المصادر أيضاً إلى أن زياد ليس القيادي الوحيد الذي ظهر فجأة في الشيخ مقصود، فقد سبقت ذلك حالة القيادية آخين نوجان، التي كانت عضواً في وحدات حماية المرأة (YPJ) في الجزيرة، ثم ظهرت فجأة في الشيخ مقصود لتطلق تصريحات إعلامية من دون أن يكون معروفاً متى أو كيف انتقلت إلى الحي، وبحسب المصادر، فإن زياد وآخين نوجان ظهرا إعلامياً من الشيخ مقصود خلال الشهرين الأخيرين من عام 2025، ويرجح أن سيبان حمو هو من جاء بهما إلى الحي في إطار زيارة دعائية في نوفمبر/كانون الأول الماضي.
مصادر محلية متابعة في الشيخ مقصود ترى أن الترويج لزياد حلب على أنه “أسطورة المقاومة” منذ تأسيس وحدات الحماية في حلب عام 2012، ليس سوى جزءا من بروباغندا تتبعها “قسد” والوحدات في إطار الإلهاء والتغطية على الانكسار، واستخدام حدث عاطفي بشكل مخادع لصرف الأنظار عن إخفاقات عسكرية كبيرة وهزيمة قاسية تعرضت لها “قسد”، وهذه الرواية الدعائية، وفق المصادر، تهدف إلى ترميم صورة “قسد” أمام جمهورها بعد الانكسار، لكنها لا تصمد أمام الحقائق الميدانية التي تكشف أن “الأسطورة” المزعومة لم يكن له أي دور بارز في الشيخ مقصود، وأن حضوره هناك كان أقرب إلى الاستعراض الإعلامي منه إلى القيادة الفعلية للمعركة.
أداء دفاعي دون متوقع
قدرت مصادر عسكرية وأمنية في حلب أن أعداد مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) قبل بداية المعركة الأخيرة في حي الشيخ مقصود كانت بالآلاف، وتضم خليطاً من المقاتلين، بعضهم من العشائر التي كانت موالية للنظام المخلوع سابقاً ولجأت إلى الحي، إضافة إلى مجموعات تتبع لفلول النظام المخلوع، وأكدت المصادر لموقع تلفزيون سوريا أنه خلال الساعات الأولى من المعركة انشق وغادر المدينة أكثر من ألف عنصر، حيث تسلل بعضهم إلى خارج الشيخ مقصود، في حين نسق آخرون مع الجهات الأمنية وانسحبوا من مواقعهم، واستمرت الانشقاقات بشكل يومي طوال أيام المعركة، ما أدى إلى تراجع سريع في أعداد المقاتلين، حتى لم يبق سوى عدد قليل جداً مقارنة بالقوة الكاملة التي كانت موجودة قبل بدء المواجهة، هؤلاء القلة لم يخوضوا سوى ساعات محدودة في مواجهة الجيش السوري قبل أن تنهار خطوطهم الدفاعية.
وتوضح المصادر أن أداء “قسد” في الشيخ مقصود لم يكن بالمستوى المتوقع، إذ كانت تمتلك العديد من الوسائل الدفاعية التي كان يُفترض أن تطيل عمر المعركة، مثل شبكة الأنفاق، وحرب الشوارع، والاستفادة من البقعة العمرانية الكثيفة التي توفر تغطية وحماية طبيعية، فضلاً عن معرفتها الدقيقة بتفاصيل الأحياء مقارنة بالقوة المهاجمة، لكن كل هذه العوامل لم تترجم إلى مقاومة فعلية، ما جعل المزاعم التي تتحدث عن “استبسال” و”مقاومة بطولية” مجرد رواية دعائية لا تعكس الواقع الميداني.
كشفت معركة الشيخ مقصود أن الفجوة بين الدعاية الإعلامية لـ”قسد” والواقع الميداني كانت واسعة، وأن محاولات صناعة أساطير عن “بطولات” لم تحدث فعلياً لن تنجح في إخفاء حجم الانهيار والانشقاقات التي ضربت صفوفها، الانسحاب السريع، والانشقاقات اليومية، وضعف الأداء العسكري رغم توفر وسائل دفاعية متعددة، كلها عوامل جعلت صورة “قسد” أمام جمهورها أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وفي المقابل، أظهرت العملية العسكرية قدرة الجيش السوري على تنفيذ هجوم منظم في منطقة مدنية مكتظة من دون خسائر كبيرة بين المدنيين، وهو ما عزز صورته كقوة تتطور بسرعة في الأداء الميداني، وفي حين تحاول “قسد” ترميم صورتها عبر الدعاية، يبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبلها في مناطق أخرى، وما إذا كانت قادرة على استعادة ثقة جمهورها بعد هزيمة بهذا الحجم.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية