«نبض الخليج»
شهدت مناطق انتشار المخيمات في شمال غربي سوريا هطولاً ثلجياً كثيفاً غطى الأرض بطبقات بيضاء وصلت سماكتها في ريف منطقة اعزاز إلى نحو 35 سم، ما أدى إلى قطع بعض الطرق الحيوية وشل حركة التنقل، فضلاً عن الانخفاض الكبير في درجات الحرارة الذي فاقم معاناة آلاف العائلات المقيمة في خيام لا تقوى على مواجهة هذه الظروف المناخية القاسية، وقد تضررت بالفعل بعض الخيام تحت وطأة الثلوج المتراكمة، لتكشف هشاشة المأوى الذي يفتقر إلى أبسط مقومات الحماية.
جال موقع تلفزيون سوريا عدداً من المخيمات المنتشرة قرب الحدود مع تركيا شمال حلب، ورصد أوضاع النازحين الذين يكابدون البرد القارس وسط نقص حاد في وسائل التدفئة، وانخفاض مستويات الدعم الإنساني والإغاثي في وقت تتضاعف فيه الحاجة إلى المساعدات الطارئة، ومع استمرار العاصفة الثلجية، تتجلى مأساة النازحين في صور يومية من معاناة الأطفال والنساء وكبار السن، الذين يواجهون خطر المرض والبرد في خيامهم المهترئة.
خيام مهترئة في مواجهة العاصفة
في ريف منطقة اعزاز بريف حلب الشمالي، تنتشر عشرات المخيمات التي تؤوي آلاف النازحين السوريين الذين لم يتمكنوا من مغادرتها رغم مرور أكثر من عام على سقوط النظام المخلوع. معظم هؤلاء لا يملكون خياراً آخر، إذ إن منازلهم في مناطقهم الأصلية مدمرة جزئياً أو تعرضت للدمار الكامل، وهم ينحدرون من محافظات سورية مختلفة: حمص، وحماة، ودرعا، وإدلب، وحلب، والرقة.
زار موقع تلفزيون سوريا مخيم الزيتون الواقع إلى الشرق من مدينة اعزاز، حيث تتوزع مئات الخيام على مساحة تزيد على 20 هكتاراً من الأرض، ويضم المخيم أكثر من 700 عائلة. ينحدر قسم منهم من ريف حمص الشرقي، ومن منطقة أبو الظهور بريف إدلب الشرقي، وعائلات أخرى من ريف حلب الجنوبي ومناطق جنوبي الرقة. يعيش هؤلاء في ظروف إنسانية بالغة القسوة، وقد زادت العاصفة الثلجية التي تضرب شمال غربي سوريا معاناتهم، إذ غطت الثلوج المخيمات وأدت إلى انهيار بعض الخيام تحت وطأة تراكمها، في حين انخفضت درجات الحرارة إلى مستويات خطيرة.
عبد الله الجاسم، أحد سكان المخيم، التقاه موقع تلفزيون سوريا بينما كان يستعد للتوجه إلى مدينة اعزاز لشراء علبة حليب لطفلته الرضيعة، يقول الجاسم: “درجات الحرارة وصلت إلى خمس درجات مئوية تحت الصفر، وأثر البرد يظهر بشكل أكبر على الأطفال وكبار السن، يجب أن تبقى المدفأة مشتعلة طوال الوقت كي يبقى الجو داخل الخيمة مقبولاً، لكن الخيمة لا تعزل البرد، أنا ومثلي الكثير من العائلات نستخدم الفحم الرديء والنايلون والحطب للتدفئة، والأسعار مرتفعة جداً، وما نحصل عليه من دعم بخصوص مواد التدفئة قليل جداً وأقل بكثير مما نحتاجه بالفعل.”
ينحدر الجاسم من قرية أم توينة في ريف حماة الشرقي، وهي واحدة من مئات القرى والبلدات في أرياف حمص وحماة وإدلب الملاصقة للبادية السورية التي تعاني من دمار واسع، ومعظمها شبه مهجورة بسبب ما لحق بها من خراب خلال السنوات الماضية، هذا الواقع حال دون عودة سكانها إليها، إذ إن معظمهم فقراء ولا يملكون المال لإعادة الترميم، بعض العائلات النازحة في مخيم الزيتون لا تملك حتى أجرة النقل للوصول إلى بلداتها الأصلية، في حين يفتقر آخرون إلى قوت يومهم ويضطرون لشراء مواد التدفئة بالدين.
ومع اشتداد العاصفة الثلجية، تتضاعف احتياجات النازحين في مخيم الزيتون، وما يلي أبرز تلك الاحتياجات بحسب النازحين الذين التقاهم موقع تلفزيون سوريا:
. وسائل تدفئة آمنة وفعالة بدلاً من الفحم الرديء والمواد البلاستيكية التي تسبب أضراراً صحية.
. مواد غذائية أساسية وخاصة للأطفال، مثل الحليب والخبز والبقوليات والأرز.
. خيام أكثر مقاومة أو وحدات سكنية بديلة لمواجهة الثلوج والرياح والعوامل الجية عامة، خصوصاً أن القسم الأكبر من العائلات لا تعلم متى تعود لأن ليس لديها خيارات أخرى.
. خدمات صحية عاجلة لمعالجة أمراض البرد والوقاية من انتشار الأمراض بين الأطفال وكبار السن.
. دعم مالي لتغطية تكاليف النقل والاحتياجات اليومية.
في ظل هذه الظروف، تبدو حياة النازحين في مخيم الزيتون معلقة بين قسوة الطبيعة وضعف الاستجابة الإنسانية، في حين يظل البرد والثلج أكبر تهديد يواجهونه، تقول أم محمد، وهي نازحة من ريف إدلب الشرقي، وتقيم مع أطفالها الخمسة في مخيم الزيتون، لموقع تلفزيون سوريا: “الخيمة لا تقي من البرد ولا من المطر، ومع العاصفة الأخيرة تسربت المياه إلى داخلها، واضطررنا إلى رفع الأغطية والفرش عن الأرض حتى لا تبتل، الأطفال يستيقظون ليلاً وهم يرتجفون من البرد، ولا نملك سوى بعض الحطب والفحم الرديء الذي يسبب دخاناً خانقاً داخل الخيمة”
وتضيف أم محمد: “أبرز ما نحتاجه اليوم هو خيام جديدة أو نقل العائلات إلى قرى سكنية أسوة بباقي النازحين، والمخيم هناك بحاجة إلى مواد تدفئة كافية، ابني الصغير يعاني السعال منذ أسبوع، ولا توجد نقطة طبية قريبة يمكنها تقديم العلاج مجانا، نحن نعيش على ما يصلنا من مساعدات قليلة، وغالباً ما نضطر لشراء الحاجات الأساسية والخبز بالدين”.
أزمة متصاعدة
يعد مخيم الزيتون واحداً من بين عشرات المخيمات المنتشرة في ريف منطقة أعزاز، وعموم مناطق ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي (المعروفة سابقاً بمنطقة درع الفرات). إلى جانب الزيتون، هناك مخيمات الكازية والساروت والنور والقطري والأرامل والريان وشمارخ والزهور والأخوة والتضامن والفرقان، جميعها تحتضن آلاف النازحين الذين لم يتمكنوا من العودة إلى بلداتهم الأصلية، ورغم أن بعض العائلات غادرت هذه المخيمات بعد التحرير وعادت إلى مناطقها، إلا أن نسبتهم لا تتجاوز 30 بالمئة، في حين ما يزال نحو 70 بالمئة يعيشون في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
مدير مخيم الكازية، محمد أبو هشام، أوضح لموقع تلفزيون سوريا أن المخيم الذي يشرف على إدارته يضم حالياً نحو 130 أسرة، بعدما كان العدد أكبر في السابق، بعض العائلات تمكنت من العودة إلى قراها وبلداتها خلال الأشهر الماضية، لكن القسم الأكبر ما يزال عاجزاً عن المغادرة بسبب دمار منازلهم وعدم وجود مأوى بديل.
يقول أبو هشام: “المعاناة في المخيم تصاعدت خلال الأشهر القليلة الماضية، ليس مخيم الكازية وحده من يعاني، بل جميع المخيمات التي تضم خياماً مهترئة تواجه الظروف نفسها. الدعم الذي كان يصل سابقاً تراجع بشكل كبير، المساعدات الغذائية قليلة، ومواد النظافة شبه معدومة، أما مواد التدفئة فتأتي بكميات ضئيلة لا تكفي، والشتاء هذا قاسٍ جداً، إذ بقيت درجات الحرارة منذ شهر تقريباً حول الصفر، وهذا الرقم مخيف بالنسبة للنازحين الذين يحتاجون إلى مصاريف كبيرة لإبقاء مدافئهم مشتعلة.”
خلال جولة موقع تلفزيون سوريا في عدد من هذه المخيمات، عبر معظم النازحين عن استيائهم من ضعف الأحوال المعيشية وشعورهم بأنهم باتوا منسيين، يقول أحدهم: “في السابق كانت المخيمات تلقى عناية خاصة، وكانت تصلنا مساعدات تخفف من آثار الشتاء القاسي أو حرارة الصيف، أما اليوم فنحن نعاني التهميش والنسيان” هذه الشهادات تعكس واقعاً مأساوياً يتكرر في كل مخيم، حيث يفتقر النازحون إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة، ويواجهون البرد والجوع والمرض في خيام لا تصلح للسكن.
تتواصل أزمة النازحين في مخيم الزيتون وبقية المخيمات المنتشرة في ريف اعزاز، لتكشف عن مأساة إنسانية متصاعدة في ظل تراجع الدعم الإغاثي وتفاقم الظروف المناخية القاسية، وبينما يواجه الأطفال وكبار السن خطر البرد والمرض، تظل الاحتياجات الأساسية، من مأوى آمن، ووسائل تدفئة، وغذاء، ورعاية صحية، مطالب يومية لم تجد استجابة كافية حتى الآن، ومع استمرار العاصفة الثلجية، يزداد الخوف من أن تتحول تطول فترة البرد، ما لم تتحرك الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية بشكل عاجل لتقديم الدعم اللازم ودعم آلاف العائلات النازحة.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية