جدول المحتويات
«نبض الخليج»
بعد أكثر من أربعة عشر عاماً على النزوح والتهجير عاد أكثر من مليون و208 آلاف لاجئاً سورياً إلى مدنهم وقراهم عقب تحرير البلاد في كانون الأول/ديسمبر2024 وفق الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين قادمين من دول الجوار مثل تركيا ولبنان والأردن ومصر.
رغم أن مشهد العودة حمل في ظاهره الأمل ببدء حياة جديدة إلا أن الواقع داخل سوريا كان مختلفاً؛ مجتمع تبدل وأولويات تغيرت وهوية تبحث عن توازن بين ما كان وما أصبح، ومن هنا برزت أسئلة جوهرية حول كيفية اندماج العائدين مجدداً في وطن لم يعد كما تركوه، وكيف يمكن ترميم الفجوة بين من عاشوا الحرب ومن عاشوها من بعيد.
نظرة عدم تقبل للعائد
يمثل المغتربون العائدون إحدى أكثر الفئات شعوراً بالتحوّل، إذ يجدون أنفسهم بين ذكريات وطن قديم وواقع جديد يعاد بناؤه وسط فرحة تغمرهم بعد أن تعبوا من صفة اللجوء التي رافقتهم منذ أعوام.
قالت الشابة نجاح التي عادت إلى سوريا قبل ثلاثة أشهر بعد سنوات من الإقامة في تركيا، لموقع تلفزيون سوريا إنّ تجربة اللجوء هناك وما رافقها من تمييز وقيود تحرك بين المدن وصعوبات بالأوراق الثبوتية زادت شعورها بالانتماء للوطن ورغبتها بالعودة عقب التحرير.
وأضافت أنه ورغم الصعوبات بالمعيشة في دمشق لكنها سعيدة بأنها على أرضها وليست مقيدة بجواز السفر بعد الآن، موضحة أنه رغم الفرحة بالعودة رافقها تحديات أبرزها نظرة بعض الناس للعائدين من الغربة بعدم تقبّل، معتبرين بقائهم في البلاد تضحية تستوجب التقدير مما يخلق فجوة في التفاهم.
من جانبها، أشارت يمامة التي غادرت سوريا لثلاث سنوات وعادت منذ عام إلى أنها لاحظت فروقات واضحة بين العائدين والمقيمين، لا تقتصر على طريقة التفكير فحسب بل تمتد إلى أسلوب الحياة والتعبير عن المشاعر والانتماء.
وأكدت أن من عاش تجربة الاغتراب خضع لتحولات اجتماعية وثقافية عميقة أثّرت في رؤيته للوطن والهوية والمستقبل وأن هذه التجارب تختلف من جيل إلى آخر، بحسب رأيها.
وأضافت أن بعض العائدين يحملون حنيناً مشوباً بالخيبة وآخرون عادوا بأفكار جديدة، لكنهم اصطدموا بواقع محليّ لم يتغير كما كانوا يتوقعون، في حين هناك من لا يملك اليوم أي تصور واضح عن وطنه الذي عاد إليه.
وتابعت يمامة أنها لم تفاجأ تماماً بحصول هذا الاختلاف لكنها لم تتوقع أن يكون بهذه الحدة، موضحةً أنّها كانت تعتقد أنّ تنوّع التجارب سيخلق تعدّداً في وجهات النظر لا فجوة في التواصل، ولكن ما حدث فعلاً هو أن بعض النقاشات تحوّلت إلى صدامات غير مباشرة، وكأن كل طرف يحمل نسخته الخاصة من سوريا، ويجد صعوبة في تقبل رواية الآخر.
ما الأسباب؟
وحول ذلك قالت الباحثة الاجتماعية وضحة العثمان لموقع تلفزيون سوريا، أن العائدين إلى سوريا بعد سنوات من الغربة يواجهون “صدمة العودة” التي تتجلّى في تغير العلاقات الاجتماعية والمحيط العائلي.
وأشارت العثمان لموقع تلفزيون سوريا إلى أن العلاقات التي كانوا يتصورون أنها حميمية تبدو مختلفة، بسبب الانقسامات والتوترات الناتجة عن الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة، ما يولد مشاعر الحسد والقلق بين الناس.
فجوة فكرية بين العائدين والمقيمين
عودة السوريين بعد سنوات الغربة لا تعني مجرد رجوع إلى المنازل، بل مواجهة واقع اجتماعي ونفسي مختلف عن الذكريات التي تركوها خلفهم فالصدمة قد تكون ليست مجرد شعور مؤقت، بل تجربة مركبة بين التغير في العلاقات والضغوط الاقتصادية والحاجة لإعادة التكيف مع بيئة تغيرت بالكامل.
وبينت نجاح البالغة من العمر 28 عاماً أنها لاحظت فروقات واضحة في المجتمع بعد عودتها، من ضعف الإحساس بالمسؤولية الوطنية إلى تفشي العنصرية الطبقية والتراجع في احترام القوانين والنظافة، مشيرة إلى أنّها تتعامل مع ذلك بتفهم وتعاطف لأن الظروف والتغييرات التي عاشها الشعب خلال فترة الثورة السورية لم تكن سهلة.
أما الصحفي حسن برهان المنحدر من مدينة الزبداني بريف دمشق ولجأ إلى مصر لسنوات، قال لموقع تلفزيون سوريا إنّ الغربة هناك لم تكن صعبة، فالمجتمع المصري قريب من السوريين في الطباع والعادات، لكن المفاجأة كانت عند العودة إلى الداخل السوري، حيث لمس تغيراً واضحاً في تفكير الناس وأولوياتهم، خصوصاً في المناطق التي بقيت تحت سيطرة نظام الأسد.
وأوضح برهان أن الضغوط الاقتصادية جعلت التفكير المادي يطغى على اهتمام كثيرين بتطوير الذات أو متابعة الشأن العام، في حين افتقدت شرائح واسعة الرؤية السياسية نتيجة للخوف والقمع الذي فرضه النظام البائد.
ويرى برهان أن هذا الواقع خلق فجوة فكرية بين السوريين في الداخل والمغتربين الذين واكبوا التطورات التقنية والاقتصادية، ما جعل عملية الاندماج الاجتماعي للعائدين أكثر تعقيداً مما تخيلوا.
وحول الفجوة الحاصلة أكدت الباحثة وضحة العثمان أن الفجوة بين العائدين والمقيمين ترتبط بالقدرات والمعرفة الشخصية المكتسبة خلال الغربة، فالعائد أحياناً يجد أن أسلوبه اللبق أو تصرفاته يفسر على أنه تصنع أو محاولة للتفاخر، نتيجة لاختلاف الخبرات والمهارات الاجتماعية بين الطرفين.
وتابعت الباحثة أن هذه الفجوة تجعل التفاعل مع المجتمع المحلي تحدياً يحتاج لوقت وصبر لتجاوز سوء الفهم وبناء علاقات طبيعية، مؤكدة أن الحوارات والمبادرات المجتمعية ضرورية لتقليص الانقسامات بين العائدين والمقيمين.
وترى العثمان أن هذه الحوارات تسمح للناس بالاحتكاك المباشر وتبادل الخبرات، ما يساهم في بناء “سياق اجتماعي جديد” يتكيف مع تعددية الخبرات والتوجهات داخل المجتمع السوري، ويقوي أواصر التواصل والتفاهم بينهم، فالتنوع الثقافي الذي اكتسبه السوريون خلال الغربة في دول مختلفة خلق اختلافات في الخبرات والسلوكيات، ما قد يعزز سوء الفهم أو الصور النمطية بين المجموعتين.
من لجوء الخارج إلى اغتراب الداخل
وسط تعدّد التجارب وتنوّع الخلفيات التي عاد بها السوريون، تبقى الغربة شعوراً لا يقتصر على من رحل فقط بل تطال حتى من بقي.
وفي هذا السياق تعتقد الشابة هناء محمح خلال حديثها إلى موقع تلفزيون سوريا أن التكوينة الاجتماعية في سوريا اليوم مختلفة تماماً عما كانت عليه قبل الثورة، بل وحتى عما كانت عليه قبل 50 عاماً.
هناء ابنة حي الصالحية والتي لم تغادر دمشق خلال سنوات الثورة أدى أن عودة أعداد كبيرة من المغتربين بعد انتصار الثورة السورية أدت إلى تنوع واضح في العقليات والثقافات، فكل مجموعة عائدة تحمل بصمتها الخاصة بحسب البلد الذي أقامت فيه، ما يشعرنا بالغربة داخل وطننا ببعض الحالات لاختلاف بعض الأشياء بين أصدقائنا القدامى والجدد من العائدين.
وأوضحت أنه صار واضحاً من أين جاء الشخص خلال جلسة واحدة، فالعائد من تركيا يختلف في سلوكه ولهجته عن العائد من الخليج أو أوروبا، حتى يمكن تمييز من عاش في ألمانيا عن من أقام في بلد أوروبي آخر.
وبينت الشابة أن هذا التنوع أفرز اختلافات فكرية ودينية أيضاً، فهناك من تأثر باتجاهات متشددة أو متحررة، في حين تغيّرت اللهجات ودخلت عليها كلمات أجنبية من لغات مختلفة قد لا يفهمها من يقيم بسوريا.
وفي هذا السياق أكدت الباحثة وضحة العثمان أن العائدين يعانون “الاغتراب الداخلي”، وهو شعور بالغربة داخل وطنهم نفسه وبعد سنوات من النزوح وبناء علاقات اجتماعية جديدة في الخارج، يجد العائد نفسه غير متوافق مع محيطه الأصلي، حتى ضمن بيئته العائلية والاجتماعية.
وبين الحنين إلى الماضي وصعوبة التأقلم مع الحاضر، يعيش كثير من السوريين العائدين رحلةً جديدة لا تقل قسوة عن اللجوء ذاته، عنوانها البحث عن مكان في وطن تغير ملامحه وسلوكه، ومع أن التحديات كبيرة إلا أن الأمل ما يزال قائماً بإعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد وفقا لما رواه سوريون عائدون لموقع تلفزيون سوريا، وربما تكون عودة السوريين رغم كل ما رافقها من صدامات وحنين، بداية لتشكيل هوية سورية أكثر نضجاً وتنوعاً.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية