جدول المحتويات
«نبض الخليج»
لم يحتج السوريون إلى بيانات رسمية أو شروحات تقنية ليدركوا حجم التغيير في تسعيرة الكهرباء، فالأرقام التي ظهرت على أول فاتورة بعد القرار الحكومي كانت كافية وحدها لشرح المشهد.
فواتير تجاوزت الرواتب بأضعاف، وأرقام صادمة قلبت حسابات آلاف العائلات، وفتحت باباً واسعاً للقلق حول القدرة على تحمل تكاليف خدمة أساسية.
الزيادة الحادة على تعرفة الكيلوواط الساعي، التي طُبقت مع بداية تشرين الثاني 2025، حولت فاتورة الكهرباء من بند استهلاك يمكن تدبيره، إلى عبء معيشي ثقيل، يضغط على الأسر في وقت تعيش فيه البلاد واحدة من أقسى أزماتها الاقتصادية، ويطرح أسئلة ملحّة حول حدود التحمل، وجدوى الإصلاح حين يسبق الكلفة قدرة المواطن على الدفع.
تحول جذري
القرار الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الثاني 2025، وقضى برفع تعرفة الكيلوواط الساعي بنسب وصلت في بعض الشرائح إلى أكثر من 600 بالمئة، حول الكهرباء من خدمة أساسية مدعومة إلى عبء ثقيل في بلد يعيش أكثر من 90 بالمئة من سكانه تحت خط الفقر وفق تقديرات الأمم المتحدة.
بحسب القرار الجديد، قُسمت التعرفة إلى أربع شرائح؛ الشريحة الأولى، وهي المخصصة للاستهلاك المنزلي حتى 300 كيلوواط خلال الدورة، حُدد سعر الكيلوواط فيها بـ6 ليرات جديدة، أي ما يعادل نحو 5 سنتات.
والشريحة الثانية للاستهلاك الأعلى وصلت إلى 14 ليرة جديدة للكيلوواط، بينما بلغت الشريحة الثالثة الخاصة بالمنشآت الحكومية والتجارية 17 ليرة جديدة، والرابعة للمعامل الكبرى 18 ليرة جديدة للكيلوواط.
عملياً، هذا يعني أن سعر الكهرباء اقترب كثيراً من كلفة الإنتاج الفعلية التي تُقدّر بنحو 15 سنتاً للكيلوواط الواحد، من دون احتساب الهدر ورسوم الاستيراد.
أي أن الدولة انتقلت من سياسة دعم واسع إلى سياسة تحميل المستهلك الجزء الأكبر من التكلفة، دفعة واحدة تقريباً.
كيف تضاعفت الفواتير؟
لفهم حجم الصدمة، يكفي مقارنة بسيطة بين ما كان يدفعه المواطن سابقاً وما يدفعه اليوم، تقول أروى، وهي موظفة في القطاع العام وتسكن في أحد أحياء العاصمة: “قبل التسعيرة الجديدة، كانت فاتورتي تتراوح بين 3000 و4000 آلاف ليرة جديدة في الدورة الواحدة، بعد القرار، وصلتني فاتورة بـ130 ألف ليرة جديدة دفعة واحدة، رغم أن الكهرباء على زمن النظام المخلوع لا تتجاوز الساعة أو ساعتين يوميا والآن تتجاوز الـ7 ساعات يوميا لكن هذا الرقم كبير جدا على راتب موظف لا يتجاوز الـ90 دولارا”.
وتشرح أروى أن استهلاكها لم يتغير تقريباً: “نحن أسرة من أربعة أشخاص، لا نملك أجهزة كهربائية كبيرة، والتغذية سيئة أساساً، حتى وإن زاد عدد ساعات التشغيل، من غير المعقول أن تكون فاتورة الكهرباء بسعر إيجار المنزل ذاته”.
راتب أروى الشهري لا يتجاوز 90 دولارا، ما يعني أن فاتورة الكهرباء وحدها تستهلك أكثر من 120 بالمئة من دخلها.
وتضيف أروى في حديثها لموقع تلفزيون سوريا: “المشكلة الأكبر أن هذه الزيادات لم تترافق مع تحسن في الخدمة، ما زال التقنين قائماً في معظم المناطق، بنظام ساعة وصل مقابل خمس أو ست ساعات قطع، ما يدفع المواطنين للاعتماد على مولدات الأمبيرات الخاصة، أي دفع فاتورتين للكهرباء في الوقت نفسه: واحدة للحكومة، وأخرى للقطاع الخاص”.
المواطن يتحمل العجز
الخبير الاقتصادي جورج خزام يرى أن ما جرى لا يمكن اعتباره مجرد تعديل تقني في التعرفة، بل هو انتقال جذري في فلسفة التعامل مع قطاع الكهرباء.
يقول خزام في منشور على حسابه الرسمي على فيس بوك: “إن دفع فواتير الكهرباء بمئات الألوف وبالملايين يعني عملياً توزيع العجز المالي للموازنة العامة على كل أفراد الشعب، في بلد نسبة الفقر فيه تتجاوز 90 بالمئة”.
ويضيف: “ما يحدث يوحي وكأن وزارة الكهرباء تتصرف كتاجر خاص، لا كمؤسسة حكومية هدفها تقديم خدمة عامة لمواطن يدفع الضرائب للخزينة، التي تحصل بدورها على التمويل من الموارد المختلفة والثروات الباطنية، وخاصة بعد تحرير حقول النفط والغاز في الشمال”.
من وجهة نظر خزام، فإن لهذه السياسة آثاراً خطيرة على الاقتصاد السوري، تبدأ من دخل الأسرة ولا تنتهي عند بنية السوق؛ أول هذه الآثار هو تراجع الجزء المتبقي من دخل المواطن المخصص للاستهلاك، عندما يضطر الفرد لتخصيص نسبة كبيرة من راتبه للكهرباء، فإنه سيخفض إنفاقه على الغذاء والملبس والتعليم والصحة.
هذا التراجع في الاستهلاك يعني مباشرة انخفاض الطلب في الأسواق، ومعه تراجع الإنتاج وزيادة البطالة والكساد، أي أن رفع تعرفة الكهرباء لا يبقى محصوراً في قطاع الطاقة، بل يتحول إلى عامل ضغط على الدورة الاقتصادية كاملة.
الأثر الثاني، بحسب خزام، يتعلق بالصحة العامة: “عندما يتراجع دخل الأسرة المتاح للإنفاق، فإن أول ما يتم تقليصه عادة هو نوعية الغذاء، الناس ستتجه إلى الأرخص لا إلى الأفضل، ما ينعكس تراجعاً في مستوى الصحة العامة وانتشار الأمراض المرتبطة بسوء التغذية”.
أما الأثر الثالث، فهو اجتماعي وسلوكي، ويتمثل في زيادة حالات سرقة الكهرباء تحت ذرائع مختلفة، وعودة الرشاوى بقوة في بعض مفاصل القطاع العام، تحت تبرير الفواتير المرتفعة وغير المبررة.
ويضيف خزام أن ارتفاع الفواتير قد يؤدي أيضاً إلى زيادة حالات الاختلاس من المال العام، بعد أن تم عملياً تحويل الزيادات الأخيرة في الرواتب إلى بند الكهرباء.
ويشير كذلك إلى معضلة السكن: “ملايين السوريين اليوم غير قادرين على دفع إيجار منزل وفاتورة كهرباء مرتفعة في الوقت نفسه، ما يفتح الباب أمام أزمات اجتماعية وعائلية وضغوط نفسية كبيرة”.
فجوة معيشية
تكشف أزمة فواتير الكهرباء الأخيرة عن تعقيدات أوسع تتجاوز مسألة الأرقام والتعرفة، لتلامس الواقع المعيشي اليومي لملايين السوريين.
ففي الوقت الذي تبرر فيه الجهات الرسمية قرار رفع الأسعار بارتفاع كلفة الإنتاج والخسائر المتراكمة في القطاع، يجد المواطن نفسه أمام فاتورة تفوق قدرته على الدفع، من دون تحسن ملموس في مستوى الخدمة أو انتظام التغذية.
محمد عنطوز، موظف في شركة خاصة بدمشق، يصف لـ موقع تلفزيون سوريا تجربته بالقول إن فاتورته الأخيرة بلغت ما يقارب ال90 دولار مقابل راتب لا يتجاوز 130 دولار، مؤكداً أن المشكلة لا تتعلق بصحة الحسابات بقدر ما تتعلق بغياب القدرة على تحمّل هذه الأعباء إلى جانب باقي متطلبات المعيشة، ويشير إلى أن أي إصلاح اقتصادي، برأيه، يجب أن يترافق مع معالجة مسألة الأجور.
وبين هذه الشهادات، تبدو فاتورة الكهرباء بالنسبة لكثير من السوريين مؤشراً إضافياً على حجم الضغوط الاقتصادية التي تعيشها الأسر، في وقت تتزايد فيه كلفة الخدمات الأساسية مقابل دخول محدودة.
ومع استمرار تطبيق التعرفة الجديدة، تبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة المواطنين على الاستمرار في تحمل هذه الأعباء، وحول الخطوات الممكنة للتخفيف من آثارها على الشرائح الأكثر هشاشة.
بهذا المعنى، لا تقف أزمة الكهرباء عند حدود خدمة عامة، بل تعكس واقعاً معيشياً ضاغطاً، يرتبط بشكل مباشر بتوازن دقيق بين كلفة الإصلاح من جهة، والقدرة الفعلية للمواطنين على تحمّل نتائجه من جهة أخرى.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية