«نبض الخليج»
لا تتحرّك حاملات الطائرات عبثاً، ولا يُعاد توزيع منظومات الدفاع الجوي لمجرّد الاستعراض. في السياسة الدولية، حين يبدأ البحر بالكلام، يكون ذلك إعلاناً عن مرحلة جديدة، لا عن رسالة عابرة. التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة باتجاه الشرق الأوسط لا يمكن قراءتها بوصفها ضغطاً نفسياً أو ردعاً تقليدياً فحسب، بل كجزء من إعادة تموضع أوسع في لحظة إقليمية شديدة السيولة، يتداخل فيها الداخل الأميركي المتصدّع مع نظام دولي يتآكل بسرعة.
وصول حاملة الطائرات الأميركية، وما يرافقها من مدمرات وصواريخ موجهة، بالتوازي مع بحث واشنطن نشر منظومات دفاع جوي إضافية لحماية قواعدها، يشير إلى انتقال واضح من سياسة “إدارة المخاطر” إلى سياسة “الاستعداد للمواجهة”. والأهم أن هذا الاستعداد يأتي متأخراً زمنياً، لكنه محسوب سياسياً.
فامتناع إدارة ترمب سابقاً عن توجيه ضربة لإيران خلال موجة الاحتجاجات الواسعة داخلها، لم يكن نابعاً من تردّد أخلاقي أو حرص على الاستقرار، بل من غياب الجاهزية العسكرية اللازمة لتحمّل ردّ إيراني واسع. يومها، لعبت وساطات إقليمية، ولا سيما السعودية والقطرية والعُمانية، دوراً محورياً في التحذير من الانزلاق إلى مواجهة غير مضبوطة.
في المشرق العربي، تلقّت المنظومة الإيرانية ضربات أشدّ إيلاماً. عملية “طوفان الأقصى” التي أطلقتها حركة حماس لم تُفضِ إلى كسر إسرائيلي، بل أطلقت سلسلة ارتدادات انتهت بتآكل غير مسبوق في أدوات النفوذ الإيراني.
اليوم، الصورة مختلفة، فالتحضير يجري بعد أن أُخمدت الانتفاضة، أي في لحظة يُراد فيها تطويع النظام لا إسقاطه، وإجباره على التكيّف مع الشروط الأميركية، لا فتح باب الفوضى عليه، أو هكذا يبدو في الحدّ الأدنى.
لكن هذا التحرك لا يأتي في فراغ. إيران نفسها تشعر بأن مجالها الحيوي الإقليمي يتقلّص بوتيرة غير مسبوقة. منذ عام 2023، بدأت الضغوط من الشمال، مع سقوط ناغورنو كاراباخ بيد أذربيجان، وما رافق ذلك من إعادة هندسة التوازنات في جنوب القوقاز. ثم جاء الرعاة الأميركيون لاتفاقات جديدة بين باكو ويريفان، تُوّجت بترتيبات ممرات استراتيجية تُكرّس وجوداً أميركياً فعلياً على خاصرة إيران الشمالية، في اختراق جيوسياسي لم يكن مطروحاً قبل سنوات قليلة.
في المشرق العربي، تلقّت المنظومة الإيرانية ضربات أشدّ إيلاماً. عملية “طوفان الأقصى” التي أطلقتها حركة حماس لم تُفضِ إلى كسر إسرائيلي، بل أطلقت سلسلة ارتدادات انتهت بتآكل غير مسبوق في أدوات النفوذ الإيراني. و“حزب الله” تلقّى ضربة استراتيجية قلّصت قدرته الردعية، وسوريا خرجت من المعادلة بسقوط نظام بشار الأسد ووصول الرئيس أحمد الشرع. والذروة جاءت في حزيران 2025، مع الهجوم الأميركي–الإسرائيلي المباشر على إيران، والذي شكّل كسراً علنياً لهيبة “الخطوط الحمراء”.
في هذا السياق، لم تغب عن طهران السابقة الفنزويلية. ما جرى في الكاريبي، من تحشيد عسكري طويل ثم عملية خاطفة انتهت بإطاحة نيكولاس مادورو، لم يُقرأ في إيران بوصفه حالة معزولة، بل نموذجاً لما يمكن أن تفعله واشنطن حين تقرر تغيير قواعد اللعبة. لذلك لم يكن عابراً تصاعد الخطاب الإيراني حول “الاغتيال” والحرب الشاملة، ولا التهديدات بإطلاق “جهاد عالمي” في حال استهداف أميركي وإسرائيلي لرأس النظام.
إيران اليوم تقف أمام خيارات قاسية. صحيح أن أجهزتها الأمنية نجحت في قمع الاحتجاجات الأخيرة، لكن هشاشة الداخل لم تُعالج. أي ضربة أميركية واسعة قد تعيد الشارع إلى الواجهة، وأي رضوخ سياسي للشروط الأميركية قد يفتح شرخاً داخل النخبة الحاكمة، خصوصاً في ظل مقاومة التيار المحافظ لأي إصلاح اقتصادي أو سياسي جدي.
في هذا المناخ، تتجه طهران نحو خيار المواجهة بوصفه “أقلّ الخسائر”، بعدما خلصت مراجعاتها الداخلية إلى ثلاثة أخطاء قاتلة: أولها الاعتقاد بأن أحداً لن يجرؤ على ضربها مباشرة، وثانيها الاستخفاف بالاختراقات الأمنية، وثالثها الفشل في استخدام شبكتها الإقليمية دفعة واحدة عندما كان ذلك ممكناً. هذا الاستنتاج يفسّر الإصرار على إبقاء أدوات النفوذ الخارجية، وفي مقدّمها “حزب الله”، خارج أي مسار تفكيك، إضافة إلى محاولات الاستثمار بما تبقّى من “فلول الأسد”.
من هنا، يصبح الموقف الغامض لحزب الله إزاء احتمال فتح جبهة لبنان جزءاً من استراتيجية الردع لا الحياد. الغموض، في هذه الحالة، ليس تردّداً بل رسالة. ورفض الحزب الإجابة الصريحة يعني عملياً الاستعداد للانخراط في أي ردّ إقليمي منسّق، إلى جانب الحوثيين والفصائل العراقية. لذلك ترى طهران في مشاريع نزع سلاح الحزب محاولة مكشوفة لتجريدها من مظلّتها الدفاعية الأخيرة.
يبقى السؤال المركزي: ماذا تريد واشنطن فعلياً؟ إضعاف إيران؟ إخضاعها؟ تغيير نظامها؟ أم دفعها إلى فوضى داخلية طويلة الأمد؟ وأيّاً كان الجواب، فإن نجاح أي خيار مرتبط بقدرة إدارة ترمب على تحييد شبكة الحلفاء الإقليميين، وهو رهان محفوف بالمخاطر.
وزيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت، وما حملته من رسائل غير مباشرة حول التمسّك بالبنية العسكرية للحزب، تأتي في هذا الإطار. وكذلك الخطاب المرتفع السقف الذي يرفض أي حديث عن مراحل لاحقة في شمال نهر الليطاني، ويعتبر أي قرار حكومي بتوسيع دور الجيش مساساً مباشراً بمعادلة الردع، بما يفتح الباب – ولو نظرياً – على مواجهة داخلية، حتى لو بقي هذا الاحتمال ضعيفاً حتى الآن.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا المشهد عن الداخل الأميركي. ترمب يدخل سنته الثانية وسط تراجع شعبي لافت، وانقسامات داخل حزبه، وانتقادات حادّة لسياساته الاقتصادية والخارجية. ورغم الاعتراض الواسع على مغامراته غير التقليدية، فإن استهداف إيران لا يزال يحظى بقبول نسبي في الرأي العام الأميركي، بشرط ألّا يتحوّل إلى حرب مفتوحة. من هنا، يبدو التقاطع مع المشروع الإسرائيلي تجاه إيران و“حزب الله” مغرياً لترمب، بوصفه إنجازاً سريعاً يعوّض إخفاقاته الداخلية.
يبقى السؤال المركزي: ماذا تريد واشنطن فعلياً؟ إضعاف إيران؟ إخضاعها؟ تغيير نظامها؟ أم دفعها إلى فوضى داخلية طويلة الأمد؟ وأيّاً كان الجواب، فإن نجاح أي خيار مرتبط بقدرة إدارة ترمب على تحييد شبكة الحلفاء الإقليميين، وهو رهان محفوف بالمخاطر.
والخوف أنه، وفي لحظة انهيار النظام الدولي القديم، قد تتشكّل تحالفات جديدة خارج القوالب الكلاسيكية. السعودية تميل شرقاً مع باكستان وتركيا، والإمارات تبني شراكات مختلفة مع إسرائيل والهند، وإسرائيل تبحث عن مظلّة أوسع، وأوروبا تفقد ثقتها بحلف الأطلسي. وفي هذا العالم المتحوّل، لم تعد الحروب استثناءً، بل محطات انتقال بين نظام يحتضر وآخر لم يتشكّل بعد، والشرق الأوسط يقف اليوم على حافة هذا العبور. وما يجري حول إيران ليس سوى أحد تجلّياته الأكثر خطورة.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية