جدول المحتويات
«نبض الخليج»
غادر بكر مغسل السيارات وقد أعاد لسيارته بريقها، وعند أول إشارة مروريّة ضوئيّة اقترب طفل يحمل قارورة ماء وقطعة قماش متسخة، ليترك الزجاج أكثر اتساخ مما كان عليه.
في اللحظة نفسها، يطرق زجاج السيّارة آخرون بإلحاح، يعرضون علبة علكة أو محارم، ويمدون أيديهم طلبًا للمال بإلحاح، وعلى الشارع المقابل في ذات اللحظة يندفع رجل على كرسي متحرّك ليقطع شارعًا رئيسيًّا متوسّلًا عطف المارّة، ليشكّل خطرا على حياته وأزمة سير في الشارع المكتظ بالسيارات.
هذه مشاهد حقيقة تحدث بشكل يومي ومتكرّر في العاصمة دمشق، حيث لم يعد التسوّل مشهدًا عابرًا يثير شفقة المارّة، بل تحوّل إلى ظاهرة يومية تُثقل الحياة العامة وتثير استياء الناس.
لكن، خلف هذه الصور اليومية المكرّرة، يبرز سؤال جوهري: ما الذي يدفع هؤلاء الأطفال والنساء والرجال إلى الشارع؟ وهل الفقر وحده هو السبب، أم أن هناك عوامل اجتماعية واقتصادية أعمق؟ الأهم من ذلك، كيف يمكن للمدن التي نفخر بجمالها وتاريخها أن تواجه هذه الظاهرة بطرق تحفظ كرامة الأفراد وتعيد للمدينة صورتها كفضاءٍ إنساني آمن؟
نساء وأطفال على الأرصفة
الظاهرة باتت أكثر وضوحًا عند إشارات المرور والأسواق الشعبية، أمام أحد الأفران في حي الميدان، تجلس امرأة تحمل طفلًا لا يتجاوز العام، تمد يدها للمارّة بصمت، في مكان آخر، يقف فتيان صغار يحملون علب محارم يبيعونها بإلحاح، في حين يلهو آخرون بحركات بهلوانية بين السيارات مقابل نقود زهيدة.
هبة سيدة ثلاثينية من ريف حلب، تقول لموقع تلفزيون سوريا “لم أفكر يومًا أن أطلب من الغريب مالًا، لكن بعد أن فقد زوجي عمله وانقطعت بنا السبل، لم أجد حلًا آخر، لسنا سعداء بوجودنا في الشارع، لكن أين نذهب؟”
أما أبو خالد، سائق سيارة أجرة، فيصف معاناته اليومية “أحيانًا أكاد أرتكب حادثًا بسبب الأطفال الذين يندفعون بين السيارات، أشفق عليهم، لكن الأمر لم يعد يحتمل”.
خلف المشهد: الفقر وحده لا يكفي
يربط معظم الناس التسوّل بالفقر، لكن الصورة أعمق من ذلك بكثير، فبعد حرب امتدت أربعة عشر عامًا، فقدت مئات آلاف الأسر مصادر دخلها، وأُنهك الاقتصاد، وتراجعت الخدمات الاجتماعية.
تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير أصدره في شهر شباط 2025 إلى أن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في فقر وأن واحدا من كل أربعة عاطل عن العمل، وفي ظل هذا الواقع، يصبح الشارع الملجأ الأخير لمن لا يملك بديلًا.
تتحدّث فاطمة (13 عاما) لموقع تلفزيون سوريا عن مرض والدها وأنه يستطيع العمل، ولذلك تخرج هي وشقيقتها ووالدتها للعمل عند إشارات المرور، يتراوح دخلهم اليومي نحو 200 ألف ليرة سوريّة، في حين ترفض والدتها العمل في مجال التنظيف بأحد المولات مقابل 60 ألف ليرة سوريّة يوميّا، وتبرّر إنّها اعتادت على العمل عند إشارات المرور.
تقول الباحثة الاجتماعية إنعام عبود لموقع “تلفزيون سوريا” إنّ التسوّل في دمشق ليس مجرد عجز فردي عن الكسب، بل نتيجة تراكمية لانهيار منظومة اقتصادية واجتماعية كاملة، من يطرق زجاج السيارة ليس فردًا فقط، بل انعكاس لأزمة معيشية تتطلب حلولًا جذرية.
صوت من الشارع: شرطي المرور
الظاهرة لا تقتصر على انزعاج الناس، بل ترهق عمل الشرطة أيضًا، يقول شرطي المرور الذي ينظم السير بالقرب من جسر فكتوريا في وسط العاصمة دمشق لموقع “تلفزيون سوريا” إنّه يرسل كل يوم بلاغات عن أطفال ونساء يقطعون الطريق فجأة أو يقتربون من السيارات عند الإشارات، هذا يعرقل السير ويعرض حياتهم وحياة السائقين للخطر، مضيفا أنّ دوره الوظيفي يقتضي منه أن يخطر قسم العمليات يوميًا لإرسال دوريات، لكنهم يعودون بعد دقائق.
ويضيف: “الحل ليس في مطاردتهم فقط، بل في معالجة الأسباب التي تدفعهم إلى هنا، وإلا سنبقى ندور في حلقة مفرغة”
من المسؤول؟
دمشق التي لطالما اعتبرت عاصمة للجمال والحضارة باتت مرهقة بظاهرة التسوّل. الأطفال يطاردون المارة عند المطاعم، النساء يطرقن نوافذ السيارات، والرجال يجلسون على الأرصفة في انتظار صدقة.
أم محمد، وهي أم لطفلين تعمل في بيع الخضار على بسطة صغيرة، تلخص المسألة ببساطة “هناك من اعتاد التسوّل، لكن الكثير من الناس لا يريدون أن يتسوّلوا، بل أن يجدوا عملًا يطعم أولادهم إذا وُجدت الفرص، سيغادر الشارع كثيرون.”
ترى الباحثة الاجتماعية إنعام عبود أنّ المنع والمطاردة لا يكفيان، المطلوب خطط تشغيل واسعة ومشاريع صغيرة للفئات الأشد ضعفًا، إضافة إلى إعادة تفعيل شبكات الحماية الاجتماعية.”
تجارب وحلول
في البرازيل، أسهم برنامج “بولسا فاميليا” في تقليص الفقر عبر منح مساعدات مالية مشروطة بإرسال الأطفال إلى المدارس، وفي المغرب، ساعدت عدة مبادرات أهلية في تشغيل النساء في مشاريع صغيرة بدل التسوّل، إذ تُظهر هذه التجارب أن الظاهرة ليست قدرًا، بل يمكن تحويلها إلى فرصة إذا جرى الاستثمار في الإنسان بدل تركه على قارعة الطريق.
وترى الباحثة الاجتماعية إنعام عبود أنّ للإعلام دور مركزي في معركة مكافحة التسول، فالتركيز على الصور المؤلمة وحدها يرسخ الشفقة والوصم، في حين يمكن أن يكشف جذور المشكلة ويعرض مبادرات الحلول ويفتح باب الحوار بين المواطنين وصانعي القرار.
وتضيف أن سوريا الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى إعادة بناء الكرامة الإنسانية أكثر من إعادة إعمار المباني، فظاهرة التسوّل تكشف عمق الأزمة، لكنها تفتح أيضًا بابًا للنقاش حول العدالة الاجتماعية ودور الدولة والمجتمع في صيانة كرامة الإنسان.
الطفل الذي يطرق زجاج السيارة اليوم يمكن أن يصبح طالبًا ناجحًا إذا وُجد من يأخذ بيده، والمرأة التي تستجدي رغيفًا قد تصبح معيلة كريمة إذا أُتيحت لها فرصة عمل، وفقا لعبود.
وتختم الباحثة الاجتماعية برسالة مفادها: التسوّل ليس قدرًا محتومًا، بل معضلة قابلة للحل إذا تكاتفت الدولة والمجتمع والإعلام بروح بنّاءة.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية