جدول المحتويات
«نبض الخليج»
بالنسبة للأشخاص الصم لا يُعدّ الإنترنت خدمة إضافية أو خيارًا ثانويًا، بل هو أداة أساسية للحياة اليومية والتواصل الإنساني، فمكالمات الفيديو والرسائل النصية تشكّل وسيلتهم الرئيسية للتواصل مع العائلة والمجتمع والعمل، وتعوّض غياب الصوت بالصورة والكتابة.
ومع ازدياد الاعتماد على التواصل الرقمي، ولا سيما في ظل الهجرة وتباعد الأسر، باتت جودة الإنترنت وسعره عاملين حاسمين في قدرة الصم على الحفاظ على روابطهم الاجتماعية وممارسة أبسط حقوقهم في التواصل.
غير أن سياسات الاتصالات الحالية لا تزال تتعامل مع خدمات الإنترنت بمنطق استهلاكي عام، من دون مراعاة الاحتياجات الخاصة لفئات تعتمد عليه بشكل كلي، كالأشخاص الصم.
حاجة وليست رفاهية
“استخدامي للإنترنت يومي وضروري، سواء للتواصل مع أولادي أو مع باقي الصم، نحن بحاجة لإنترنت سريع لأن التواصل يكون إما عبر رسائل مصورة أو مكالمات فيديو، وخاصة عندما نكون خارج البيت، أو في حال وجود موضوع عاجل”.
بهذه الكلمات يصف منير سقباني، رئيس جمعية الصم بدمشق، أهمية الإنترنت في حياته وحياة المجتمع الذي يمثله، وهو أب لأولاد، بعضهم يعيش في ألمانيا ويحتاج للتواصل معهم، مشيرًا إلى أن الإنترنت بالنسبة له ليس رفاهية، بل هو أساس يعتمد عليه في تفاصيل حياته، حتى في مواقف بسيطة مثل البحث عن سيارة أجرة في أماكن مزدحمة.
ويؤكد سقباني أن الإنترنت هو “عصب الحياة” بالنسبة للصم، موضحًا المعاناة الجديدة التي تواجههم، حيث ارتفعت تكاليف الباقات بشكل كبير، قائلًا “استهلاكنا كبير، لذلك مو الكل يقدر يشترك بالباقات، وأيام نفقد التواصل مع بعض كصم بسبب هالموضوع”.
“فرحة لم تكتمل”
غياب باقات مخصصة، وارتفاع الأسعار، وضعف الشبكة في كثير من المناطق، يضاعف من التحديات اليومية التي يواجهها هؤلاء الأشخاص، ويحوّل التواصل من حق أساسي إلى عبء مادي يفوق قدرة كثيرين، في وقت يشكّل فيه الإنترنت نافذتهم الوحيدة إلى العالم.
أوضح منير أنه في منتصف عام 2025، سعى عدد من الناشطين والمترجمين العاملين مع الصم للتواصل مع وزارة الاتصالات، التي تعاونت مع شركة سيرياتيل لإطلاق “باقة رؤية للصم” بسعة 200 غيغا وألف رسالة نصية، بسعر 20 ألف ليرة.
مبينًا أن معظم الصم اشتركوا فيها، وكانت خطوة كبيرة نحو حل مشكلة التواصل، وساهمت بدمج مجتمع الصم بالمجتمع الأكبر، كما اعتبرت مثالًا إيجابيًا يُذكر دائمًا في الاجتماعات والحوارات مع الوزارات والمؤسسات الأخرى.
لكن فرحة الصم لم تدم طويلًا، إذ تم إلغاء الباقة فجأة بعد تعديل أسعار الباقات، وقال “كنا نتوقع ارتفاع السعر، ولم يكن عندنا مشكلة، الباقة كانت جيدة ومناسبة، لكن عندما ألغيت نهائيًا شعرنا بخيبة كبيرة”.
محاولات الجمعية للتواصل مع سيرياتيل لم تثمر، وتلقى المجتمع خبرًا عن خصم 35% على باقة أخرى، من دون توضيح طريقة الاستفادة منها، إلا أن هذه الباقات الجديدة لا تناسب الصم لأنها تحتوي على دقائق اتصال لا يحتاجون إليها، في حين أنهم بحاجة فقط إلى إنترنت سريع بسعة مناسبة.
ويضيف سقباني “نقترح إعادة الباقة بشكل منطقي، الصم عادة يستخدمون من 50 إلى 100 غيغا بالشهر، والإنترنت بالنسبة لهم هو وسيلة التواصل الوحيدة والأسرع، وخطوة تحث بقية الشركات والمؤسسات على دعم الصم”.
الإنترنت مجتمع الصم المفقود
من زاوية أخرى، يروي معن سقباني، ابن منير ومترجم للصم، تجربته اليومية في التواصل مع والده وبقية الصم، لموقع تلفزيون سوريا قائلًا “أثناء توفر باقة الإنترنت، وفرت عليّ كتير، كانت حلاً عمليًا لمشكلة الوجود المباشر بالجمعية، إذ كنا نرسل فيديو مصور أو نجري مكالمة فيديو لحل أي موضوع أو مشكلة عالقة.”
وأضاف “مع تنقلات والدي، كان ضروريا وجود الإنترنت بشكل دائم، كون والدي كبيرا بالعمر وأيضًا أصم، توفر الإنترنت كان يمنحني طمأنينة في حال احتاج لأي مساعدة.”
لكن بعد إلغاء الباقة، عاد الوضع كما كان سابقًا، حيث غالبية الصم لا يتوفر لديهم الإنترنت، خاصة خارج المنزل، ما يعيق التواصل، وتابع “صعوبة بالتواصل وقلق شبه دائم، وأحيانًا أضطر لترك عملي لأكون موجودًا مع والدي، والتأخير في حل المشاكل أصبح أمرًا شبه يومي”.
وأشار معن إلى أن جودة الاتصال المنزلي غالبًا ضعيفة مقارنة باتصال 4G، ما يصعّب إجراء مكالمات الفيديو الضرورية، ومع أن الباقة السابقة كانت ممتازة، إلا أن التغطية لم تكن كاملة أحيانًا، وهو أمر مفهوم ضمن الظروف العامة، لكنه لا يقلل من أهمية تخصيص باقة خاصة للصم بسعر وحجم غيغايات معقولين.
وختم حديثه قائلًا “الإنترنت بالنسبة للصم أمر هام وضروري لضمان التواصل اليومي وحل المشاكل العالقة دون تأخير أو قلق دائم”.
التحوّل الرقمي.. الصم خارج المعادلة
في ظل التحول الرقمي، بات الإنترنت أداة أساسية للصم في التعلم والعمل والتواصل، إذ يشكّل الوسيلة الأهم لاندماجهم المهني والمجتمعي.
في هذا السياق، أوضح سارية شربجي، خريج معهد مصرفي وشخص يعاني من ضعف سمع، لموقع تلفزيون سوريا، أنه يعمل في تدريب الصم على برامج الكمبيوتر، وأن وجود باقة الإنترنت المخصصة سهّل عليه عمله بشكل كبير.
وقال “إن الباقة ساهمت في انضمام عدد أكبر من الصم إلى الدورات التدريبية، ووفّرت مرونة وسهولة في التواصل، خاصة مع التحول الرقمي الذي جعل الاعتماد على الإنترنت أمرًا لا غنى عنه”.
كما أوضح أن إلغاء الباقة أدى إلى تراجع المشاركة في هذه الدورات، وخلق صعوبات إضافية في التواصل وإطلاق المبادرات الرقمية والتعليمية.
بدوره، أشار لبيب رسلان، وهو أصم وخريج معهد رياضي يعمل مصورًا في عدة أماكن، إلى أن طبيعة عمله تعتمد بشكل أساسي على الإنترنت، خصوصًا في تحميل وإرسال ملفات ذات أحجام كبيرة.
ولفت إلى أنه بات يضطر حاليًا إلى التنقل لمسافات بعيدة للحصول على اتصال إنترنت سريع، وسط ارتفاع كبير في التكاليف، ما أثر سلبًا على عمله.
وأضاف أن وضعه المهني تحسّن بشكل واضح خلال فترة توفر الباقة، لكنه اليوم يواجه صعوبة حقيقية ويخسر فرص عمل بعد إلغائها، في وقت أصبح فيه الاعتماد على الإنترنت جزءًا لا يتجزأ من مصدر رزقه.
“بلا اتصال وبلا تواصل”
فرح التل مترجمة، أوضحت أن الإنترنت يشكّل أداة أساسية للصم في حياتهم اليومية، سواء للتنقل المستقل باستخدام ميزة تحديد الموقع أو للتواصل مع الآخرين.
مبينة أن الباقة كانت تسهّل حركة الصم، وتمكّنهم من متابعة الدورات والندوات التعليمية عبر الإنترنت والتواصل مع المدرسين والزملاء، بالإضافة إلى الاتصال بالمترجمين عبر مكالمات الفيديو، ما وفر وقتًا وجهدًا كبيرين.
ومع إلغاء الباقة، عاد الصم إلى صعوبات التواصل والوصول للتعليم الرقمي التي واجهوها سابقًا، وفقدوا القدرة على الانخراط الكامل مع المجتمع.
تشير الدراسات والتقارير الحقوقية إلى أن الصم من أكثر الفئات تهميشًا رقميًا، إذ لا يُعد الإنترنت وسيلة ترف، بل الأداة الأساسية للتواصل الاجتماعي والوصول إلى المعلومات والخدمات.
كما أن ارتفاع تكاليف الإنترنت وغياب سياسات تراعي احتياجاتهم يزيدان من عزلة الصم، الذين يعتمدون شبه كامل على مكالمات الفيديو والرسائل المصوّرة بدل التواصل الصوتي.
وتحذّر هذه الدراسات من أن أي تقييد أو إلغاء لخدمات الإنترنت الميسّرة يعيدهم إلى دائرة الانقطاع والعزلة ويقوّض فرص دمجهم في المجتمع، في وقت تُعد فيه التكنولوجيا الرقمية البديل الوحيد عن الصوت بالنسبة لهم.
سيريتل توضح لموقع تلفزيون سوريا
في ظل اعتماد الصم والبكم على الإنترنت كوسيلة أساسية للتواصل، أصبح توفير باقات مناسبة لهم ضرورة ملحة لتسهيل اندماج هذه الفئة في المجتمع الرقمي وتقليل الصعوبات اليومية التي يواجهونها.
في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، أكد مصدر مطلع في شركة سيريتل أن هناك جهودًا قائمة لتوفير باقة إنترنت مخصّصة للأشخاص الصم والبكم، تم اقتراحها من قبل الشركة وتنتظر موافقة وزارة الاتصالات والهيئة المعنية.
كما أوضح المصدر أن الخطوات الرسمية جارية، مع وجود وعود قريبة ومفاوضات متقدمة لإطلاق الباقة بشكل رسمي خلال الأسابيع المقبلة.
مشيرًا إلى أن الباقة ستكون مخصصة للاستخدام عبر الإنترنت فقط، لتلبية احتياجات التواصل الرقمي والتعليم والعمل، بما يسهم في تعزيز قدرة الصم والبكم على الانخراط الكامل في المجتمع الرقمي من دون أي قيود.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية