جدول المحتويات
«نبض الخليج»
رغم التفاؤل الذي واكب الإعلان عن الاتفاقية التي وقعتها الحكومة السورية لإدخال صناعة السفن إلى سوريا، إلا أن إقامة صناعة ثقيلة ومعقّدة كصناعة السفن تفترض وجود بنية تحتية متينة تشمل المرافئ، والطاقة، والنقل، والخدمات اللوجستية، وهي عناصر لا تزال تعاني من اختناقات كبيرة في ظل هشاشة الاقتصاد السوري الذي عانى من أزمات تراكمية هائلة على مدار عقد ونصف من الزمن.
ما بنود الاتفاقية؟
الاتفاقية الاستراتيجية التي وقعتها الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية مع شركة KUZEY STAR SHIPYARD التركية، بهدف إدخال صناعة السفن إلى سوريا وفق المعايير الدولية، تُعدّ الأولى من نوعها على مستوى القطاع البحري، وتمثل نقلة نوعية في البنية الصناعية والاقتصادية الوطنية.
وتنص الاتفاقية التي جرى توقيعها بين رئيس الهيئة قتيبة أحمد بدوي وممثلي الشركة التركية على إنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس، وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية “BOT” بما يتيح للشركة بناء وتجهيز وتشغيل وإدارة الحوض، وتنفيذ مختلف أعمال صناعة وبناء وإصلاح وصيانة السفن وفق أحدث المعايير الفنية والهندسية العالمية، وبما يسهم في توطين صناعة بحرية متقدمة داخل سوريا.
وبحسب بنود العقد، تمتد مدة الاستثمار ثلاثين عاماً اعتباراً من تاريخ التوقيع، وتلتزم الشركة بضخ استثمارات لا تقل عن 190 مليون دولار خلال خمس سنوات لتجهيز الأرصفة والمعدات والمستودعات والمنشآت التشغيلية، من دون أي التزام مالي على الهيئة العامة للمنافذ والجمارك.
ونصّت الاتفاقية على منح حسم خاص بنسبة 20 في المئة من إجمالي قيمة الفاتورة قبل الضرائب لأعمال بناء أو إصلاح أو صيانة السفن التابعة للحكومة السورية، وذلك دعماً للأسطول البحري السوري وتخفيفاً للأعباء المالية.
كما تلزم الاتفاقية الشركة المستثمرة بتأمين 1700 فرصة عمل مباشرة و3500 فرصة غير مباشرة، على ألا تقل نسبة العمالة السورية عن 95 في المئة، إضافة إلى تدريب وتأهيل الكوادر المحلية ونقل الخبرات الفنية والتقنية في مختلف مراحل الصناعة البحرية.
صناعة ثقيلة غير مسبوقة
لم تعرف سوريا خلال الحقبة السابقة، مشاريع متكاملة لصناعة السفن بالمعنى الصناعي الكامل، بل انحصر النشاط البحري في إطار محدود تمثّل أساساً في أعمال الصيانة والإصلاح، أو في مقترحات لإنشاء أحواض جافة وورش متخصصة لم تترجم إلى صناعة قائمة بذاتها.
ويلفت الباحث الاقتصادي في شركة “كرم شعار للاستشارات” ملهم جزماتي خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا إلى أن الدراسات الفنية التي أُنجزت في هذا المجال، بما فيها تقارير أممية، كانت تتعامل مع سوريا كحالة محتملة لتطوير مرافق إصلاح سفن، لا كدولة تمتلك أو تطور منظومة متكاملة لبناء السفن بمختلف أحجامها.
إلى ذلك، يشير جزماتي إلى أن محدودية الطلب المحلي على بناء السفن تفرض توجهاً تصديرياً يتطلب استقراراً قانونياً وتنظيمياً طويل الأمد، وقدرة على المنافسة في سوق إقليمي ودولي شديد الحساسية. لذلك، فإن نجاح التنفيذ لا يُقاس بسرعة إطلاق المشروع، بل بمدى قدرة الدولة على إدارة هذه التحديات وتحويل الاتفاقية من مبادرة استثمارية منفردة إلى جزء من سياسة صناعية متكاملة.
ما إمكانية النجاح في هذه الصناعة؟
وتطرح هذه الاتفاقية تساؤلات عديدة حول مدى تشكيلها نقلة نوعية في البنية الصناعية والاقتصادية الوطنية، بحسب التصريح الحكومي، ومدى إمكانية النجاح في إدخال صناعة السفن إلى سوريا في ظل اقتصاد متدهور وبنية تحتية متهالكة.
وفي معرض الإجابة على هذه التساؤلات، يؤكد الباحث الاقتصادي ملهم جزماتي أنه من حيث الطرح النظري، يفتح إدخال صناعة السفن إلى سوريا أفقاً صناعياً جديداً لم يكن قائماً سابقاً، وهو ما يمنحه بعداً نوعياً من حيث التنويع الاقتصادي.
في المقابل، يلمح جزماتي إلى أن هذه الطموحات تصطدم بواقع اقتصادي مختلف، يتمثل في فجوة واضحة بين ما هو مأمول وما هو متاح فعلياً في المرحلة الراهنة. فإقامة صناعة ثقيلة ومعقّدة كصناعة السفن تفترض وجود بنية تحتية متينة بل تزال البلاد تفتقد إليها، خاصة بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار.
من هذا المنطلق، تبدو الأولوية الاقتصادية في هذه المرحلة متمثلة في الاستثمار في البنية التحتية الأساسية وتأهيلها، بوصفها شرطاً سابقاً لنجاح مثل هذه المشاريع، لا نتيجة لها. وعليه، فإن المكسب الحقيقي للدولة لا يتحقق بإطلاق مشاريع طموحة فحسب، بل بقدرتها على ردم الفجوة بين الواقع القائم والطموح الصناعي، وضمان انسجام هذه المشاريع مع تسلسل منطقي للإصلاح والاستثمار يمنع القفز فوق اختناقات بنيوية قد تُضعف جدواها الاقتصادية.
وبالنسبة لإمكانية تنفيذ الاتفاقية فهي قائمة من حيث المبدأ، لكنها تبقى مشروطة بتجاوز مجموعة من التحديات العملية، بحسب ما يضيف جزماتي، فإلى جانب المتطلبات التقنية المرتبطة بالمواقع الساحلية والتجهيزات المينائية، تواجه هذه الصناعة تحديات تتعلق بضعف البنية التحتية الداعمة، وشح الطاقة، ونقص الكوادر البشرية المتخصصة.
نموذج “BOT”
ليست المرة الأولى التي توقع فيها الحكومة السورية اتفاقيات مع شركات غير سورية وفق نظام التشغيل وفق نموذج “BOT” الذي يعني (البناء – التشغيل – النقل)، وهو مختلف عن نظام “BOO” الذي يعني (البناء – التملك – التشغيل)، حيث يوجد فارق جوهري بين النظامين يتمثل بأن الأول يمنح الشركات امتيازاً لإدارة المشروع لفترة محددة، ثم تعود ملكيته إلى الدولة، في حين يمنح النموذج الثاني المستثمر ملكية المشروع بشكل دائم.
وفي وقت سابق، أعلنت مجموعة موانئ أبو ظبي عن توقيع اتفاقية مساهمين مع مجموعة “سي إم إيه سي جي إم” الفرنسية، الرائدة في الشحن والخدمات اللوجستية، للاستحواذ على حصة أقلية بنسبة 20% في شركة “محطة حاويات اللاذقية الدولية” في سوريا، مقابل 81 مليون درهم إماراتي (نحو 22 مليون دولار).
وفي هذا الصدد، يوضح الباحث ملهم جزماتي أن نموذج BOT مستخدم على نطاق واسع عالمياً، ولا يُعد بحد ذاته نموذجاً سلبياً، خصوصاً في الدول التي تعاني من محدودية التمويل العام. غير أن التحدي الأكبر في هذه الحالة لا يكمن في النموذج نفسه، بل في غياب التفاصيل الواضحة حول ماهية العقد وآليات حوكمته.
فحتى الآن، لا تتوافر معلومات كافية حول مدة التشغيل، وتوزيع المخاطر والعوائد، ودور الدولة الرقابي، وشروط نقل الأصول والمعرفة في نهاية العقد. هذا الغموض يفتح الباب أمام مخاوف مشروعة، إذ إن أي عقد BOT غير محكوم بإطار شفاف وقابل للمساءلة قد يتحول إلى امتياز طويل الأمد يصعب مراجعته، ويقيّد قدرة الدولة على توجيه القطاع أو حماية المصلحة العامة. من هذا المنظور، يصبح النقاش حول السيادة نقاشاً مرتبطاً بجودة الحوكمة لا بنوع الشراكة، حيث إن الخطر الحقيقي لا يكمن في المستثمر الأجنبي، بل في ضعف الإطار القانوني والمؤسسي المنظّم للعقد.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية