«نبض الخليج»
في الأيام الأخيرة من ٢٠٢٥، استوقفتني فكرة اللّحظة الأخيرة ليس من العام فقط، بل من هذه الحياة، لحظة خفوت الضّوء في مكان وإشعال شمعةٍ في مكانٍ آخر، إغلاق السّتارة والهبوط من خشبة المسرح، لتصير في كواليس الحياة وتودّع دور البطولة.
اللّحظة الخالية من الانتظار تمامًا، لحظة الانكشاف التّام والرّؤية المفتوحة نحو البياض، لحظةٌ تُمنح بها عينيّ زرقاء اليمامة لتطلّ على كلّ حياتك وتبصر تفاصيل ماضيك، تتذكر حتّى النّملة التي كانت تدبّ على ورقة الفل فوق مكتبك.
اللّحظة الأخيرة هي قلب الطّاولة وتمزيق الأوراق، التّلاشي مع الضّباب والصّمت المطبق، الصفحة الأخيرة من الكتاب، ما يقال في اللحظة الأخيرة والتي تمتدّ زمانيًّا لدقائق وساعات وأيام تسبق الرّحيل له قيمةٌ مضافة، يظهر كرسالةٍ أخيرة للباقين على متن الحياة.
“اشربوا نخبي” كان آخر ما قاله بابلو بيكاسو جملةٌ تليق بحياةٍ حافلةٍ بالجنون لفنانٍ استثنائي، “امنحوني نظاراتي” فيرناندو بيسوا يريد أن يرى بوضوح تفاصيل طريقه الجديد ومثله كان أو.هينري حين قال “ارفعوا المصابيح لا أريد أن أذهب إلى البيت في العتمة”، حزن فان غوغ أعظم من أن يستطيع الموت طيّ صفحته ” ستستمر الكآبة إلى الأبد”، العشّاق هاجسهم واحد، رؤية المحبوب جو ديماجيو -زوج مارلين مونرو- “أخيرا سأستطيع أن أرى مارلين ” وترك سواها وغادر، روزفلت يبحث عن سكينة لم يجدها في الحياة “أطفئوا النّور”، مارك توين حتى في وداعه كان قادرًا على رسم البسمة “إلى اللقاء. سنلتقي”، ما أرغب أن أختم حياتي بقوله هو ما قاله الفيلسوف النّمساوي لودفيغ فتغنشتاين “احكوا للجميع بأنني عشت حياة رائعة”[1]
فيما يخصّ الشّعراء نجد أن هناك من كانت قصيدته الأخيرة منسجمةً تمامًا مع مزاجه العام بالكتابة، فكان ما كتبه أبو العلاء المعري في أواخر أيامه تتويجًا لنظرته السّوداويّة للحياة، فهو الذي أوصى أن يكتب على قبره “هذا ما جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد”، ومما كتب في الفترة الأخيرة:
تعبٌ كلّها الحياة فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد
إنّ حزنا في ساعة الموت أضعاف سرورٍ في ساعة الميلاد
وكذلك كان يستدعي الموت في كثير من قصائده:
يا موت زر إن الحياة ذميمةٌويا نفس جدّي إن دهرك هازل
ومما قاله مع اقتراب موته:
قدمتُ على الكريم بغير زادٍمن التّقوى ولا قلبٍ سليمٍ
وحمل الزّاد أقبح كلّ عيبٍإذا كان القدوم على كريم
وهذا مشابهٌ إلى حدٍّ كبير لما قاله أبو نوّاس في أواخر أيامه، مع الفارق الكبير بين حياة الشّاعرين، فبقدر ما كانت حياة المعري مليئةً بالزّهد، بقدر ما قضي أبو نوّاس حياته ماجنًا، ومما يحكى أن لأبي نوّاس جارٌ يكثر من نصحه عله يترك الخمرولم يستجب أبو نواس له، توفي الجار فخرج أبو نواسٍ في جنازته وقال له “أنت اليوم أوعظ منك حيّاً”>
لكن ما قاله في أواخر أيامه يدلّ أنّه اتعظ أخيرًا:
يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرةًفلقد علمت بأنّ عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ فبمن يلوذ ويستجير المجرم
أدعوك ربّ كما أمرت تضرعًافإن رددت يديّ فمن ذا يرحم
أما المتنبي فآخر ما كتبه هو قصيدته في مدح عضد الدّولة البويهي ووداعه، ولم يعلم حينها أنّه يودّع للحياة، فقد أغدق عضد الدّولة عليه العطايا، فاستعان بابنه وغلمانه وبعض رفقته لحملها في رحلته الأخيرة فقد كان اللصوص يترصدونه وكمنوا له قرب بغداد واستولوا على أمواله وقتلوه وبعضًا من صحبته، ومن أبيات القصيدة:
فدًا لك من يقصّر عن مداكافلا كلكٌ إذن إلا فداكا
ولو قلنا فدًا لك من يساويدعونا بالبقاء لمن قلاكا
وقد حملتني شكرًا طويلًا ثقيلًا لا أطيق به حراكا
لعلّ الله يجعله رحيلًايعين على الإقامة في ذراكا
امرؤ القيس لم تعرف له قصيدة أخيرة، لكثرة ما تنقّل في حياته وكانت مليئةً بالقلق والتوتّر، لكنّ تم الاتفاق على أنّ الأبيات التي قالها عند قبر المرأة الغريبة كانت في أواخر أيامه لما فيها من شعور بالوحشة والاغتراب والشّعور بدنو الأجل:
أجارتنا إنّ الخطوب تنوب وإني مقيمٌ ما أقام عسيب
أجارتنا إنّا غريبان هنا وكلّ غريبٍ للغريب نسيبُ
وليس غريبًا من تناءت ديارهولكن من وارى التراب غريب
ومن الشّعراء الأقرب زمنيًّا نجد نزار قباني الذي صاحب الخيبة في منفاه في لندن بعد أن مُنع من العودة لمحبوبته الشّام، فكانت الخيبات تتكاثر من حوله كالأعشاب الضّارة على الصعيد الشّخصي والعام كذلك فكما نعلم نزار يؤرقه العام كما الخاص:
لم يبق عندي ما أقول
تعب الكلام من الكلام
ومات في أحداق أعيننا النخيل
لم يبق عندي ما أقول
يبست شرايين القصيدة
وانتهى عصر الرتابة والصبابة
وانتهى العمر الجميل.
أما محمود درويش فقد حمل ديوانه “لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي” آخر ما كتب في حياته حيث صدر بعد وفاته وجمعه الأديب إلياس خوري، ومن قصائد هذا الدّيوان قصيدة “لاعب النّرد” والتي يطلق عليها مرثية محمود درويش أرّخت القصيدة بصيف ٢٠٠٨ وكانت وفاته في آب ٢٠٠٨ وفيها استشرافٌ للنّهاية:
من أنا لأقول لكم
ما أقول لكم
كان يمكن ألا أكون
وأن تقع القافلة
في كمين، وأن تنقص العائلة
ولدًا
هو هذا الذي يكتب الآن هذي القصيدة.
آخر ما يكتب ليس الأهم حكمًا، لكن لقراءته نكهة خاصة، تستشف من خلاله الحالة التي رافقت الأديب أو الشّاعر في النّهاية وآخر ما أراد أن يُسمع منه، وفي حال موت الفجأة فأغلب الظّنّ أن القدر حينها يتدخل ويختار له آخر ما ينبغي أن يسمع منه قبل أن تنتهي المسرحيّة، كما قال بيتهوفن في أواخر أيامه “أصدقائي. صفّقوا لقد انتهت المسرحية”.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية