«نبض الخليج»
كان من المنتظر أن تحمل بداية العام الجديد لسوريا تطورات إيجابية على صعيد ملف دمج قوات سوريا الديمقراطية قسد. لا يزال من غير الواضح كيف ستتعامل دمشق وأنقرة مع هذا الملف بعد انتهاء مُهلة تنفيذ اتفاقية الدمج وما إذا كانت هناك فرص متبقية للتسوية السياسية، لكنّ الواضح أن ملف قسد سيكون من ضمن أربعة تحديات كبيرة هي المشاريع الانفصالية والتقسيمية، والتدخل الإسرائيلي، والاستقرار الأمني وتهديد داعش، فضلاً عن انعكاسات رفع العقوبات وإزالة قانون قيصر على الوضع الاقتصادي وعملية إعادة الإعمار. ومن المرجح أن يكون العام الجديد حاسماً في تحديد مسارات هذه التحديات المترابطة فيما بينها. فالتعامل مع المشاريع الانفصالية، التي تتغذى على التدخل الإسرائيلي بدرجة أساسية، بوابة ضرورية لتعزيز الاستقرار الأمني والشروع في التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
يَظهر التدخل الإسرائيلي كمُحرّك رئيسي لهذه المشاريع وكأحد التحدّيات التي يُتوقع أن يطرأ تحوّل كبير عليها في العام الجديد.
يُعد ملف قسد من أكبر التحديات المتعلقة بالمشاريع الانفصالية والتقسيمية لمجموعة من الأسباب على رأسها البنية الانفصالية التي تمتلكها مقارنة بمشروع الفلول في الساحل والهجري في السويداء، فضلاً عن دورها كمُرشد للمشاريع الانفصالية الأخرى في سوريا. وبالتالي، فإن تفكيك هذا التحدي يُعد مدخلاً لتفكيك التحديات الأخرى التي تُهدد وحدة سوريا. لا يرجع فشل تنفيذ اتفاقية العاشر من آذار (مارس) الماضي في المُهلة المُحددة إلى أن الاتفاق لم يكن جيداً أو إلى أن المُهلة الممنوحة لتنفيذه لم تكن كافية، بل لحقيقة أن قسد راهنت منذ إبرام الاتفاقية على كل شيء إلا على تنفيذها والاندماج في الدولة. وعليه، فإن ما تبقى من فرص للتسوية السياسية مرهون بأمرين أساسيين، أوّلهما رهانات قسد، وثانيهما استراتيجية كل من أنقرة ودمشق في التعامل مع هذا الملف بعد انتهاء المُهلة. إن تفضيل الرئيسين الشرع وأردوغان للتسوية السياسية لملف قسد على الخيار العسكري مفهوم وهو الخيار الصائب، لكنّه لن يبقى ذات قيمة إذا لم يؤدي إلى تحقيق الغرض منه. يُمكن أن نتوقع أن يكون ملف قسد الأكثر سخونة على أجندة سوريا في العام الجديد.
إلى جانب ملف قسد والمشاريع الانفصالية الأخرى، يَظهر التدخل الإسرائيلي كمُحرّك رئيسي لهذه المشاريع وكأحد التحدّيات التي يُتوقع أن يطرأ تحوّل كبير عليها في العام الجديد. ويُشير الاجتماع الأخير بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى زخم أميركي جديد للدفع باتجاه إبرام اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل. وبالنظر إلى الدور الذي تلعبه إسرائيل كمغذٍ لعوامل اللااستقرار في سوريا في مرحلة ما بعد الإطاحة بالأسد، فإن الاتفاق الأمني معها يُنظر إليه في دمشق على أنه خيار لا مفر منه في نهاية المطاف. حتى في الوقت الذي استطاعت فيه إسرائيل تجاهل الضغوط الأمريكية عليها للتوصل إلى اتفاق مع دمشق خلال العام المنصرم، فإن تأثير الولايات المتحدة في هذا الملف لا يزال حاسماً. كما أن إدارة ترمب مُهتمة بالإسراع في إنجاز هذا الاتفاق لاعتبارات مُختلفة من ضمنها منع انزلاق أي تصعيد في المستقبل إلى صراع مفتوح من شأنه أن يُربك بشكل كبير سياستها في سوريا. لذلك، فإن التصور السائد هو أن يشهد العام الجديد تطوراً في ملف المفاوضات السورية الإسرائيلية.
تُعد معالجة ملفي المشاريع الانفصالية والتدخل الإسرائيلي نقطة ارتكاز في تعزيز الاستقرار الأمني في سوريا وتجاوز المخاطر الداهمة في مرحلة ما بعد التحول. مع ذلك، فإن داعش يظهر اليوم كتهديد أمني كبير. والهجمات التي شنها في الآونة الأخيرة تُعطي مؤشرات مُقلقة على هذا الصعيد. وفي هذا الإطار، يكتسب انضمام سوريا إلى التحالف الدولي أهمية قصوى في مساعدتها على التعامل مع هذا التهديد الأمني. ومن المتصور أن يتطور التعاون الأمني والاستخباراتي بين سوريا والتحالف إلى مستويات مُتقدمة في العام الجديد. مع ذلك، فإنه من دون معالجة قضايا الصراع بين المركز والأطراف والتدخل الإسرائيلي، فإن التحديات الأمنية التي تواجه سوريا ستبقى قائمة مع مخاطر أن تتفاقم وفقاً لتطورات هذه التحديات.
إن ما أنجزته سوريا تجاوز في الواقع تجنب أسوأ السيناريوهات إلى تحقيق بعض النتائج المهمة وإن لم تكن مثالية تماماً.
يُمكن النظر إلى الوضع الاقتصادي كتحدٍّ يتحرّك وفق تحرّكات التحدّيات الثلاثة الأخرى صعوداً أو هبوطاً. ولا شك أن إزالة الولايات المتحدة لقانون قيصر فتحت آفاقاً اقتصادية جديدة وكبيرة أمام سوريا التي تدخل العام الجديد فعلياً من دون عقوبات وعزلة خارجية. رغم ذلك، فإن قدرة سوريا على ترجمة ملف العقوبات في انفراجة اقتصادية وفي الشروع بعملية إعادة الإعمار يتوقف بدرجة أساسية على قدرتها في التعامل مع التحديات الثلاثة الأخرى. كدولة خرجت قبل عام من حرب مدمرة استمرت لما يقرب من عقد ونصف وخلفت بيئة اجتماعية ممزقة وتحولت إلى ساحة صراع إقليمي ودولي في الوقت نفسه، فإن التقييمات الواقعية لما أنجزته في العام المنصرم، تقاس قبل أي شيء على مدى قدرتها في تجنب أسوأ السيناريوهات لا أفضلها خصوصاً أن عوامل أساسية محلية وخارجية غذت الصراع لا تزال حاضرة في المشهد وإن بأشكال مختلفة. مع ذلك، فإن ما أنجزته سوريا تجاوز في الواقع تجنب أسوأ السيناريوهات إلى تحقيق بعض النتائج المهمة وإن لم تكن مثالية تماماً، لكنّ ما تبقى من تحدّيات لا يزال كبيراً ويُشكل تهديداً لمسار التحول. وفي الواقع، لا تمتلك سوريا خياراً سوى تحقيق خرق في هذه التحديات المترابطة فيما بينها خلال العام الجديد، أو تفكيك أقصى قدر ممكن منها، كي لا تصبح تحديات مزمنة، وهذا ما يسعى إليه أصحاب مشاريع إضعاف الدولة وتجزئتها.
شارك هذا المقال
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية