جدول المحتويات
«نبض الخليج»
اختتمت سوريا وإسرائيل جولة جديدة (الخامسة) من المفاوضات في باريس برعاية أميركية مباشرة، وذلك في السادس من كانون الثاني الحالي. عقب المحادثات، أعلن بيان أميركي-إسرائيلي-سوري صادر عن وزارة الخارجية الأميركية على أنَّ المحادثات تمحورت “حول احترام سيادة سوريا واستقرارها وأمن إسرائيل وازدهار البلدين”، وأفضت إلى إنشاء آلية تنسيق مشتركة “لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر في ما يتعلق بتبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، وذلك تحت إشراف الولايات المتحدة”.
تعد هذه الخطوة الأولى من نوعها في مسار المفاوضات، في وقت ما تزال فيه إسرائيل تفرض وقائع غير مقبولة سوريَّاً، بدءاً من سيطرتها على قمة جبل الشيخ، مروراً بتوغلاتها واختراقاتها المتكررة في جنوب سورية ولا سيما في القنيطرة، وصولاً إلى دعمها للمجموعات الانفصالية في السويداء، وأثر ذلك المباشر على ملف اندماج قسد الذي كان من المفترض أن يكون قد تم بحسب اتفاقية آذار من العام الفائت. يناقش هذا المقال مسار التفاوض بين سوريا وإسرائيل من ناحية دلالات توقيت الجولة الأخيرة، الدور الأميركي في المسار، والخيارات السورية.
من المرجح أن تكون إسرائيل قد أرادت الدخول في المفاوضات وهي تعتقد أنها تمتلك اليد العليا، بناء على عاملين متوازيين: ضغطاً جيوسياسياً مرتبطاً بالاعتراف بأرض الصومال، وضغطاً داخلياً سورياً ناتجاً عن استمرار الجمود في مسار دمج قسد.
دلالات التوقيت سوريَّاً وإسرائيليَّاً وأميركيَّاً
يكتسب توقيت هذه الجولة دلالات إضافية إذا ما قُرأت في سياق توقيتها السياسي. فقد دخلت تل أبيب هذه الجولة بعد إعلانها الاعتراف بأرض الصومال، في خطوة جديدة لاستعراض القوة إقليميَّاً، تراها غالبية الدول الإقليمية، بما فيها سورية، جزءاً من سياسة إسرائيلية تهدف إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي وفتح بؤر توتر جديدة. في المقابل، دخلت دمشق المفاوضات بعد انقضاء المدة الزمنية المخصصة لمسار دمج “قوات سورية الديمقراطية” في مؤسسات الدولة، من دون تحقيق أي تقدم ملموس.
ضمن هذا الإطار، من المرجح أن تكون إسرائيل قد أرادت الدخول في المفاوضات وهي تعتقد أنها تمتلك اليد العليا، بناء على عاملين متوازيين: ضغطاً جيوسياسياً مرتبطاً بالاعتراف بأرض الصومال، وضغطاً داخلياً سورياً ناتجاً عن استمرار الجمود في مسار دمج قسد. حيث لا يمكن في هذا السياق فصل ملف اندماج قسد عن ملف التفاوض الأمني مع إسرائيل، باعتبار أن مساعي قسد لكسب الوقت مرتبطة بشكل جوهري بثقتها بالقدرة على الحفاظ على الوضع الراهن في ظل المعادل الراهنة، سيما بعد أزمة السويداء والتدخل الإسرائيلي آنذاك.
من زاوية أخرى، فإنَّ عقد الجلسة الأخيرة للمفاوضات تأتي بعد ما يقارب الأسبوع من اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعقدهما لمؤتمر صحافي أكَّد فيه ترامب على أهمية إيجاد تفاهم – لم يحدد صيغته – بين سوريا وإسرائيل. إذ يعتبر الدور الأميركي حيويَّاً وحاسماً في دفع إسرائيل للانخراط في مسار المفاوضات، وهو ما كان من تجلياته مشاركة مستشاري ترامب جارد كوشنر وستيف ويتكوف إلى جانب المبعوث الأميركي لسوريا توماس براك كوسطاء في المحادثات.
إسرائيل وأميركا، اختلاف التصورات الاستراتيجية
ليس سرَّاً أن المخيال الإسرائيلي تجاه سورية كان، وما يزال، مخيالاً عدوانياً بحتاً يرتبط بسوريا الجغرافيا والتاريخ من جهة، وبهيئة تحرير الشام (سابقاً) وحلفائها من جهة أخرى. فمنذ سقوط نظام الأسد، شنَّت إسرائيل عدداً واسعاً من الضربات الجوية استهدفت الترسانة التسليحية السورية القديمة، ونفَّذت هجمات في مناطق متعددة من الجغرافيا السورية، وتدخلت بشكل مباشر في السويداء ضد الجيش السوري، وصولاً إلى استهداف مواقع سيادية كمبنى الأركان في دمشق. وإلى جانب ذلك، استمرت في تنفيذ الاقتحامات والتوغلات في جنوب سورية، فضلاً عن احتلالها قمة جبل الشيخ ذات الأهمية الاستراتيجية. لقد سعت إسرائيل عملياً إلى تجاوز اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، وإلى ترسيخ واقع تكون فيه الأجواء السورية مستباحة بشكل دائم، معتمدةً على التفوق العسكري-التكنلوجي.
غير أن هذا التصور الإسرائيلي اصطدم تدريجيَّاً بتغيرات جيوسياسية مهمة، تمثلت في الانفتاح السوري الإقليمي والدولي، وعودة دمشق إلى الفضاءين الإقليمي والدولي، وفتح صفحة جديدة في السياسية الخارجية السورية مع الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. هذا المسار أسهم في رفع كلفة استمرار إسرائيل في سياساتها العدوانية بذات الصيغة السابقة، ولا سيما ما يتعلق بالاستباحة المستمرة للمجال الجوي السوري. إذ باتت السياسة الإسرائيلية تلك تصطدم ليس فقط بمصالح الدول الإقليمية الداعمة لاستقرار سورية، بل أيضاً بمصالح واشنطن نفسها، في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات السورية-الأميركية تقدمُّاً تدريجيَّاً، حيث تلعب واشنطن دوراً محورياً في عدة ملفات متشابكة: ملف دمج قسد، ومكافحة تنظيم داعش، وخريطة الطريق الخاصة بالسويداء (وإن كانت مجمدة)، وملف الاتفاق الأمني مع إسرائيل.
يرتبط هذا بعجز إسرائيل عموماً، في مخلتف الساحات، عن إنضاج تصور تجاه “يوم تالي” ووضع قائم جديد قابل للاستمرار، وتعويلها على القوة فقط والاستمرار بتحقيق مكاسب ميدانية تكتيكية من دون أفق سياسي-استراتيجي، في الوقت الذي تميل فيه واشنطن لإعادة إنتاج وضع قائم جديد، وهو ما يعني نوع ما من توازن قوى معين، مفيد لها استراتيجيَّاً.
إنَّ إحراز تقدُّم في مسار المفاوضات مع إسرائيل، وقبول الأخيرة بذلك نابع عن الضغط والانخراط لواشنطن ورغبتها الحالية في ترسيخ وضع قائم جديد، وليس عن تغيير في المخيال الإسرائيلي تجاه سوريا.
ترابط الملفات والخيارات السورية
على الرغم من أنَّ قدرة إسرائيل على “فعل ما تشاء في الوقت الذي تشاء” أصبحت مقيدة نسبيَّاً بفعل الاندماج التدريجي لسوريا الجديدة بالمجتمع الدولي، إلَّا أنَّها ما زالت تحتفظ على قدرتها بالتأثير المباشر على الوضع الأمني في الجنوب السوري عموماً، والسويداء خصوصاً، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على شمال شرقي سوريا والجمود الفعلي لمسار دمج قسد وفق اتفاقية آذار العام الفائت. لهذا، فالنظر للاتفاق الأمني مع إسرائيل من وجهة نظر سورية لا يرتبط فقط بالتهديد الخارجي فحسب، بل بإحراز تقدُّم في مسائل داخلية ستنعكس على وحدة البلاد وإعادة إعمارها. فالتقدُّم الإيجابي في أحد الملفات المذكورة سينعكس تدريجيَّاً بشكل إيجابي على الملفات الأخرى، والتدهور في إحداها – كما حصل في أزمة السويداء في منتصف العام السابق – سينعكس سلباً على نظيراتها.
إنَّ إحراز تقدُّم في مسار المفاوضات مع إسرائيل، وقبول الأخيرة بذلك نابع عن الضغط والانخراط لواشنطن ورغبتها الحالية في ترسيخ وضع قائم جديد، وليس عن تغيير في المخيال الإسرائيلي تجاه سوريا، ناهيك عن أنَّ شكل وسرعة التقدُّم في هذا المسار، بناءً على مخرجات جولة المفاوضات الأخيرة، ما زال غامضاً حتى اللحظة الحالية. وبالأخذ بعين الاعتبار سجل إسرائيل الطويل في إطالة عمر المفاوضات وتفريغها من مضمونها مع الزمن، يبقى الانخراط الحذر والمدروس الخيار الوحيد لدمشق. باختصار، يمثِّل التقدُّم الأخير في المفاوضات اختراقاً قد يتحول مع الزمن إلى ضمانات أمنية ضرورية لإرساء الاستقرار وإعادة الإعمار، إلا أنَّ المخاطر المحيطة به ما زالت حاضرة أيضاً.
شارك هذا المقال
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية