جدول المحتويات
«نبض الخليج»
قبل أربعة أشهر عاد بلال العلو إلى حي الأشرفية في مدينة حلب قادماً من تركيا بعد رحلة لجوء استمرت نحو 12 عاماً، في محاولة لإعادة تأسيس حياة مستقرة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وذلك قبل أن يضطر يوم الأربعاء العبور رفقة عائلته عبر شارع الزهور نحو حيّ حلب الجديدة ليقاسي تجربة النزوح من جديد.
في مسجد الغفران في حلب الجديدة غربي المدينة، نزلت عائلات مهجّرة من حيي الشيخ مقصود والأشرفية وأحياء أخرى في محيطهما، وكانت عائلة بلال منها، الذي يخشى أن يتكرر سيناريو التهجير الأول في عام 2012 والذي اضطر في إثره اللجوء إلى تركيا لأكثر من عقدٍ بعيداً عن مدينته حلب، وفق ما يقول.
ومستنداً إلى غطاء رقيق قدّمته إحدى الفرق التطوعية، يستطرد بلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا: “الساعة الواحدة والنصف ظهراً عبرنا الشارع الذي أعلنت عنه الحكومة السورية ممراً، أردنا أن نتجنب أي عمليات عسكرية قد تسبب ضرراً لعائلتي، وخرجنا بأنفسنا فقط دون أي أغراضٍ أخرى.. الحمد لله كانت الخروج آمناً نوعاً ما، لكن نتمنى ألا يطول بقاؤنا هنا”.
كان مشهد العبور في شارع الزهور وهو طريق مؤدٍ إلى حي الأشرفية في ساعات الظهيرة ليوم الأربعاء لافتاً للغاية مع تزاحم آلاف العائلات القادمة من الحيين اللذين تسيطر عليهما “قوات سوريا الديمقراطية”، وهو يعكس حجم المأساة الإنسانية التي تسببت بها عودة المواجهات في مدينة حلب، إذ عاد شبح النزوح ليخيم على عدد من الأحياء المكتظة في السكّان.
ويعد القصف العشوائي لـ”قسد” على أحياء مدينة حلب، هو الهاجس الأكبر لدى السكان المحليين إذ أسفر عن سقوط 4 ضحايا مدنيين يوم الثلاثاء إلى جانب عشرات الإصابات وهو ما يدفعهم نحو النزوح ولو مؤقتاً حتى تعودَ التهدئة كما يحدث في كل مرة أو “يُحسم الملف”، على حدّ تعبيرهم.
المساجد وجهة النازحين
وكانت المساجد وجهة رئيسية للعائلات التي لم تجد مكاناً آخر تنزح إليه في الريف أو المحافظات الأخرى، بخلاف آلاف العائلات التي لجأت إلى منطقة عفرين أو مناطق أخرى، حيث تربطها هناك صلة قرابة أو معارف.
صالح العيسى ـ مهجّر من الأشرفية ـ ونزل في المسجد ذاته، خرج من حيّه في إثر الدعوة التي وجهتها الحكومة السورية للراغبين بالخروج من الحيين عبر معبري “شارع الزهور والعوارض”، بحسب ما أفاد لموقع تلفزيون سوريا.
ويضيف العيسى وهو أب لسبعة أطفال: “صار القصف قريباً من المنزل، وساد الخوف بين الأهالي، فكان قرار الخروج من الحي ضرورة في هذا التوقيت”.
نزوح يتجدد
يقول رضوان جابر ـ مهجّر من الشيخ مقصود ـ إن المسجد كان خياره الوحيد على اعتبار ألا أقارب لديه في أي منطقة سورية أخرى، مردفاً: “لا مشكلة أن نبيت ليلة أو ليلتين هنا لكن نتمنى ألا تطول القصة أكثر، بدنا نرجع لبيوتنا ضمن أي حل.. تعبنا من الخوف والنزوح خلال السنوات الماضية”.
بينما مجد زيتوني ـ مهجّر من مساكن السبيل ـ اضطر للخروج من منزله بسبب أصوات القصف القريبة، وخشية أن يعلق في المنزل مع تصاعد الاشتباكات. يضيف لموقع تلفزيون سوريا: “أعاني من مرض القلب وتعرضت لجلطتين خلال السنوات السابقة، لا أحتمل أصوات القصف والاشتباكات، قررت الخروج من المنزل مع عائلتي، لا أعلم ما هي وجهتنا القادمة، سنبيت هذه اللية في المسجد”.
وعانى زيتوني في وقت سابق من مأساة التهجير وتنقّل خلال العامين 2015 و2016 بين عدة محطات نزوح داخل مدينة، وخلالها تعرّض منزله للسرقة من قبل “شبيحة النظام المخلوع” والتهديد أيضاً، وكل ما يتمناه وفق حديثه لموقع تلفزيون سوريا ألا تتكرر مأساته مرة أخرى والعودة قريباً لمنزله.
مساعدات طارئة
تقدم محافظة حلب إلى جانب فرق إنسانية ومتبرعين من سكان المدينة استجابة طارئة للعائلات التي نزلت في المساجد تشمل وجبات طعام ومياه شرب وبطانيات، إلى جانب حفاضات وحليب للأطفال.
يوضح محدّثنا العيسى أن الفرق التطوعية منذ وصولهم المسجد قدمت لهم ما يحتاجونه من طعام وشراب واحتياجات أساسية ولم تقصّر إطلاقاً في الاستجابة لهم، على حدّ قوله.
أحمد راجي ـ متطوع في الاستجابة لنازحي الأشرفية والشيخ مقصود ـ يقول إن “غالبية العائلات وصلت إلى المساجد دون أن تتمكن من حمل أي متاع أو أغراض معها، حتى الأغطية التي تقيها برد هذه الأيام ما كان بإمكانها أن تخرجها من منازلها، ويصبّ معظم جهدنا على تأمين الدفء والطعام والشراب لها”.
ويضيف راجي لموقع تلفزيون سوريا أن “محافظة حلب بالتعاون مع فرق تطوعية سارعت إلى تأمين الاحتياجات الأساسية ونشرف كمتطوعين على عملية التوزيع ومتابعة الاحتياجات على اعتبار أن العائلات في توافد مستمر وتحديداً ممن لم يتوفر لها فرصة نزوح إلى مكان آخر سوى المساجد”.
ويشير في هذا السياق، إلى أن شركات مواد غذائية ساهمت أيضاً في تقديم بعض الاحتياجات مثل حليب الأطفال والحفاضات ومياه الشرب ومناديل، إلى جانب أهالٍ من الحيّ قدموا مساعدات عينية مثل الملابس وكذلك مبالغ مالية.
مشاركة حكومية ومجتمعية
وضمن جهود مواجهة التصعيد الأخير في أحياء مدينة حلب، قال عضو المكتب التنفيذي في مجلس المحافظة، ملهم العكيدي إن توقف عمليات إخلاء المدنيين عصر الأربعاء، كان بعد قصف استهدف محيط شارع الزهور في حي السريان. وأوضح العكيدي أن الاستهداف الذي وقع قرابة الساعة الثالثة والنصف عصراً أدى إلى تعليق خروج السكان من حيي الشيخ مقصود والأشرفية.
وأشار العكيدي خلال لقاء مع تلفزيون سوريا إلى أن محافظة حلب استنفرت منذ مساء الثلاثاء جميع كوادرها في المديريات المعنية بالتزامن مع استجابة عدد كبير من المتطوعين، حيث تركزت الجهود على تجهيز مراكز مؤقتة لاستقبال وإيواء النازحين، الذين شهدت أحياؤهم حركة نزوح رئيسية.
وأضاف أنه تم تخصيص حافلات لنقل النازحين إلى مراكز الإيواء، مشيراً إلى مشاركة مجتمعية واسعة في جهود الإغاثة. كما لفت إلى أن الجهات المعنية تعمل على تدارك النواقص بسرعة، حيث تحسنت الأوضاع في مراكز الإيواء بعد تأمين تجهيزات أساسية بدعم من منظمات محلية ودولية.
واختتم العكيدي تصريحه بالتأكيد على أن عودة النازحين إلى ديارهم تمثل أولوية قصوى، معرباً عن أمله في حل الأزمة سريعاً والعودة إلى الحياة الطبيعية، خاصة أن الأحداث أدت إلى شلّ حركة الحياة في المدينة وتوقف الدوام الرسمي والأكاديمي في فترة الامتحانات.
وفي هذا السياق، أصدر محافظ حلب، المهندس عزام الغريب، القرار رقم /70/ لعام 2026، القاضي بتشكيل اللجنة المركزية لاستجابة حلب، وذلك في إطار التعامل مع الأوضاع الإنسانية الراهنة في المحافظة.
وبحسب القرار، يترأس محافظ حلب اللجنة المركزية، وتضم في عضويتها عدداً من المعنيين في المكتب التنفيذي، إضافة إلى قيادات الأمن الداخلي، ومديري القطاعات الخدمية والإنسانية في المحافظة.
وأوضح القرار أن اللجنة تتولى متابعة أوضاع النازحين، في ظل الظروف الراهنة التي تشهدها بعض أحياء مدينة حلب، والعمل على تأمين الإيواء والدعم اللازم لهم.
9 مراكز إيواء مؤقتة
لا توجد إحصاءات دقيقة حتى الآن لأعداد النازحين من أحياء حلب جرّاء التصعيد القائم في المدينة، إلا أن المكتب الإعلامي لفرق الدفاع المدني السوري أوضح لموقع تلفزيون سوريا أن الفرق استجابت لإجلاء نحو 3 آلاف مواطن سوري باتجاه محورين الأول إلى مناطق خارج المدينة، حيث اختار المهجّرون التوجّه إلى أقاربهم، والمحور الآخر داخل المدينة نحو مراكز الإيواء البالغ عددها تسعة مراكز ضمن المساجد.
ولا يعكس الرقم حجم النزوح الحقيقي في المدينة على اعتبار أن الفرق أعلنت عن الأعداد ضمن نطاق استجابتها فقط، بينما خرجت آلاف العائلات بحالة فردية ضمن المعابر التي أعلنت عنها الحكومة السورية واختارت وجهة النزوح بمفردها دون تنسيق مع جهات إنسانية أو حكومية وبالتالي لم تخضع لعمليات إحصاء أو جرد خلال اليوم الأول للخروج.
وبدأت استجابة فرق الدفاع المدني التابعة لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، فجر الأربعاء، من خلال عمليات إجلاء المدنيين من محيط حيي الشيخ مقصود والأشرفية.
وأشار المكتب إلى أن الاستجابة كانت بالتنسيق مع محافظة حلب ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ومنظمات المجتمع المدني، وشملت الإجلاء وتقديم الإسعافات الأولية لكبار السن وانتشار فرق مراقبة دائمة ضمن المراكز تحسباً لأي طارئ.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية