جدول المحتويات
«نبض الخليج»
تعد محافظة الرقة واحدة من أغنى المحافظات السورية بالموارد الطبيعية والبشرية، فهي تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً على ضفاف الفرات، وأراضي زراعية خصبة، وحقولاً نفطية مهمة، إضافة إلى تاريخ حضاري عريق جعلها عبر القرون مركزاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً، ولكن عقد ونيف من الاضطرابات والمعارك، وما رافقها من سيطرة تنظيم “داعش” ومن ثم قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، تركت المدينة في حالة انهيار شبه كامل على المستويات الخدمية والاقتصادية والاجتماعية.
الرقة ليست محافظة فقيرة بالمعنى الاقتصادي، فهي تمتلك أحد أكبر الأحواض الزراعية في سوريا، وتشكل عقدة مائية مهمة بفضل نهر الفرات، كما تقع بالقرب من حقول الطاقة وشبكات النقل العابرة للشرق السوري، فالمشكلة تاريخيا لم تكن في غياب الموارد، بل في نمط إدارة اعتمَد على المركزية بشكل مفرط، مع استنزاف دون إعادة استثمار، وتحويل الفائض المحلي أحيانا إلى عبء بدل أن يكون رافعة للتنمية، واليوم بعد خلاص الرقة من “قسد”، ومع تعيين عبد الرحمن سلامة محافظاً، يمكن طرح السؤال التالي، هل يستطيع سلامة أن يعيد الحياة إلى “درة الفرات” وهل سنرى الرقة بعد عقد من الزمن ربما بشكل مختلف على مختلف الأصعدة.
لمحة عن الرقة
تقع الرقة عند التقاء نهر البليخ بنهر الفرات شمالي سوريا، وهي رابع المحافظات السورية من حيث المساحة بنسبة 10.6% من إجمالي مساحة البلاد، وتبلغ مساحتها نحو 19,616 كيلومتراً مربعاً، ويحدها من الشمال تركيا، ومن الغرب حلب، ومن الشرق الحسكة ودير الزور، ومن الجنوب حماة وحمص، وتنقسم إدارياً إلى ثلاث مناطق، وهي الرقة، الطبقة، وتل أبيض.
ويقدر عدد سكان المحافظة قبل عام 2011 بأكثر من 900 ألف نسمة، ولاحقاً بسبب التهجير والنزوح وسيطرة تنظيم “داعش” ثم “قسد” أحدثت تغييرات كبيرة في التركيبة السكانية، التي يغلب عليها العرب السنة مع وجود أقلية كردية وتركمانية، وتاريخياً، أنشئت المدينة عام 244 قبل الميلاد، وازدهرت في العصر العباسي حين تحولت إلى عاصمة رديفة لبغداد ومركز علمي وثقافي بارز، قبل أن يدمرها المغول عام 1258.
الموارد الاقتصادية
يعتمد اقتصاد الرقة تقليدياً على الزراعة بفضل الأراضي الخصبة وسد الفرات، إضافة إلى النفط، ومن أبرز الحقول النفطية، الثورة، والوهاب، والفهد، ودبيسان، والقصير، وأبو القطط، وأبو قطاش، بإنتاج يقدر بنحو 8 آلاف برميل يومياً، وهذه الموارد كانت تحت سيطرة النظام المخلوع حتى عام 2012، ثم انتقلت إلى الثوار السوريين، ولاحقاً سيطر عليها تنظيم “داعش” في عام 2013، قبل أن تتقاسمها لاحقاً “قسد” حتى عام 2017، وهذا التبدل في السيطرة جعل الموارد عرضة للاستنزاف والفوضى.
وفي الفترة ما بعد عام 2014، تعمقت التحديات البنيوية في المحافظة، إذ لم تتأثر البنية التحتية فحسب، بل تَفَكّك النسيج الاقتصادي والاجتماعي، وشهدت المحافظة هجرة واسعة، وانهارت الأسواق، وتحولت المدينة من مركز إنتاج إلى مساحة استهلاكية تعتمد إلى حد كبير على المساعدات والتحويلات، وفي هذه الظروف، أي خطة لإعادة النشاط الاقتصادي تحتاج إلى إعادة بناء وظيفة المدينة الاقتصادية وليس مجرد ترميم تقني للبنية التحتية، وتحتاج لإدارة فعالة تأخذ بالحسبان خصوصية المحافظة ومجموعة الموارد المتاحة.
قال الباحث في الاقتصاد السياسي، يحيى السيد عمر، لموقع تلفزيون سوريا، إن الرقة اليوم تعود لتكون محافظة ذات أهمية وطنية كبرى، فهي غنية بالموارد وذات موقع جغرافي مميز، لكنها خرجت من العقد الأخير وهي تواجه ضغوطاً كبيرة على بنيتها الاقتصادية والإدارية، وأوضح أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب الموارد، بل في نمط إدارة اعتمد على المركزية المفرطة، واستنزف الموارد دون إعادة استثمارها، ما جعل الفائض المحلي عبئاً بدلاً من أن يكون رافعة للتنمية.
وأضاف السيد عمر أن التحديات تعمقت بعد عام 2014، إذ انهارت الأسواق وتفكك النسيج الاقتصادي والاجتماعي، وتحولت المدينة من مركز إنتاج إلى مساحة استهلاكية تعتمد على المساعدات والتحويلات، وأي خطة لإعادة النشاط الاقتصادي تحتاج إلى إعادة بناء وظيفة المدينة الاقتصادية وليس مجرد ترميم للبنية التحتية.
وأشار إلى أن استمرار التهديدات الأمنية، وعلى رأسها خطر عودة نشاط تنظيم “داعش”، يزيد المشهد تعقيداً، إذ يستفيد التنظيم من الهشاشة الاقتصادية والفراغات الخدمية وضعف فرص العمل. وهذا يجعل التعافي الاقتصادي مرتبطاً بشكل وثيق بالاستقرار الأمني، ويضع على عاتق إدارة المحافظة مسؤولية العمل المتوازي على أكثر من مستوى.
مسارات التنمية الممكنة
يرى السيد عمر أن الرقة تختلف عن غيرها من المحافظات من حيث طبيعة التحديات، فالمشكلة ليست في غياب الموارد، بل في تشابك المصالح وتعدد الفاعلين وتعقيد الملكيات، ولذلك، فإن إدارة المحافظة يجب أن تنتقل من إدارة اقتصاد قائم على التكيف مع الأزمات، إلى إدارة تركز على إعادة التكوين والتنمية المستدامة.
ويبرز في هذا السياق ثلاثة مسارات رئيسة للتنمية:
- إعادة تفعيل الزراعة كنشاط إنتاجي مستدام عبر تنظيم الري ودعم سلاسل القيمة وربط الفلاح بالسوق مباشرة.
- تحويل المدينة إلى مركز خدمات ولوجستيات يخدم شرقي سوريا، مستفيداً من موقعها الاستراتيجي بين الزراعة والطاقة.
- تعزيز الاستثمار المحلي الصغير والمتوسط بدل انتظار مشاريع كبرى قد تكون صعبة التطبيق على المدى القصير.
لكن هذه المسارات تواجه تحديات واضحة، أبرزها ضعف التمويل، وهشاشة الاستقرار الأمني، وغياب إطار قانوني موحد للاستثمار والملكية، ويؤكد الباحث أن نجاح أي خطة يتطلب إشراك المجتمع المحلي، وإعادة بناء الثقة، وفصل النشاط الاقتصادي عن أي منطق سياسي.
الواقع الخدمي بعد طرد “قسد”
تعاني الرقة اليوم تدهوراً خدمياً وُصف بالمأساوي، ومثالها الكهرباء التي تصل إلى ساعات محدودة لا تكفي لتلبية احتياجات الأهالي، والمياه تعاني أعطالاً متكررة تدفع السكان للاعتماد على الصهاريج الخاصة بتكاليف مرتفعة، والقطاع الصحي شبه منهار، إذ يشكو الأهالي من نقص الكوادر والتجهيزات وضعف الاستجابة للحالات الطارئة، في حين ترتفع تكاليف العلاج في المرافق الخاصة، حتى النظافة وإدارة النفايات تعاني غياب التخطيط، حيث تنتشر المكبات العشوائية في الأحياء، ما يفاقم المخاطر الصحية والبيئية، ناهيك عن الطرق الداخلية وتلك التي تصل مركز المدينة بالريف والضواحي، معظمها متهالكة وفي وضع سيء، وهذا الواقع يعكس سنوات من سوء الإدارة والتركيز على الجوانب الأمنية والعسكرية على حساب الخدمات الأساسية، وهو ما عمق معاناة السكان وزاد من معدلات البطالة والفقر.
لماذا عبد الرحمن سلامة؟
عبد الرحمن سلامة، المولود في عندان بريف حلب عام 1971، شخصية اقتصادية بارزة ارتبط اسمه سابقاً بهيئة تحرير الشام سابقاً، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لشركة “الراقي للإنشاءات” التي نفذت مشاريع خدمية في إدلب، من طرق وأبراج كهربائية ومدارس ومستشفيات، وكان حينها في الفترة ما بعد عام 2017 بعد تأسيس حكومة الإنقاذ سابقاً، من أبرز الشخصيات التي أسهمت في بناء نموذج إداري واستثماري نشط في الشمال الغربي من سوريا، وتعيينه محافظاً للرقة أثار تساؤلات عديدة، خاصة أنه ليس من أبناء المحافظة ولا يمتلك خبرة إدارية مباشرة فيها، فلماذا وقع الاختيار عليه، هل هناك نية جدية من جانب الحكومة السورية للنهوض بالرقة؟
قال الباحث الاقتصادي يونس الكريم لموقع تلفزيون سوريا إن من أبرز الأسباب وراء تعيينه:
- تطوير البنية التحتية في محافظة الرقة وخلق بيئة استثمارية منافسة في مختلف قطاعات العمل، والسياحة والزراعة والصناعات التحويلية، فمحافظة الرقة من أغنى المحافظات السورية بالثروات والموارد وهي أرض خصبة للتنمية والاستثمار في حال توفرت لها إجارة فعالة.
- إدارة أموال إعادة الإعمار: الرقة مرشحة لتكون أولى المحافظات التي تشهد مشاريع إعادة إعمار بتمويل أوروبي، ما يفتح الباب أمام عقود ضخمة وصراع نفوذ محتدم، ووجود سلامة الخبير في هذا المجال قد يكون تمهيداً لبناء شبكة تتحكم في مسار هذه المشاريع، وإدارتها بالطريقة المثلى.
- مراقبة نشاط تنظيم “داعش”: الرقة مدينة حساسة تجاه نشاط التنظيم، خاصة في مناطق مثل جبل العمور، ما يجعل الحاجة ملحة لشخص يعرف طبيعة التنظيم جيداً ويستطيع التعامل مع مخاطره.
محافظة الرقة اليوم تقف على مفترق طرق، فهي محافظة غنية بالموارد، لكنها منهكة بالخدمات، ومثقلة بذكريات وقوعها تحت سطوة “داعش” و”قسد” وما سبقه من تهميش لعقود في ظل النظام المخلوع، وتعيين عبد الرحمن سلامة محافظاً يضع أمامه مهامَّ معقدة وثقيلة، تبدأ من إعادة بناء البنية التحتية، مروراً بإدارة الموارد النفطية والزراعية، وصولاً إلى ضبط الأمن ومراقبة نشاط “داعش”، والسؤال يبقى مفتوحاً، هل ينجح سلامة في إعادة الحياة إلى “درة الفرات”، أم ستظل الرقة أسيرة التحديات والحاجة إلى كل شيء، خدمات واستقرار وإعادة إعمار.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية