«نبض الخليج»
لم تجد إدارةُ العمليات العسكرية التي قادت عملية إسقاط نظام الأسد أواخر عام 2024 عوائقَ تُذكر في طريقها لتولي السلطة التنفيذية، نظراً لحداثة أثر “الإنجاز العسكري” المتمثل بإزاحة نظام مارس كل أنواع القمع والجرائم بحق الشعب السوري، إلى جانب وجود تهديدات أمنية حقيقية مصدرها الخشية من الفراغ الأمني الذي قد يتيح المجال لعودة نشاط تنظيم الدولة، ووجود سلاح غير منضبط، وتفشي الحالة الميليشياوية.
ومع دخول أجهزة الدولة إلى محافظة الحسكة، آخر معاقل تنظيم قسد، طفا على سطح المشهد السوري سيلٌ من الانتقادات لأداء الحكومة السورية على خلفية مشاهد غرق المخيمات في ريف إدلب، واللافت أن شريحة واسعة من قادة الرأي في الشمال السوري – الذي يوصف بأنه كان منطلقاً لتحرير كامل سوريا من نظام الأسد – شاركوا في انتقاد تراجع اهتمام الحكومة المتزايد بمنطقة الشمال.
عملت الحكومة السورية الجديدة على رفع سقف الطموحات الشعبية من خلال إطلاق وعود كبيرة يصعب تحقيقها حتى في بلدان مستقرة اقتصادياً، بدلاً من مكاشفة الجمهور والعمل على تطوير قدرتهم على الصبر.
حقبة جديدة تدخلها سوريا
طيلة عام وربع تقريباً من إدارة الحكومة السورية الجديدة للبلاد، كانت تظهر انتقادات من حين لآخر لبعض الممارسات أو القرارات الحكومية، لكن هذه الانتقادات لم تكن تجد طريقها إلى عمق القاعدة الشعبية، التي لا تزال تعقد المقارنات بشكل لا إرادي بين سلوك الحكومة الجديدة والحقبة السابقة التي عاشتها سوريا لعدة عقود، وهذه المقارنة بطبيعة الحال كانت كفتها راجحة وبقوة لصالح الحكومة الجديدة.
أيضاً، من العوامل التي ساهمت في عدم حصول تفاعل شعبي واسع مع الانتقادات الموجهة لممارسات الحكومة السورية الجديدة المتعلقة بإدارة البلاد، التعويل على قدرتها العسكرية والأمنية لإنهاء فوضى انتشار السلاح، واستكمال توحيد الجغرافيا السورية، بما يتيح لعموم المناطق السورية، بما فيها محافظات الجزيرة، التخلص من سلطات تقمع إرادتها.
بعد الهزيمة العسكرية التي ألحقتها الحكومة السورية بتنظيم قسد، والتوصل إلى اتفاق أتاح للحكومة دخول مؤسساتها إلى مركز محافظة الحسكة، قفزت إلى الواجهة الاحتياجات والمتطلبات الشعبية المؤجلة، وتم التعبير عنها من خلال احتجاجات المعلمين في الشمال السوري على واقع التعليم عموماً ومعاشات المعلمين، أو عبر الانتقادات الشعبية للحكومة بسبب عدم الإعلان عن خطط واضحة وجدول زمني لإنهاء انتشار المخيمات في سوريا، بالإضافة إلى انتقاد آلية تعيين المسؤولين الحكوميين وموظفي السلك الدبلوماسي، وغياب الشفافية، والتشكيك بتكافؤ الفرص، مما أعطى مؤشرات واضحة على أن سوريا تدخل حقبة جديدة بمتطلبات محددة لضمان استدامة الاستقرار.
المنتظر اليوم من الحكومة الجديدة هو بناء الثقة مع الشعب بخطوات لا تتطلب الكثير من الإمكانيات، مثل تقليص مظاهر الرفاهية التي قد تظهر على مسؤولي الدولة ومواكبهم، وتوسيع دائرة الكفاءات المشاركة في العمل الحكومي، والتعامل بشفافية فيما يتعلق بالاستثمارات وكيفية منحها..
ضعف استراتيجية الحكومة في إدارة الانطباع الشعبي
من المؤكد أن الحكومة السورية تقوم بجهود معقولة لتحسين واقع الخدمات والاستقرار في سوريا ضمن المتاح، لكن من القواعد العامة والمهمة في علم الاجتماع أن “الانطباعات تتفوق على الحقائق”، لذا ففي الحالة السورية بشكل خاص تبرز أهمية الاعتناء باستراتيجية “إدارة الانطباع الشعبي”، في ظل الانكشاف الكبير أمام الحملات التي تستهدف تغيير الانطباع الشعبي تجاه الحكومة السورية من محيط يتبنى نهجاً عدائياً تجاه استعادة دور الدولة السورية، سواء الفصائل السياسية المدعومة من إيران، أو اللجان الإلكترونية المرتبطة بإسرائيل، حيث تقوم هذه الأطراف بالتقاط أي هفوة أو خلل وتسلط الضوء عليه بشكل مكثف، مع تزوير بعض المعلومات أحياناً.
منذ الأيام الأولى لتولي إدارة العمليات العسكرية الحكم في سوريا، ركزت بشكل كبير على الترويج للجهد العسكري في عملية إسقاط الأسد، دون الإشارة مطلقاً إلى الجهدين الأمني والسياسي، اللذين ساهما في تفكيك الكتلة الصلبة التابعة لقوات الأسد، سواء من خلال عقد تفاهمات مع روسيا مقابل ثنيها عن دعم الأسد في التصدي للهجوم، أو عبر تحييد ألوية عسكرية مؤثرة مقابل إعطاء قادتها الأمان. ثم لاحقاً انصدم الجمهور السوري باتصالات الحكومة الجديدة مع روسيا، وحجم العفو عن منتسبين سابقين للمؤسسة العسكرية التابعة للأسد، فتنامت مشاعر السخط الشعبي بدلاً من الثناء على إدارة العمليات العسكرية على جهدها الأمني والسياسي الذي ساهم في حسم المعركة، وهذا نابع من عدم تقديم سردية واضحة وحقيقية للجمهور منذ البداية.
أيضاً، عملت الحكومة السورية الجديدة على رفع سقف الطموحات الشعبية من خلال إطلاق وعود كبيرة يصعب تحقيقها حتى في بلدان مستقرة اقتصادياً، بدلاً من مكاشفة الجمهور والعمل على تطوير قدرتهم على الصبر، وتحميلهم جزءاً من المسؤولية تجاه إعادة الاستقرار في سوريا.
تعطي الحكومة باستمرار رسائل تؤكد من خلالها أن تركيزها منصب على تطوير قدرات المؤسستين العسكرية والأمنية، وهذا ظهر من خلال عدم التجاوب مع مطالب العاملين في القطاع التعليمي ورفع مستوى معيشتهم، في حين استمر تدفق الآليات والمعدات الخاصة بالأمن الداخلي. وهذا لا يعني المطالبة بإغفال القطاع الأمني المهم للاستقرار، لكنه دعوة للاستجابة المعقولة لاحتياجات القطاع التعليمي، بهدف إرسال رسائل لمختلف شرائح الشعب تؤكد الاهتمام باحتياجاتهم.
خلال عام سابق، ركزت الحكومة السورية الكثير من جهودها الاقتصادية والإعلامية والخدمية على مدينتي حلب ودمشق، وهذا مفهوم في ظل الكثافة السكانية العالية في هاتين المدينتين، ولوجود شرائح تساهم في الاقتصاد السوري، إلا أن هذا التركيز ترافق مع إيحاء بإهمال باقي المناطق التي كانت بالأصل تحظى بخدمات جيدة، حيث تقلصت ساعات وصول الكهرباء إلى محافظة إدلب على سبيل المثال، مما أعطى انطباعاً بأننا مقبلون على حقبة جديدة من الاهتمام بالمراكز، والتعاطي مع الأطراف في حدود أنها مصدر للموارد لخزينة الدولة، كما هو الحال مع الرقة ودير الزور والحسكة. ومن المعلوم أن إهمال نظام الأسد للريف وتنميته كان من أحد أهم أسباب اندلاع الثورة السورية.
على العموم، لا تتحمل الحكومة السورية الحالية الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب السوري حالياً، لأن نظام الأسد وداعميه هم من دمروا المدن والبلدات، وتسببوا بنزوح مئات الآلاف ضمن المخيمات، ووجود الملايين في بلدان اللجوء، وجعلوا البلد بحاجة إلى إنفاق عشرات مليارات الدولارات من أجل استعادة الخدمات. لكن المنتظر اليوم من الحكومة الجديدة هو بناء الثقة مع الشعب بخطوات لا تتطلب الكثير من الإمكانيات، مثل تقليص مظاهر الرفاهية التي قد تظهر على مسؤولي الدولة ومواكبهم، وتوسيع دائرة الكفاءات المشاركة في العمل الحكومي، والتعامل بشفافية فيما يتعلق بالاستثمارات وكيفية منحها، وتجنب أي مؤشر يدل على تفشي المحسوبية، من قبيل كثرة التعيينات في المناصب الحكومية لأفراد العائلة الواحدة، وإعلان خطط ممكنة وقابلة للتنفيذ لحل المشاكل الملحة، مثل قضية توفير الكهرباء بأسعار مقبولة بحسب الشرائح.
شارك هذا المقال
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية