تقارير

من الانشقاق إلى العودة.. ضابطات سوريات يستعدن بزّتهن العسكرية بعد سقوط النظام

من الانشقاق إلى العودة.. ضابطات سوريات يستعدن بزّتهن العسكرية بعد سقوط النظام

«نبض الخليج»  

لم تكن الثورة السورية مجرد حراك شعبي عابر، بل تحولت إلى محطة مفصلية أعادت تشكيل المواقف حتى في أكثر المؤسسات حساسية في البلاد، ومع تصاعد التطورات، بدأت ملامح الانشقاقات تظهر تدريجياً داخل صفوف قوات النظام المخلوع، حين اختار ضباط وضابطات كسر حاجز الصمت والانحياز إلى واجبهم الأخلاقي، في تلك اللحظات، لم يكن الانشقاق قراراً سهلاً، بل خطوة محفوفة بالمخاطر، تترتب عليها تبعات قاسية على المستويين الشخصي والعائلي، لكنها حملت في المقابل دلالات عميقة في وجدان الشارع السوري.

برز حينها حضور المرأة السورية في هذا السياق بوصفه امتداداً لدورها في مختلف مفاصل الثورة، حيث تجاوزت موقع المتلقّي للأحداث إلى موقع الفاعل وصاحبة القرار، ومع تحولات المرحلة وسقوط النظام، لم يتوقف هذا الدور عند حدود المشاركة، بل اتجه نحو المساهمة في إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مختلفة، تعكس تطلعات السوريين لدولة أكثر عدلاً واستقراراً، يكون فيها حضور المرأة جزءاً من معادلة التغيير.

اعتقال وفقدان ونجاة في طريق الانشقاق

“لم يكن الانشقاق مجرد قرار اتخذته في لحظة عابرة، بل كان انفجاراً لمشاعر مكبوتة فاضت مع أول صرخة حرية في درعا، حينما هبّ الجنوب، طار القلب فرحاً، ليس لشيء إلا لأنني أعرف معدن هؤلاء الرجال أعرف أنهم إذا عزموا لم يرجعوا، وإذا قالوا فعلوا”، بهذه الكلمات وصفت العقيد يسرى القطاعنة لموقع “تلفزيون سوريا” لحظة انشقاقها عن النظام المخلوع.
وأضافت: “في تلك اللحظة، سقطت من حساباتي مسألة الانشقاق، فهي تحصيل حاصل، لم يكن هناك مجال للتردد أو التفكير، بل كان الهمّ الوحيد الذي يشغلني، كيف أكسر هذه القيود، وكيف أجد طريقي لأكون بين أهلي وناسي في تلك اللحظات التاريخية”، مشيرة إلى أنها انشقّت عام 2012.
كما أوضحت أن فكرة الانشقاق بدأت بلقاءٍ سريع مع شقيقها قيس القطاعنة في أثناء وجودهما في الخدمة، حيث اتفقا على أن يستغل أيٌّ منهما فرصة للعبور نحو الجنوب، وبالفعل تمكن شقيقها من الوصول إلى درعا، لكن ذلك ترتب عليه تداعيات قاسية، إذ وُضعت تحت الإقامة الجبرية، في حين اعتُقل شقيقاها إياد وعبد الملك.
تصف تلك المرحلة بأنها كانت من الأصعب في حياتها، حيث تنقلت بين الأفرع الأمنية في محاولات حثيثة لإنقاذ إخوتها، وتمكنت من تحرير أحدهما، في حين فقدت الآخر تحت التعذيب، ومع أول فرصة سنحت لها، تمكنت من الفرار، لتلتحق بألوية العمري التي أسسها شقيقها، حيث شاركت في مهام الإمداد والطبابة ومرافقة المقاتلين في الميدان.

العقيد يسرى القطاعنة في معهداً الشرطة النسائية في ريف دمشق (انترنت)

انكسر الجنوب واتساع المنافي

لكن هذا المسار لم يستمر، إذ أوضحت القطاعنة أن “الجنوب الصامد انكسر عقب اتفاق التسوية مع النظام البائد عام 2018″، ما أدى إلى تشتت العائلة مجدداً، حيث غادر إخوتها نحو الشمال، بينما توجهت هي إلى الأردن للبقاء إلى جانب والدتها التي فقدت أبناءها.

وفي الأردن، اختارت العمل الإنساني مساراً جديداً، فانخرطت في إحدى المنظمات، وأشرفت على إيصال المساعدات الطبية والإغاثية إلى منطقة اللجاة، قبل أن يتوقف نشاطها لاحقاً.

ورغم ذلك، ظل ارتباطها بسوريا قائماً، مشيرة إلى أن “الشوق بقي يحرقنا حتى جاء يوم الفتح والتحرير”، لتقرر بعدها العودة فوراً ووضع خبرتها في خدمة وطنها.

ترى القطاعنة أن دور المرأة السورية متجذر في بنية المجتمع، ولا يرتبط بقرارات أو تشريعات حديثة، بل يعكس امتداد حضورها في مختلف المجالات، من التعليم والطب إلى العمل الزراعي، مؤكدة أن هذا الدور يتجلى أيضاً داخل المؤسسة العسكرية.

وأشارت إلى أن مساهمة المرأة في هذا المجال لا تقتصر على المهام الرسمية، بل تتجاوزها إلى بعد إنساني يتمثل في بث الطمأنينة لدى المدنيين، حيث يسهم وجودها في الحواجز أو في أثناء الإجراءات الأمنية في تخفيف رهبة المواقف، ويمنح شعوراً بالأمان، لا سيما لدى النساء والأطفال، ليتحول حضورها إلى رسالة ثقة بقدر ما هو أداء لمهام عسكرية.

المرأة السورية حكاية صمود في الثورة وبناء الوطن

وسط التحولات التي شهدتها سوريا منذ اندلاع الثورة، برزت تجارب نسائية داخل المؤسسة العسكرية اختارت الانشقاق كمسار حاسم في مواجهة واقعٍ لم يعد يشبهها، وبين قرار الخروج من صفوف النظام والعودة اليوم للمساهمة في بناء الدولة، تتقاطع هذه القصص مع مسار بلدٍ يعيد تشكيل نفسه.
وفي هذا السياق، تروي المقدم إسراء عبود، المنحدرة من بلدة غباغب في ريف درعا، لموقع “تلفزيون سوريا” تفاصيل رحلتها مع الانشقاق، موضحة أنها حاصلة على بكالوريوس في العلوم العسكرية اختصاص شؤون إدارية، وتخرجت عام 2008، قبل أن تلتحق بالعمل في مشفى الصنمين العسكري كرئيسة لقسم الاستشفاء والأمور المالية، حيث استمرت حتى انشقاقها برتبة ملازم أول أواخر عام 2012.
وأشارت إلى أن قرارها لم يكن مفاجئاً، بل جاء نتيجة لتطورات متسارعة، أبرزها اعتقال شقيقها ومقتل زوج شقيقتها، إلى جانب تصاعد العنف ضد المدنيين، وقالت: “أدركنا حينها أن دورنا لم يعد حماية الشعب، بل الدفاع عن نظامٍ يمعن في قتله، فقررنا أنا وأخواتي الأربع الانشقاق”، مضيفةً أن ما تبقى من العائلة اضطر لمغادرة البلاد خوفاً من التبعات.
كما أكدت عبود أن المرأة السورية لعبت أدواراً متعددة خلال الثورة، بين معتقلة ونازحة وأم لشهيد أو معتقل، ما أكسبها صلابة استثنائية، كونها أثبتت خلال هذه التجربة قدرة المرأة على اتخاذ قرارات مفصلية، وعلى لعب دور قيادي في مرحلة ما بعد الثورة.
وأوضحت أن بداياتها في العمل الثوري لم تقتصر على الانشقاق، بل سبقتها مساهمات في تقديم الدعم الطبي للمنشقين والجرحى داخل المشفى، قبل أن يشتد الخطر وتضيق الخيارات، لتتخذ مع أربعة من إخوتها قرار الانشقاق، وهو ما أدى إلى نزوح العائلة إلى الأردن عبر طريق محفوف بالمخاطر، في حين بقي بعض إخوتها للعمل في المناطق المحررة.
وفي الأردن واجهت تحديات صعبة، خاصة مع انشقاق عدد كبير من أفراد عائلتها، لكنها واصلت دعمها للثورة، مؤكدًة أن ما عاشته من ظروف قاسية زادها تمسكاً بخيارها، ومنحها دافعاً للاستمرار في مسيرتها.

مجموعة من الضباط في معهداً الشرطة النسائية في ريف دمشق (وزارة الداخلية)
مجموعة من الضباط في معهداً الشرطة النسائية في ريف دمشق (وزارة الداخلية)

“السقوط كعودة الروح”

لم يكن سقوط نظام الأسد مجرد حدث سياسي، بل شكّل تحولاً مفصلياً طال انتظاره لدى السوريين، ترافق مع مشاعر مختلطة بين الفرح واستحضار سنوات من الألم والتضحيات، ومثّل ذلك بداية مرحلة جديدة، أتاح عودة عدد كبير من السوريين الذين غادروا البلاد قسراً، وأعاد طرح مفهوم الأمل في سياق مختلف.

عادت المقدم إسراء إلى سوريا، ووصفت تلك اللحظة بأنها “كعودة الروح إلى الجسد”، لتستأنف عملها العسكري ضمن إطار قائم على مؤسسات الدولة، مؤكدة فخرها بالعودة إلى عملها والمساهمة في مرحلة بناء “دولة الحق والعدالة”.

ترى عبود أن حضور المرأة اليوم تغيّر بشكل ملحوظ، إذ باتت أكثر قدرة على المشاركة بحرية وكفاءة، بعيداً عن القيود السابقة، كما تشدد على أهمية دور المؤسسة العسكرية في هذه المرحلة الحساسة، باعتبارها ركيزة أساسية لحماية الاستقرار. حالياً تعمل في معهد الشرطة النسائية، حيث تشرف على تدريب وتأهيل المنتسبات الجدد، بهدف إعداد كوادر قادرة على الانخراط في العمل الأمني والعسكري، والمساهمة في بناء سوريا الجديد.

ووجّهت المقدم إسراء رسالة إلى النساء السوريات، دعت فيها إلى الانخراط في هذا المسار والمشاركة الفاعلة في إعادة بناء البلاد.

وزير الداخلية يفتتح معهد الشرطة النسائية (الداخلية السورية ـ تلغرام)
وزير الداخلية يفتتح معهد الشرطة النسائية (الداخلية السورية ـ تلغرام)

 

شارك هذا المقال

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

“أنا وهي وهيا”.. مسلسل يحاكي الدراما التركية بنكهة سورية

محرر الخليج

بتوجيهات الشيخة فاطمة بنت مبارك.. وفد نسائي ينقل التعازي في وفاة الفلسطينية آلاء مشتهى

محرر الخليج

الحصار البحري يُخيف إيران أكثر من القصف

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More