جدول المحتويات
«نبض الخليج»
في لحظات الانهيار الكبرى، تذوب الفواصل بين الأدوار وتتداخل المصائر، كما في قصة عبد الله (اسم مستعار)، أحد الضباط الذين خدموا طويلاً في صفوف قوات النظام المخلوع، قبل أن يختبر سقوطه من الداخل، ويتحول إلى لاجئ يسعى خلف مخرج في دولة كانت بالأمس شريكة للسلطة التي خدمها.
هذا التقرير، المترجم عن مادة منشورة في Worldcrunch، يروي سيرة شخصية لعنصر سابق بقي في صفوف قوات النظام حتى لحظاتها الأخيرة تردداً أو انتظاراً لمعجزة لم تأتِ. وبين الريبة من القادم والخوف من الانتقام، وجد نفسه يهرب لا من سقوط النظام، بل من ارتداداته.
اختار عبد الله اللجوء إلى روسيا، عبر قاعدة حميميم، بعدما ضاقت به الأرض في ريف اللاذقية ولبنان، واصطدمت أوهامه المبكرة عن “الاستمرار في سوريا الجديدة” بجدار من التوجس والمصير الغامض. في شهادته، تظهر ملامح الانهيار، لا فقط في النظام، بل في العلاقة التي نسجها مع عناصره، الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج المعادلة، بلا ظهر ولا مستقبل.
ترجمة التقرير كاملا:
لم يعد السفر خياراً بالنسبة لعبد الله (اسم حركي) الذي رفض في عام 2018 فرصة التسريح من قوات النظام ومغادرة البلد، وذلك عندما اختار البقاء ليشهد انهيار المؤسسة العسكرية التي عمل لصالحها على مدار سنين خلال عملية “ردع العدوان” التي شنتها قوات المعارضة.
“مفاجأة” و”فوضى” هاتان هما المفردتان اللتان استخدمهما عبد الله ليصف انهيار قوات النظام المخلوع منذ أواخر تشرين الأول 2024 حتى هروب رئيس النظام الملخوع بشار الأسد من البلد في كانون الأول الماضي.
يخبرنا عبد الله بأن القيادة خانتهم وتخلت عن واجباتها، وذلك لأن معظم الضباط القادة فروا أثناء المعارك، وبعد سقوط النظام، بقي يشكك بفكرة الرحيل، ولهذا أخبرنا عبر واتساب بأنه لم يشعر بأنه ارتكب ذنباً يحتم عليه الهروب.
لكنه في ظل الفوضى ترك آخر مهمة له في حمص وتوجه إلى ريف اللاذقية حيث يعيش أهله، على أمل العثور على ملاذ آمن، ويخبرنا بأنه وصل إلى قرية أهله عند الساعة الرابعة فجراً، واستيقظ على خبر: (سوريا من دون الأسد)، فصدمه ذلك في البداية، غير أن سلوك السلطة الجديدة وقواتها خلال المعارك وتصريحاتها بثت في نفسه التفاؤل بوجود مكان له في سوريا الجديدة، لكنه كان مخطئاً.
بعد أيام على سقوط النظام، سمع عبد الله عن أول “حالة فردية” قتل فيها ضابط سابق تحت جسر حميميم، عندئذ قرر الهرب بما أنه كان ضابطاً هو أيضاً، ولذلك وبدلاً من التوجه إلى مراكز المصالحة باللاذقية، قطع الحدود باتجاه لبنان.
بقي هناك لمدة أسبوع في قرية حدودية بسهل عكار، غير أن الشائعات التي انتشرت حول اعتقال فلول النظام في لبنان، وإحساسه بأنه خسر كل شيء وأضحى بلا مستقبل في لبنان، كل ذلك دفعه للعودة، وخلال الأشهر التي تلت ذلك، انصب قلقه الكبير على فكرة العثور على دولة أخرى بوسعه أن يتقدم بطلب لجوء فيها، ليكتشف بأن تلك الدولة لم تكن سوى روسيا.
موسكو تفتح أبوابها
في عام 2016، دانت منظمة العفو الدولية الحكومة الروسية بعد أن حاولت ترحيل ثلاثة طالبي لجوء سوريين كانوا محتجزين في داغستان، وأعلنت المنظمة بأن روسيا لم تمنح حق اللجوء لأي سوري في عام 2015، بل منحت 482 سورياً وسورية حماية مؤقتة فحسب، وفي العام نفسه تحدثت تقارير حول عدم تمكن سوريين من الحصول على حق اللجوء في روسيا بسبب “عدم وجود مبرر إنساني للحصول على لجوء مؤقت”,
بعد فرار الأسد إلى روسيا وتقدمه بطلب لجوء هناك، فتحت موسكو الباب أمام اللجوء والحماية الإنسانية التي منحتها لكثير من السوريين، فشمل ذلك ضباطاً وجنوداً ومدنيين دخل معظمهم لقاعدة حميميم الروسية الموجودة في المنطقة الساحلية. وقد زاد تدفق اللاجئين بعد مجازر الساحل، إذ قيل إن قاعدة حميميم استضافت قرابة عشرة آلاف سوري وسورية من المنطقة الساحلية، وهؤلاء ينتمون إلى الطائفة العلوية.
لا توجد أخبار كثيرة عن اللاجئين السوريين في روسيا، فالتقارير الروسية مثلاً تتحدث عن وصول 95 طالب وطالبة لجوء خلال هذا العام لمدينة يكاترينبورغ التي تتبع لأحد الأقاليم الروسية الاثني عشر التي استقبلت لاجئين سوريين والذين لابد لهم من الخضوع لدورة اندماج فيها. فيما تتحدث تقارير أخرى عن وصول نحو 150 لاجئاً ولاجئة إلى إقليم بيرم أوبلاست، ومن المتوقع وصول قرابة 100 ألف لاجئ ولاجئة سوريين إلى روسيا خلال عام 2025.
رحلة لجوء عبد الله
في السادس من آذار 2025، ترددت أصداء أصوات إطلاق النار في كل الجهات بريف اللاذقية، إلا أن صدى الشائعات كان أعلى وأقوى، فغرق عبد الله في دوامة من الاضطراب والخوف بما أنه كان ضابطاً ولم يعدل وضعه قانونياً، وفي ذلك المساء، رأى بأم عينه حشوداً من الناس وهي تتهافت على قاعدة حميميم العسكرية طلباً للأمان، بما أن العنف والفوضى سيطرا على المكان.
بعد ساعات من التشوش والقلق على أسرته في الخارج، قرر عبد الله التوجه لقاعدة حميميم حتى يتحقق من الوضع، وفي طريقه إلى هناك سمع إشاعة عن انسحاب قوات الحكومة وتوجهها إلى الأكاديمية البحرية، وعند وصوله إلى الطريق المفضي إلى القاعدة، استغرب عندما رأى مجموعة من الشبان الذين يرتدون الزي الموحد لقوات الأمن العام السورية.
شعر عبد الله بقلق شديد لدى رؤيتهم بعد أن تجنب أي تحرك يمكن أن يعرضه للخطر خلال الأشهر الماضية، وفي القاعدة، عثر على هؤلاء الأشخاص الذين تقدموا بطلب لجوء عبر القنصلية، فيما استدعي آخرون من قبل أقاربهم ومعارفهم الموجودين في روسيا، ووجد هناك أعداداً غفيرة من العساكر السابقين، وجميعهم كانوا بانتظار دورهم بالسفر إلى روسيا.
وبمجرد أن تأكد عبد الله من كذب معظم الشائعات التي سمعها، هرع لكتابة رسالة نصية قصيرة لأمه طلب منها أن تأتي على الفور حيث كتب لها: “الخيار الأسلم هو التقدم بطلب لجوء في القاعدة، ولم يخطر ببال عبد الله بأن هذا اليوم سيكون اليوم الذي سيكشف فيه عن هويته العسكرية وذلك حتى يضيف اسمه لقائمة الراغبين بالرحيل، بانتظار “الخلاص من هذا الجحيم” على حد وصفه.
صادر حرس القاعدة هاتف عبد الله النقال، ولهذا بقي طوال اليوم واليوم الذي تلاه بحالة قلق وترقب، من دون أن يدري أي شيء عن مصير أهله، وفي البداية كان تدفق الناس على القاعدة بطيئاً، ولكن بمرور الوقت بدأ عدد الواصلين يتسارع بشكل مرعب، وهكذا مضت الساعات، ولم يصله أي خبر عن أهله، وفي اليوم التالي، وصلت الأنباء، فقد قتل بالرصاص أحد أقربائه الذي عارض الأسد بكل صراحة، والذي اعتقد عبد الله أن بوسعه الاحتماء به، كما تعرض بيته للنهب.
عندما بلغه ذلك النبأ، أصبح الصراع الداخلي الذي عاشه عبد الله مرآة للعنف الذي انتشر خارج القاعدة، فقد سمع صوت الاشتباكات والرصاص خارجها، فيما تصاعد نحو الأفق القريب دخان رمادي اللون من البيوت التي التهمتها النيران. ومع اقتراب الاقتتال من بوابة القاعدة، تهافتت على قاعة الاستقبال وباحات المطار الداخلية والخارجية حشود متدافعة بحثاً عن ملاذ آمن.
الحياة داخل قاعدة حميميم
لم تكن القاعدة مجهزة لاستقبال عدد كبير من الناس، ولهذا اختلطت أصوات الخوف والارتباك برياح ليالي الشتاء في شهر آذار، وهكذا ألفى عبد الله نفسه مجبراً على الالتحام بتلك الحشود، والجلوس على أرضية الباحة الداخلية للمطار، في حين أخذت القوات الروسية توزع البطانيات والخيام على الأطفال والنساء وكبار السن.
على مدار يومين متواصلين استمر صوت النار والاشتباكات، بعد ذلك هدأت الأمور بالتدريج، من دون أن تتعرض القاعدة لأي استهداف مباشر، ولهذا فإن كل ما سمعه عبد الله خلال الأيام التي أعقبت ذلك كان أزيز طائرات الاستطلاع المسيرة التي أطلقتها الحكومة الحالية والتي أخذت تحوم حول القاعدة ببطء، فذكره ذلك بالخطر الذي لم يبارحه يوماً.
بقي عبد الله ينتظر في القاعدة لمدة تجاوزت الأشهر الثلاثة، غير أن الوقت أضحى ثقيلاً هناك بعد أن تحولت الحياة إلى نظام متكرر صارم، بما أن كل الأمور كانت تدار بعقلية عسكرية صرف، كما أن جميع تحركات الناس كانت تتم وفقاً لجدول دقيق، وهذا ما خلق حالة من الارتباك في نفوس المدنيين، غير أن عبد الله قال: “ذلك وضع طبيعي، لأنك في قاعدة عسكرية.. والقوانين فيها واضحة، والأمان يحتل صدارة الأولويات، والعساكر غير مستعدين للتعامل مع وضع اللجوء بطريقة ملائمة، بما أنهم مقاتلون وليسوا عاملين في المجال الإنساني”.
كان كل يوم يبدأ باجتماع قصير توزع خلاله المهام بين الخيام، وكان في كل خيمة رئيس مدني مسؤول عن تلبية مهامها الأساسية، وتلك المهام كانت بسيطة لكنها ثقيلة في ظروف الحياة التي تكتنفها المخاطر ويعتريها الانتظار والترقب. كانت أيام الشتاء الأولى غاية في القسوة، فقد عصفت الرياح والصقيع بالخيام، أما الأمطار الغزيرة فقد تركت الأرض موحلة، وهذا ما رأيناه في الفيديوهات التي انتشرت حول ما يجري في القاعدة.
خلال تلك الفترة، افتتحت القاعدة خيمة لتعليم اللغة الروسية لمن يرغب بتعلمها، وهنا يبدي عبد الله حذراً كبيراً في وصفه للجنود الروس، ويقول إن عائق اللغة كان مشكلة كبيرة، بما أن العساكر لا يتقنون العربية، والتواصل معهم كان يتم عبر المترجمين فحسب، إلا أنهم ساعدوا الناس قدر استطاعتهم.
الرحيل إلى موسكو
في العشرين من شهر أيار عام 2025، هاجمت مجموعة مجهولة قاعدة حميميم، فقتلت شخصين وجرحت آخرين، ويخبرنا عبد الله عما جرى فيقول: “سمعنا صوت إطلاق الرصاص والاشتباكات، لكنا كنا معتادين على سماع تلك الأصوات بين الفينة والأخرى نظراً لقرب الأكاديمية البحرية منا، ولهذا لم ندر ما حدث حتى اليوم التالي بعد أن بلغنا النبأ من الأخبار”، غير أن الهجوم رفع حالة التأهب الأمني في القاعدة.
بعد مرور أسابيع على ذلك، صعد عبد الله على متن طائرة شحن متوجهة إلى موسكو، فاستقبله هناك هو ومن كان برفقته وفد من وزارة الطوارئ الروسية، حيث تحدث إليهم عن وضعه ثم وقع على طلب لجوء إنساني، بعد ذلك قدموا له ورقة منحوه من خلالها حق اللجوء المؤقت لمدة سنتين في روسيا.
أمضى عبد الله الأيام الأولى في مجمع قريب من المطار، ثم نقل في نهاية المطاف إلى مجمع سكني يتبع لوزارة الطوارئ، وعلم هناك بأن المجمع قد جهز لاستقبال اللاجئين الأوكرانيين، وعندما سئل عن يومياته هناك ضحك وقال: “روتين الحياة هنا مختلف، لكنه أفضل مما كنا عليه في سوريا، بيد أن حياتي عبارة عن انتظار، لأني آمل بالعودة إلى بلدي ولكن..”
المصدر: World Crunch
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية