«نبض الخليج»
منذ عقود أُدرجت الجزيرة والفرات في معادلة اقتصادية تقوم على الاستخراج لا الاستثمار. القمح يُنقل، النفط يُضخ، والقطن يُصدّر، بينما كان أهل تلك المنطقة خارج معادلة القيمة. هذا ليس بمصادفة بل هو نتيجة عقود من الإهمال، وزاد الطين بلة الفساد الإداري والسياسي والنهب الاقتصادي زمن نظام الأسد.
تعتبر منطقة الجزيرة والفرات من أهم وأغنى المناطق في سورية بما تملكه من موارد طبيعية سواء ثروات نفطية ومائية وأراضي خصبة. فالجزيرة هي المنطقة الزراعية الأولى والسلة الغذائية لسورية، وتتركز فيها المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والقطن والذرة والشعير. كما تشتهر بتربية الأغنام والأبقار مما جعلها مصدراً رئيسياً للحوم والألبان والصوف.
وفرة مياهها تعود بالدرجة الأولى لنهر الفرات الشريان الحيوي لهذه المنطقة حيث يُعتمد عليه كمصدر لمياه الشرب والري وتوليد الطاقة. وهو النهر الدولي الذي يعبر الحدود من تركيا بلد المنبع إلى سورية ويسهم بنحو 40% من حجم المياه السطحية المتوفرة لسورية وقد أُقيم عليه ثلاثة سدود في سورية: سد الفرات وسد تشرين وسد المنصورة، ووظيفة هذه السدود تخزين المياه لأغراض الري والشرب وتنظيم التدفق بالإضافة إلى توليد الطاقة الكهربائية.
قد تعاقبت عدة قوى في السيطرة على هذه السدود، ولطالما سيطر الخوف على أهالي المناطق المحيطة بها خوفاً من تضرر إحداها نتيجة العمليات العسكرية التي قد تؤدي إلى غرق عدد كبير من القرى والمناطق حولها.
تلعب هذه السدود دوراً محورياً في تحسين وتوسيع الرقعة الزراعية في المناطق المحيطة من خلال توفير مياه الري ويسهم في دعم الزراعة التي تُعد العمود الفقري للاقتصاد المحلي في المنطقة. وأهم هذه السدود هو سد الفرات ويُصنف بأنه أكبر السدود في سورية وعلى مستوى الوطن العربي يُعد الثاني بعد السد العالي في مصر. وهو منشأة استراتيجية تلعب دوراً مهماً في الاقتصاد السوري يصل حجم قدرته التخزينية إلى 14.1 مليار متر مكعب، ويحتوي على محطة كهرومائية تضم 8 مجموعات توليد كهرباء وبحسب وزارة الطاقة تبلغ استطاعة كل مجموعة 110 ميغا واط وقد اعتمدت سورية على هذه الكهرباء لسنوات طويلة كمصدر رئيسي للطاقة قبل السيطرة على السد من قبل قوات قسد ومن قبلها تنظيم الدولة. سد تشرين يعد ثاني أكبر السدود في سورية ويضم محطة توليد كهرباء تتألف من عدة توربينات، تبلغ قدرتها الإنتاجية نحو 630 ميغاواط، مما يسهم في تلبية جزء كبير من احتياجات المنطقة من الكهرباء كما تبلغ القدرة الاستيعابية لبحيرة السد 1.9 مليار متر مكعب. أما سد المنصورة (البعث سابقا) فهو الثالث من حيث الأهمية في سورية يخزن مياه بحجم يصل إلى 90 مليون متر مكعب، ولا يمكن التغافل عن دوره في توليد الطاقة الكهربائية التي تصل إلى 375 كيلو واط سنوياً.
وقد تعاقبت عدة قوى في السيطرة على هذه السدود، ولطالما سيطر الخوف على أهالي المناطق المحيطة بها خوفاً من تضرر إحداها نتيجة العمليات العسكرية التي قد تؤدي إلى غرق عدد كبير من القرى والمناطق حولها ولكن دائماً ما كانت هذه القوى المسيطرة تحاول الابتعاد عن ضرب هذه المنشآت الحيوية لضرورتها واستخدامها بما يوازي مصالحها وكسلاح بيدها ضد الأطراف الأخرى كقطع الماء والكهرباء. ومع ذلك بسبب سوء الإدارة وعدم الصيانة الدورية لهذه المنشآت فقد تضررت بنسب متفاوتة. وبإعادة السيطرة في الأيام الأخيرة على هذه المنشآت من قبل الحكومة السورية الجديدة سارعت لإرسال اللجان المختصة لمعاينتها والعمل على تسريع عمليات الصيانة لإعادة تشغيلها وفق قدرتها التشغيلية التصميمية بعد التراجع في مستويات التشغيل خلال سنوات الحرب السابقة بالاستعانة بالخبرات الوطنية والأجنبية.
وبالإضافة إلى غنى منطقة الجزيرة والفرات بالموارد المائية فهي غنية بالموارد النفطية والغاز الطبيعي، بل تعتبر أغنى المناطق السورية بهذه الثروات، فهي تضم أهم حقول النفط والغاز وخاصة في محافظتي دير الزور والحسكة كحقول العمر والرميلان والتنك وحقول كونيكو للغاز. ونتيجة سوء الإدارة من قبل قسد فقد تراجع إنتاج النفط في هذه الحقول وتم هدره وسرقته. فعلى سبيل المثال في حقل العمر الذي يُعد أكبر حقل نفطي في سورية من حيث الطاقة الإنتاجية قبل 2011، بلغ إنتاجه 80 ألف برميل يومياً وشكّل العمود الفقري لصادرات النفط السورية، أصبح ينتج الآن 20 ألف برميل يومياً، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور كما جاء في تقرير لموقع الجزيرة الإلكتروني.
منطقة الجزيرة والفرات تعاني من الفقر وارتفاع معدلات البطالة وهذا ليس حالة طارئة بل نتيجة لسياسات طويلة الأمد من ضعف التعليم والبنى التحتية والخدمات الصحية والتعليمية الذي انعكس في تعميق دائرة التهميش.
لقد أُديرت منطقة الفرات والجزيرة منذ تشكل الدولة الحديثة بوصفها هامشاً اقتصادياً يزود الدولة بالمواد الخام (الزراعية والنفطية) ونقلها إلى مراكز التصنيع أو القرار من دون أن يُسمح لها بتطوير اقتصاد محلي متكامل كباقي المدن الكبرى رغم توافر كل العوامل والأسس لذلك. أما النفط فكان أكثر الموارد كشفاً لهذا الخلل فقد بُني حوله اقتصاد ريعي مغلق لا يخضع للمساءلة ولا يُعاد توزيع عوائده بشكل عادل. في مفارقة مؤلمة بقيت هذه المنطقة الغنية بالثروات الطبيعية محرومة من الصناعات التحويلية والاستثمارات طويلة الأمد ولم تُطوَر البنى التحتية والخدمية بشكل يليق بمنطقة تنتج الجزء الأكبر من الطاقة في البلاد ولم يكن النفط فيها أداة تنمية كما يجب أن يكون. بل طال الأمر التوظيف في الصناعة النفطية فكان معظم العاملين فيها من خارج المنطقة وغالباً من محاسيب نظام الأسد وبيئته الداعمة.
وإدارة القطاع الزراعي لم تكن أفضل فقد تمت إدارته بطريقة استخراجية لا تنموية، حيث فُرضت سياسات إنتاجية تركز على المحاصيل الاستراتيجية من دون مراعاة الاستدامة البيئية ومصلحة الفلاح وتنوع الإنتاج بما يتناسب مع الظروف المناخية وتوافر المياه.
منطقة الجزيرة والفرات تعاني من الفقر وارتفاع معدلات البطالة وهذا ليس حالة طارئة بل نتيجة لسياسات طويلة الأمد من ضعف التعليم والبنى التحتية والخدمات الصحية والتعليمية الذي انعكس في تعميق دائرة التهميش. وقد تعرض أهلها لموجات نزوح متكررة تارةً بسبب موجات الجفاف التي طاحت بالأراضي الزراعية وبالتالي بالحالة الاقتصادية للفلاحين الذين هم النسبة الأكبر من سكان هذه المناطق ولا توجد سياسات مستدامة أو برامج إرشاد زراعي فعّالة لدعمهم. هذا النقص في الدعم الفني والمالي دفع صغار الفلاحين الأكثر تضررًا إلى ترك أراضيهم أو تقليص نشاطهم الزراعي. وتارةً أخرى بسبب الحروب التي دارت في المنطقة.
كل من سيطر على هذه المنطقة كان غرضه نهب ثرواتها من دون التوجه لتوسيع الاستثمارات وتطوير البنى التحتية بما يخدم تحسين الوضع المعيشي لأبنائها في مختلف القطاعات. فعلى زمن النظام البائد كانت هذه المنطقة منهوبة الثروات وبعدها قسد التي زادت الوضع تردياً من خلال سوء الإدارة واستغلال الثروات من مياه ونفط كسلاح حيوي واقتصادي في الحرب.
تشكل منطقة الفرات والجزيرة السورية مثالاً صارخاً على التناقض بين غنى الموارد وفقر الإنسان. إن وفرة الموارد لا تعني تلقائياً الازدهار بل قد تتحول إلى عامل تهميش إذا أُديرت ضمن نموذج ريعي. ومعالجة الفقر في هذه المنطقة لا تبدأ بزيادة الإنتاج، بل بإعادة التفكير في علاقة الدولة بالموارد وبالإنسان وبحقوقه من خلال إدارة عادلة للموارد تضمن توزيعاً منصفاً للعائدات بالإضافة إلى إشراك المجتمع المحلي في صنع القرار وتنويع الاقتصاد عبر دعم الصناعات الزراعية والطاقة المتجددة وكل هذا تحت مظلة حماية البيئة والموارد الطبيعية بسياسات مستدامة.
واليوم بعد أن عادت المنطقة إلى كنف الدولة السورية فأهلها يتطلعون إلى إنصافهم وأن تنعكس الثروات الموجودة في منطقتهم على حياتهم، خاصة وأنهم يعتبرون الدولة الجديدة نتاجاً للثورة السورية ثورة الحرية والعدالة التي ساهموا فيها بقوة وقدموا كثيرا من التضحيات فيها.
شارك هذا المقال
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية