«نبض الخليج»
بعجزٍ وحرقةٍ في القلب، تستقبل منال عيد الفطر هذا العام، إذ لا تستطيع هي وأبناؤها الثلاثة، في أول أيام العيد، زيارة قبر زوجها الذي فقدته في تركيا خلال سنوات اللجوء، قبل أن تعود إلى سوريا بشكل نهائي بعد التحرير.
كحال منال، يحلّ هذا العيد للمرة الأولى بحزنٍ متزايد وشعورٍ بالعجز على عائلاتٍ سورية عادت بشكل نهائي إلى سوريا، مع سقوط النظام المخلوع وانتهاء رحلة لجوئها التي فقدت خلالها أحباءً في تركيا.
غير أن الحزن على الفقد يتضاعف بفعل الحدود وإجراءات السفر التي تحول دون زيارة قبور الراحلين، في وقتٍ اعتاد فيه السوريون أن يستهلّوا أول أيام العيد بزيارة المقابر، كطقسٍ اجتماعي يختلط فيه الحزن بالدعاء.
فقد اعتاد السوريون على زيارة قبور أقاربهم صباح أول أيام عيدي الفطر والأضحى، لتبدأ الزيارات غالبًا بعد صلاة العيد، وتشهد المقابر ازدحامًا بالزوار الذين يسلّمون على الراحلين ويضعون الزهور على قبورهم، وهي عادة رافقتهم في حلّهم وترحالهم داخل البلاد وخارجها، وحتى خلال سنوات اللجوء والعودة.
لا زوّار لقبور الأحباء
تتحدث منال محمود، المنحدرة من مدينة اللاذقية، لموقع تلفزيون سوريا عن شعورها بالذنب، إذ لم يزر قبر زوجها أحد بعد عودتهم إلى سوريا، لا سيما أن أولادها يعرفون مكان دفن والدهم، وتقول: “لا يستطيع هو المجيء إلينا، نحن من ينبغي أن نزوره، لكننا محرومون من ذلك”.
وتشير إلى عدم تمكنها من زيارة القبر مجددًا بسبب صعوبة إجراءات السفر من الناحيتين المادية والإدارية، خاصة أنها لا تمتلك جوازات سفر أو حتى وثائق اللجوء التي فقدتها خلال كارثة الزلزال حين كانت تقيم في أنطاكيا، مركز ولاية هاتاي جنوبي البلاد.
وتضيف منال أنه لو كان بإمكانها زيارة القبر اليوم، لفعلت كما يفعل كل من فقد عزيزًا؛ لأحضرت وردًا ونباتات، وزرعتها على القبر، وتحدثت إليه مع أبنائها، ولقرأت له سورة الفاتحة.
وكمحاولة لإحياء ذكرى زوجها رغم بعدها عن قبره، تشير منال إلى أنها تزور مع أبنائها المقبرة القريبة من منزلها في اللاذقية، وتوصي الأموات بإيصال سلامهم إلى زوجها ووالد أطفالها، وتقرأ له الأدعية وترسلها إليه.
وكانت منال، التي انتقلت للإقامة في ولاية غازي عنتاب بعد الزلزال، قد ودّعت زوجها المدفون في مقبرة نارلجا قبل رحيلها عن تركيا، في وداعٍ أخير يتشابه في ظروفه مع وداع كثير من السوريين العائدين لأحبائهم الراحلين.
شعور صعب
ولا تقف هذه المعاناة عند منال، إذ تتكرر المأساة بتفاصيلها مع عائلاتٍ عدة، من بينها عائلة الشابة هديل عمر، المنحدرة من مدينة الرقة، والتي فقدت خمسةً من أفراد عائلتها في كارثة الزلزال.
تقول هديل في حديث لموقع تلفزيون سوريا إن العائلة زارت قبور أخواتها الثلاث وبنات أختها للمرة الأولى قبل فترة قصيرة، وكانت تلك الزيارة بحد ذاتها صعبة، نظرًا لعدم امتلاكها الجنسية التركية.
ولم تتمكن العائلة من زيارة القبور إلا عند العودة النهائية إلى سوريا قبل فترة قصيرة، لأن الحصول على إذن سفر من ولاية إسكي شهير، حيث كانوا يقيمون مؤخرًا، إلى هاتاي حيث توجد المقابر، كان ممنوعًا.
ورغم ذلك، تقول هديل إنها تشعر بشيء من الطمأنينة لوجودها في إدلب، بينما هم مدفونون بالقرب من الريحانية على الحدود السورية – التركية، فتقول في نفسها إن المسافة بينهم لا تتجاوز ساعة، وكأنها على مقربة منهم.
لكن فكرة وجود حدود تفصلهم، وعدم قدرتهم على زيارتهم بإرادتهم، مؤلمة إلى درجة تفوق الوصف، بحسب تعبيرها، ومع ذلك تأمل أن يأتي يوم قريب تتمكن فيه العائلة من زيارتهم دون عوائق.
وتحول إجراءات التأشيرة بين أمنيتهم بالزيارة وتمكنهم من العودة إلى تركيا، خاصة بعد تسليمهم بطاقة الحماية المؤقتة (الكيملك الأصفر)، في ظل أخبار متداولة تفيد بعدم إمكانية دخول السوريين الذين عادوا مؤخرًا من تركيا إليها لمدة تصل إلى أربع سنوات، واصفةً هذه التعقيدات بأنها “تأتي فوق الألم النفسي للفقد نفسه، وهو ألم لا يراه أحد”.
وتحيي العائلة ذكرى الأموات بالدعاء، وبالأمل في الحصول على فرصة قريبة لزيارتهم، غير أنها في الوقت الراهن لا تملك سوى صورهم ومقاطع الفيديو التي التقطتها للقبور خلال زيارتهم الأخيرة.
ولو أُتيح لهديل زيارة القبور اليوم، لقرأت لهم القرآن، وسلّمت عليهم، وعايدتهم، وحملت معها شتلاتٍ من الورود لتزرعها على قبورهم، بحسب ما تتمناه.
كما أوصت الشابة صديقةً لها دُفنت والدتها في المقبرة نفسها بأن تزور قبور فقَدَتها، لتسلّم عليهم وتعايدهم نيابةً عنها عندما تزور أمها، وهو ما يعكس حجم العجز الذي تعيشه العائلات في ظل القيود التي تفصلهم عن أماكن دفن أحبائهم.
ورغم مرور شهرين على عودة العائلة، ما تزال والدة هديل تأمل في زيارة قبور بناتها وأحفادها، ويأتي أملها من مقاطع متداولة تُظهر أن من لديهم أقارب مدفونون في تركيا يستطيعون زيارتهم بسهولة.
إجراءات التأشيرة معقدة
لا تقتصر هذه المعاناة على الحواجز النفسية، بل تمتد لتصطدم بقيود السفر وإجراءات الدخول التي تواجه مئات العائلات السورية التي فقدت أحبّاءها، لا سيما في كارثة زلزال شباط 2023.
ورغم دفن آلاف الأجانب في تركيا، فإن عملية الدفن أو نقل الجثامين تخضع لإجراءات قانونية وإدارية معقدة، تبدأ باستخراج شهادة الوفاة والحصول على تصاريح رسمية، وتنتهي بتحديد مكان الدفن أو تنظيم نقل الجثمان خارج البلاد، وهي إجراءات تزداد تعقيدًا في حالات الكوارث، حيث يُدفن الضحايا في مقابر مخصصة.
وتزيد هذه القيود تعقيدًا مع عودة مئات آلاف السوريين إلى بلادهم منذ كانون الأول 2024، إذ بلغ عدد العائدين 578 ألف شخص، في واحدة من أكبر موجات العودة خلال السنوات الأخيرة، بحسب بيانات رئاسة الهجرة التركية.
في حين أعلن وزير الداخلية التركي، مصطفى تشفتشي، أن عدد السوريين الذين عادوا طوعًا إلى بلادهم بلغ مليونًا و366 ألفًا و215 شخصًا حتى تاريخ 18 شباط الماضي.
غير أن هذه العودة، رغم أعدادها الكبيرة، لا تعني بالضرورة سهولة الحركة، خاصة لحملة بطاقات الحماية المؤقتة (الكيملك)، الذين سلّم بعضهم بطاقاتهم ضمن إجراءات “العودة الطوعية”، وما ترتب على ذلك من تبعات قانونية ومعيشية معقدة، حالت دون قدرتهم على العودة إلى تركيا أو الوصول إلى أماكن دفن أحبائهم وزيارتها.
وفي ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها كثير من السوريين، سواء العائدين من بلدان اللجوء أو المقيمين في سوريا، يواجه السوريون صعوبات في الحصول على التأشيرة، سواء كانت تجارية أو علاجية أو دراسية، إضافة إلى متطلبات أخرى تشمل جواز سفر ساري المفعول، وحجز تذاكر الطيران والفنادق، وكشف حساب بنكي.
وبينما لا تتوفر إحصاءات رسمية دقيقة عن وفيات السوريين في تركيا خلال سنوات اللجوء، تقدّر منظمات حقوقية عدد الذين قضوا في الزلزال منهم بنحو 3841 شخصًا، لتبقى قبورهم في تركيا شاهدًا على فقدٍ مزدوج: فقدُ الأحبة، وفقدُ القدرة على زيارتهم بحرية في أي وقت، لا في العيد فقط.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
