تقارير

من يملك حق تشكيل الذكاء الاصطناعي؟ نقاش في الأمم المتحدة حول النفوذ والثقة والشمول

من يملك حق تشكيل الذكاء الاصطناعي؟ نقاش في الأمم المتحدة حول النفوذ والثقة والشمول

«نبض الخليج»  

عندما اجتمع قادة العالم في الأمم المتحدة خلال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه قضية وحّدت الدول من جهة، وأثارت انقسامات بينها من جهة أخرى.

وعلى الرغم من اتفاق الدول إلى حد كبير على أن للذكاء الاصطناعي فوائد ومكاسب كبيرة، فإنها تختلف بشأن المخاطر، ومن يضع القواعد المنظمة له، وكيف يمكن الحيلولة دون تخلّف بلدان بأكملها عن الركب.

واستعرضت أخبار الأمم المتحدة بعض أبرز الكلمات التي أُلقيت خلال المناقشة العامة للأمم المتحدة، للوقوف على التحديات والفوائد التي تركز عليها الدول.

وكما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: “فالذكاء الاصطناعي بالفعل عاملٌ مغير لقواعد اللعبة، ويحمل إمكانات هائلة للنهوض بالطب، وتسريع الاكتشافات العلمية، وتوسيع نطاق الفرص، وتحسين حياة الناس”.

© World Bank
تُستخدم أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي خفيفة الوزن والموفرة للطاقة من شركة أرجون بالفعل في مستشفيات السرطان في مومباي وآسام، مما يجعل التشخيص المتقدم أكثر سهولة وبأسعار معقولة لملايين الهنود.

الابتكار في مواجهة الضوابط الوقائية

بدت الدول مركزة على إيجاد التوازن المناسب: كيف يمكن دفع الجوانب الإيجابية لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إلى الأمام، من دون فتح الباب أمام كارثة تقع على أيدي جهات مارقة؟

وقد عبّر رئيس الجمعية العامة، خليل الرحمن عن الأمر بوضوح قائلا: “يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون محفزا قويا لتقدم البشرية؛ ولذلك يجب ألا نغلق الباب أمام الابتكار”.

لكنه أشار أيضا إلى الأضرار المحتملة، ومنها فقدان الوظائف واتساع الفجوات الرقمية، داعيا في الوقت نفسه إلى وضع ضوابط تستند إلى العلم لا إلى الخوف.

وسارت سويسرا في الاتجاه نفسه، محذرة من أن التنظيم ينبغي أن يبني الثقة من دون خنق الفوائد التي يمكن أن يحققها الذكاء الاصطناعي. وركزت اليابان على التعاون في مجال سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

أما السعودية، فركزت على الأخلاقيات والاستخدام المسؤول. وأيدت سنغافورة إجراء الاختبارات وبناء الثقة والإبلاغ عن الحوادث عبر الحدود، مع التنبيه إلى المخاطر الناجمة عن الأنظمة التي تزداد استقلالية بمرور الوقت.

وصاغ غوتيريش التحدي بصورة حادة قائلا: “الخطر ليس في التكنولوجيا. بل الخطر يمكن في لتكنولوجيا من دون مساءلة: القدرة من دون رقابة، واتخاذ القرارات من دون شفافية”.

الناس، لا المُعالجات

© UNDP/Karin Schermbrucker
يقوم فني بصيانة الألواح الشمسية في مستشفى في بولاوايو، زيمبابوي.

إذا جُرّدت النقاشات المتعلقة بالسياسات من تفاصيلها، فإن معظم الدول تطرح سؤالا بسيطا: ماذا يعني الذكاء الاصطناعي للحياة اليومية؟

تحدثت المملكة المتحدة بإيجابية عن تسريع تشخيص السرطان، وتجديد النشاط الاقتصادي، وتحسين الخدمات العامة. وذهبت الهند إلى أبعد من ذلك، ووصفت الذكاء الاصطناعي بأنه أداة تنموية رائدة، قائلة: “ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره محركا تحويليا لتمكين الإنسان، والازدهار الاقتصادي، وحل المشكلات على نطاق سكاني واسع”.

لكن المملكة المتحدة ركزت أيضا على الاضطرابات المحتملة، قائلة: “لكننا نعلم أن الذكاء الاصطناعي سيكون أيضا مصدرا لاضطراب الطريقة التي نعيش ونعمل بها، ومضاعِفا للمخاطر”.

وما الحل؟ إبقاء البشر، وتحديدا المسؤولين المنتخبين، في موقع القيادة: “إن القرارات الأساسية المتعلقة بهذه التكنولوجيا بالغة الأهمية بحيث لا يجوز تركها للصدفة. بل يجب أن تتخذها حكومات منتخبة تخدم العاملين”.

وتعكس هذه المخاوف نقاشا أوسع بشأن ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تقليص أوجه عدم المساواة أم إلى تعميقها.

من يضع القواعد؟

كان هناك سؤال آخر يتكرر باستمرار: هل ستكتفي الدول باستخدام الذكاء الاصطناعي، أم ستشارك في تشكيل مستقبله؟

كانت جنوب أفريقيا مباشرة في موقفها: تحتاج أفريقيا إلى أن يكون لها دور في صياغة هذه القواعد، وربطت ذلك بالبحث العلمي والشباب والتحول الاقتصادي. ووافقت سويسرا على أن المشاركة الحقيقية تعني المساهمة في تشكيل الحوكمة، وليس مجرد الحصول على إمكانية الوصول.

ودفعت الهند باتجاه مبدأ السيادة، قائلة: “نؤمن بحق كل دولة في تشكيل منظومتها الخاصة، من خلال تطوير نماذجها واستراتيجياتها الخاصة للنشر، بما يتسق مع أهدافها وأولوياتها الوطنية”.

وفي الوقت نفسه، ركزت الصين على ضمان تقاسم التقدم التكنولوجي على نطاق واسع، بدلا من تركّزه في عدد محدود من الدول أو المجتمعات.

وقالت: “ينبغي أن نعتمد نهجا يضع الناس في صميمه، وأن نطوّر الذكاء الاصطناعي لتحقيق نتائج إيجابية وللخير، وأن نضيّق الفجوة الرقمية، وأن نعزز التنمية التي تعود بالنفع على الجميع”.

وذهبت سنغافورة إلى أبعد من ذلك، إذ طرحت فكرة وضع اتفاقية إطارية أممية مستقبلية وإنشاء مؤسسة دولية مخصصة للذكاء الاصطناعي، بحيث يكون الجميع، وليس فقط الدول الرائدة، حاضرين إلى طاولة النقاش.

وقد بدأت الأمم المتحدة بالفعل في جمع الدول لمناقشة القضايا التي يثيرها الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك إنشاء الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي، وعقد الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي.

UN Photo/Irina Popa
يجتمع الدبلوماسيون في الأمم المتحدة في جنيف لمناقشة حوكمة الذكاء الاصطناعي.

العملة الحقيقية: النفوذ وإمكانية الوصول

لا يزال تركّز البيانات والقدرة الحوسبية والنفوذ مصدر قلق كبير للعديد من الدول.

وأشارت البرازيل إلى النفوذ الكبير الذي تتمتع به شركات التكنولوجيا العملاقة. وأثارت فرنسا مخاطر الاعتماد على دول مهيمنة أو على حفنة من الشركات الخاصة.

وتريد البلدان النامية أداء دور أكبر في التنمية الرقمية، داعية إلى إتاحة قدر أكبر من القدرة الحوسبية، والخبرات التقنية، والبنية التحتية، وإلى منحها صوتا مؤثرا في وضع المعايير.

وربطت الصين ذلك بالفجوة الرقمية، وجنوب أفريقيا بالمشاركة في البحث العلمي والحوكمة، والسعودية بمؤسسات بناء القدرات، فيما ركزت سويسرا على دعم المهارات والبنية التحتية.

والخلاصة هنا هي أن مستقبل الذكاء الاصطناعي قد يتعلق بإمكانية الوصول إليه بقدر ما يتعلق بتنظيمه.

© Adobe Stock/Zhou Yan
مراكز البيانات تقود ثورة الذكاء الاصطناعي.

إبقاء الإنسان في دائرة اتخاذ القرار

برزت المخاوف الأمنية في العديد من الكلمات.

🔹أشارت فرنسا إلى المخاطر المتعلقة بالدفاع والأمن السيبراني والفضاء.

🔹وأشارت اليابان إلى سلامة المعلومات وإلى الأنظمة المتقدمة التي تزداد قوة.

🔹ودعت تركيا إلى وضع إطار قانوني دولي.

🔹وحذرت أوكرانيا من أنه كلما ازدادت قدرات هذه التكنولوجيا، ازدادت إلحاحا الحاجة إلى البحث عن السلام.

🔹وانضمت سنغافورة إلى المخاوف بشأن الأسلحة ذاتية التشغيل وفقدان السيطرة البشرية.

إلى أي مدى ينبغي أن تمتد الرقابة العالمية؟

في حين تؤيد دول كثيرة فكرة التعاون، لا يزال التوصل إلى أرضية مشتركة بشأن مدى هذا التعاون أمرا إشكاليا.

وأيدت روسيا وضع قواعد تتمحور حول الأمم المتحدة وتحظى بقبول عالمي. ودعت تركيا إلى العمل على إعداد اتفاقية أممية بشأن الذكاء الاصطناعي. وطالبت المملكة المتحدة بمبادئ ومعايير عالمية، وقالت إن الذكاء الاصطناعي سيكون قضية رئيسية عندما تتولى رئاسة مجموعة العشرين.

وذهب الأمين العام للأمم المتحدة إلى أبعد من ذلك، إذ طرح مقترحات ملموسة تشمل تعزيز الضوابط الوقائية، والرقابة المستقلة، وإنشاء هيكل جديد لإدارة المخاطر، قائلا أمام الجمعية العامة: “لكن لأن هذا الأمر يؤثر فينا جميعا، فإن التنسيق العالمي أمر لا غنى عنه”.

غير أن الحكومات ذات السيادة ليست جميعها مقتنعة بأن تشديد الضوابط هو الحل. وقدمت الولايات المتحدة الموقف الأكثر وضوحا في الاتجاه المقابل، إذ تعاملت مع التفوق في مجال الذكاء الاصطناعي باعتباره ضرورة استراتيجية واقتصادية.

وطرح الرئيس دونالد ترامب رؤية بديلة قائلا: “لن أخنق نمو شيء سيكون أكبر من الثورة الصناعية. كثيرون يقولون إنه سيكون أكبر من الثورة الصناعية أو من الإنترنت نفسه”.

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

مطارات جديدة وطائرات وأنظمة متطورة.. سوريا تكشف خطة لإحياء قطاع الطيران

محرر الخليج

ملف المفقودين في سوريا.. تحديات العدالة بعد سقوط الأسد

محرر الخليج

“جيرالد فورد” الأميركية تغادر كرواتيا ووجهتها غير معلومة

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More