«نبض الخليج»
نشرت منصة “سويس إنفو” تقريراً يسلّط الضوء على ملف المفقودين والمختفين قسرياً في سوريا، من خلال قصة رضوان عبد اللطيف الذي ما يزال يبحث عن مصير شقيقه منذ اعتقاله عام 2012، في ظل مساعٍ محلية ودولية لتحقيق العدالة وكشف الحقيقة بعد سقوط نظام الأسد.
فيما يلي ترجمة التقرير، دون أن يعني ذلك تبني مضمونه أو الآراء الواردة فيه:
على مدار عقد ونيف، لم يعرف رضوان عبد اللطيف مصير شقيقه على وجه اليقين، فقد كانت آخر مرة شوهد فيها شقيقه سامر عبد اللطيف حياً في عام 2012، عندما كانت الاحتجاجات الشعبية التي تتحدى السيطرة الاستبدادية لبشار الأسد على أشدها.
شاهد سامر أحدُ زملائه في سجن صيدنايا الواقع شمالي دمشق والذي أصبح مرادفاً للتعذيب والموت والإخفاء، ويعلق على ذلك رضوان فيقول: “إن ملف المعتقلين المفقودين بات منسياً” وأخذ يحزم حقيبته ليسافر في رحلة أخرى من اليابان إلى سوريا تاركاً أطفاله هناك.
مع احتفال سوريا بالذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة في عام 2011، تحولت القضايا التي تخص العدالة من شعارات رفعت في المظاهرات إلى سياسة لابد للدولة المؤقتة أن تقوم بها. فقد ورثت القيادة الجديدة في دمشق والتي خرجت من رحم حركات ثورية، محاكم مدمرة وأضحت أمامها مهمة شاقة تتمثل بإعادة بناء قوات الأمن بعد أن فقد الشعب السوري ثقته بها. ولهذا تركز الجهود التي تبذل في جنيف والتي تعتبر مركزاً لعدد من المؤسسات الأممية المعنية بالملف السوري، على الطريقة التي يمكن من خلالها للدعم الدولي أن يسهم في تنفيذ عملية تعجز إمكانيات السلطات السورية الجديدة اليوم عن تنفيذها بمفردها.
يعتبر الإخفاء القسري سمة مميزة لنظام الأسد البائد منذ أيام الأب حتى أيام الابن، فعلى مدار عقود خمسة، أخفي الآلاف من السوريين والسوريات في فروع المخابرات والسجون، تاركين خلفهم عائلات لا تعرف عن مصيرهم شيئاً.
عند خروج المظاهرات في عام 2011، ترافقت المطالبة بالكرامة والإصلاح مع الدعوات المطالبة بالكشف عن مصير المفقودين إلى جانب إطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات السياسيين، إلا أن رفض النظام تحقيق تلك المطالب، إلى جانب تصعيده لعمليات الاعتقال وللعنف، أطلق شرارة ثورة جامعة وألقى بالبلد إلى براثن الحرب.
البحث عن الشقيق المفقود في سوريا
بعد عقد ونيف، سافر رضوان من اليابان إلى بلده سوريا ثلاث مرات وذلك ليبحث عن شقيقه منذ أن مني الأسد بهزيمة عسكرية لم يتوقعها أحد، ثم فر هارباً إلى روسيا في كانون الأول من عام 2024. وخلال زيارته الأولى في الشهر نفسه الذي سقط فيه الدكتاتور، ألفى نفسه بين آلاف الناس الذين أخذوا يمشطون الزنازين تحت الأرض وغرف التعذيب في سجن صيدنايا على أمل العثور على أثر لأقاربهم. وبين سجلات السجن المهترئة التي أُحرق نصفها، لم يعثر رضوان على أي شيء يدل على مصير شقيقه، إذ لم يجد فيها أي دليل يشير إلى تاريخ دخول شقيقه إلى السجن أو خروجه منه، كما لم يعثر على شهادة وفاة له.
ورضوان يعرف في أعماقه بأن بحثه عن الحقيقة سينتهي بمجرد أن يتأكد من خبر وفاة شقيقه، فقد أخفي سامر قسرياً في الخامس من أيار عام 2012 وذلك في مدينة تدمر الأثرية التي تحتل قلب محافظة حمص، وذلك عندما داهم نحو عشرين عنصراً مسلحاً من عناصر الأمن بيت أهله في وقت الصلاة، بعد تقرير كتبه أحد المخبرين بحقه ويفيد بأنه شارك في المظاهرات المناهضة للحكومة التي خرجت في تلك المدينة المهمشة.
أكد أحد المعتقلين السابقين في سجن صيدنايا والذي تعود أصوله لدمشق بقاء سامر على قيد الحياة حتى أواخر عام 2012، وقد كان عمر سامر آنذاك 32 عاماً. فقد تواصل هذا المعتقل السابق مع شقيق سامر، رضوان، وشربا القهوة سوية في أحد المقاهي، حيث أخبره بأن سامر مر أيضاً بفرع فلسطين سيء الصيت بدمشق. غير أن السلطات السورية الجديدة لم تؤكد بشكل رسمي مكان وجود سامر.
زار رضوان سجن صيدنايا مرتين، أولهما في أواخر شهر كانون الأول من عام 2024، والثانية في حزيران من عام 2025، وقد هاله عدم العثور على أي سجل يوثق ما حدث خلال تلك السنين، بما أن السجلات القليلة الباقية التي عثر عليها تعود لعام 2016 وما بعده، وبحسب ما ذكره رضوان، فإن المتظاهرين الذين اعتقلوا لمشاركتهم في المظاهرات بتدمر لم ينج منهم أحد، بعد أن اعتبرت تلك المدينة معادية ومركزاً للإرهاب إثر اشتباكات وقعت على نطاق ضيق مع قوات الأمن التابعة لنظام الأسد آنذاك.
يحدثنا رضوان عن زيارته لذلك السجن فيقول: “كان دخوله أشبه بدخول قبر.. ياله من مكان مرعب!”، وقد فتحت أبواب ذلك السجن عند وصول الثوار بقيادة الرئيس الحالي أحمد الشرع إلى دمشق، ويتابع رضوان بالقول: “كنا نسمع عن هذا المكان دوماً، وكنا نعرف أنه مكان للموت، فالشخص المقبل على الموت يأتي إلى هنا، ثم إن الرائحة والظلمة والرطوبة، كلها جعلت الناس يموتون هنا”.
توثيق الجرائم وبناء الأدلة
يمثل بحث رضوان أحد الخيوط ضمن مساع أكبر وأوسع لتوثيق الجرائم التي ارتكبت في حقبة الأسد وملاحقة مرتكبيها، وتعتبر هذا الجرائم من أكثر الجرائم توثيقاً في تاريخ النزاعات المعاصرة. إذ منذ عام 2011، وثق السوريون والسوريات بدعم من المحققين والصحفيين الأجانب الوحشية المفرطة التي مارسها نظام الأسد والجماعات المسلحة، تلك الوحشية التي رسمت شكل الحرب السورية منذ بدايتها.
لا يوجد نقص في الأدلة على الرغم من تنفيذ معظم عمليات التوثيق في ظل مخاطر كبيرة، وهكذا جمعت المنظمات الأممية الموجودة في جنيف، والمنظمات الحقوقية الدولية والمؤسسات الإعلامية والمحققون الجنائيون وغيرهم من الأشخاص أرشيفات موسعة من الشهادات والصور وسجلات الاعتقال وصور الأقمار الصناعية التي وثقت تفاصيل عمليات الاعتقال العشوائية، وأشكال التعذيب السادية، وعمليات الإخفاء القسري، والقتل الجماعي.
أضحت تلك الأدلة العمود الفقري لقضايا مهمة رفعت أمام المحاكم الأوروبية بموجب الولاية القضائية العالمية، وهذا ما حدث في ألمانيا التي تؤوي جالية سورية كبيرة، والتي أدانت عدداً من كبار المسؤولين لدى النظام السوري البائد، كما تكرر الأمر نفسه في فرنسا. وأسهمت الآلية الدولية المستقلة والمحايدة التي تأسست في جنيف في تلك العمليات القضائية. إذ في بحر ثماني سنوات من العمل، جمعت ما يقرب من 300 تيرابايت من البيانات التي يمكن للنيابة الاستعانة بها لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سوريا، ويعادل حجم تلك البيانات ما يقرب من 62 مليون صورة أو 75 ألف فيلم عالي الدقة تستغرق مشاهدتها قروناً من الزمن.
وفي مقابلة أجريت مع رئيس الآلية الدولية المستقلة والمحايدة المعنية بسوريا، قال روبرت بيتيت عن السوريين بأنهم: “من أنشط الناس المدافعين عن أنفسهم ومن أشدهم التزاماً وذكاء سياسياً وكفاءة، وسعياً نحو المحاسبة، ومن أفضل من وثقوا أبشع الجرائم التي شهدها العالم”.
وأضاف: “اعتمد قدر كبير من عملنا على موافقة السوريين والسوريات على مشاركة الأدلة التي جمعوها بأنفسهم عن تلك الجرائم، ولو كان ذلك على حساب تعريضهم لخطر جسيم في كثير من الأحيان”.
كان ثمن العنف في سوريا غالياً جداً، أما الوصول لأدلة توثق العنف فكان محدوداً للغاية، وهذا ما جعل الأمم المتحدة تكف عن عد الضحايا في نهاية الأمر، إذ تشير أشد التقديرات تحفظاً إلى مقتل أكثر من خمسمئة ألف سوري وسورية وإخفاء 150 ألفاً آخرين بشكل قسري، وذلك خلال الفترة ما بين عامي 2011-2024. إلا أن اكتشاف عشرات المقابر الجماعية منذ الإطاحة بالأسد أحيا الأمل بمعرفة ما الذي حل بهؤلاء الذين تعرضوا للتعذيب والقتل.
المسارات السورية والدولية لتحقيق المحاسبة
أعلنت السلطات السورية الجديدة عن سعيها لإحقاق العدل والمحاسبة وإقامة مصالحة وطنية، ولهذا أسست عدداً من المؤسسات الوطنية لتحقيق هذا الهدف المرجو. ومنذ وصول الشرع إلى السلطة، ظهرت مخاطر التقاعس عن تحقيق ذلك الهدف من خلال عمليات القتل من دون محاكمة، والقتل على الهوية، والعنف الانتقامي الذي ظهر على فترات ومراحل. ولذلك أبدى منتقدو الحكومة الجديدة قلقهم تجاه استغناء دمشق عن الاستعانة بالخبرات المتوفرة بشكل كامل، واقتصار تركيزها على ما ارتكبه النظام البائد من انتهاكات، وإقصاء المجتمع المدني عن تلك العملية، بما أن بوسعه الاستفادة من الشفافية عند الالتزام بها بنسبة أكبر.
في افتتاحية كتبها فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أكد بأن: “المشاركة الفاعلة للمجتمعات المحلية في إعداد وتنفيذ ومراقبة آليات العدالة شرط لنجاح أي عملية عدالة انتقالية”، وذكر بأن هذه المشاركة تتطلب في معظم الأحيان عملية تفاوض وتكييف لمعايير حقوق الإنسان الدولية حتى تتناسب مع الواقع على الأرض في سوريا.
إلا أن الطريق الأوسع للمحاسبة منوط بجنيف في بعض نواحيه، إذ تستضيف تلك المدينة السويسرية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وكذلك الآليات الدولية الرئيسية المكلفة بتوثيق الجرائم التي ارتكبت في سوريا. فإلى جانب الآلية الدولية المستقلة والمحايدة، تستضيف هذه المدينة اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق المعنية بسوريا والمؤسسة المستقلة للمفقودين، وتمثل هاتان المؤسستان العمود الفقري المؤسساتي للمساعي التي تعمل على تحويل عملية التوثيق إلى حالة محاسبة قانونية واستجابة لأهالي المفقودين، وهنالك سجلات مرعبة في هذا السياق، أشهرها ملفات قيصر التي تشتمل على آلاف الصور التي هربها مصور عسكري خارج سوريا، والتي تظهر فيها أجساد هزيلة ومشوهة عليها آثار تعذيب وذلك داخل مقار الاحتجاز والمشافي العسكرية. والأحدث منها ملفات دمشق التي حددت سلاسل القيادة، وذلك لأن الإطاحة بالأسد خلقت فرصة نادرة للوصول إلى وثائق الدولة ومسارح الجرائم.
إلا أن ذلك جعل السوريين والسوريات يواجهون صدمات عابرة للأجيال وللانقسامات الاجتماعية والسياسية والطائفية، فقد كان من بين ضحايا نظام الأسد أحفاد لأعضاء في حركة الإخوان المسلمين نجوا من مجزرة حماة في عام 1982، وذلك عندما سحقت قوات نظام حافظ الأسد انتفاضة إسلامية قامت هناك بشكل عنيف، كما لم يسلم مثقفون شيوعيون علويون وناشطون كرد من ظلم الأسد، وكذلك ناشطون سلميون وثوار من الطائفة السنية طالبوا بالحرية والكرامة.
لمعالجة هذه الجراح الغائرة العابرة للأجيال، يمكن لسوريا الاستفادة من عمل الآلية الدولية المستقلة والمحايدة التي أسستها الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومنحتها تفويضاً إنسانياً يسعى للبحث عن الحقيقة، وتعليقاً على ذلك تقول كارلا كوينتانا، رئيسة هذه الآلية: “ينحصر دورنا في تبيان مصير ومكان سائر المفقودين في سوريا، بصرف النظر عن انتماءاتهم أو جنسياتهم أو ملابسات اختفائهم، إلى جانب دعم أهاليهم”. ويشمل عمل هذه الجهة قضايا رفعت قبل عام 2024 وبعده، شملت حالات الاخفاء القسري والاعتقال التعسفي والخطف والاختفاء خلال الهجرة.
لاحظت كوينتانا وجود خيط يوحد مختلف الانقسامات السياسية والعرقية والجغرافية في سوريا، وعنه تقول: “يشترك الأهالي بطلب موحد وهو المطالبة بمعرفة الحقيقة وحقهم بمعرفة مصير أحبائهم.. فكل عائلة مستها تلك المأساة تعتبر الحقيقة ضرورة للتشافي وبناء السلام”.
قبل سقوط نظام الأسد، لم يكن بوسع فريق الآلية الدولية المستقلة والمحايدة الدخول إلى سوريا، فاقتصر عملها على المناصرة والتجهيز، ومنذ سقوط الأسد، أشرفت كوينتانا على عمليات إرسال دورية لفريقها إلى دمشق، وعلى عمليات تعامل مباشرة مع السلطات السورية والمجتمع المدني، إلى جانب فتح عدة مجالات للتحقيق وذلك في ظل خفض التمويل المخصص للأمم المتحدة.
والعمل على هذا الصعيد معقد، فالخيوط النشطة التي ظهرت في التحقيق مؤخراً شملت حالات لمئات الأطفال الذين جرى تفريقهم عن ذويهم ووضعهم تحت ما عرف بالإيداعات الأمنية أو في المياتم وذلك خلال الفترة ما بين عامي 2013-2018 من عمر الحرب في سوريا. وهنالك حالات أقدم لم تصل إلى حل وتتعلق بالإيزيديات اللواتي اختطفهن تنظيم الدولة الإسلامية خلال سيطرته على مساحات شاسعة من سوريا والعراق.
وهنالك كثير من العناصر الفاعلة القديم منها والحديث والتي تعمل في مجال المحاسبة، فقد تأسست في سوريا خلال عام 2025 ثلاث هيئات وطنية للتعامل مع الانتهاكات، إذ منحت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تفويضاً للتحقيق بالجرائم الجسيمة التي ارتكبها نظام الأسد البائد على وجه الخصوص. أما الهيئة الوطنية للمفقودين فتركز على معرفة مصير المفقودين والمختفين قسرياً من كل الأطراف.
في آذار من عام 2025، قامت موجة عنف في الساحل السوري استهدفت الطائفة العلوية على وجه الخصوص، ويعود أحد أسباب ذلك لارتباطها بنظام الأسد البائد، نظراً لوجود أعداد كبيرة من العلويين ضمن المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة أيام ذلك النظام. ورداً على ذلك، أسس الرئيس الشرع اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق حول أحداث الساحل.
الطريق الطويل لمعرفة الحقيقة وتحقيق العدالة
تعترف العناصر الفاعلة السورية والدولية بأن الحقيقة والمصالحة ركيزتان أساسيتان لبناء سوريا مستقرة وآمنة، وقد تكون هنالك إرادة سورية للبحث عن الحقيقة ولتحقيق المصالحة، ولكن في ظل غياب دستور جديد للبلد، لا يمكن أن تظهر خطوات جدية لتحقيق عدالة انتقالية في سوريا، وذلك لأن الدستور الموجود الذي يعود لحقبة النظام البائد لا يوفر الإطار القانوني اللازم لمحاكمة المسؤولين السابقين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبوها.
يعلق على ذلك بيتيت فيقول: “لا توجد أي فكرة حول مسؤولية القيادة في القانون الجزائي السوري”، ومايزال مكتبه يدرس إمكانية تحقيق وجود رسمي لهم في سوريا، وقد سر كثيراً لتواصله مع مسؤولين على أرفع المستويات منذ البداية، حيث تركزت المحادثات حول الصيغة الأمثل لتحقيق العدالة والمحاسبة في السياق السوري.
وهنا يتساءل بيتيت: “ما الذي تعنيه العدالة أصلاً عندما نتحدث عن نصف مليون قتيل وأكثر من 150 ألف مختف قسرياً؟ هنالك تشديد كبير على قيام عملية يترأسها ويقودها سوريون ويدعمها المجتمع الدولي ويلتزم بها. إذ لطالما اعتبرت بأن موقفنا قائم على تقديم المساعدة والدعم عند التنفيذ”.
ويرى بيتيت بأن العدالة الانتقالية تحتاج لاتخاذ قرارات موجعة في ظل ظروف محددة بدلاً من السعي نحو أمور أخلاقية مطلقة. ولهذا يتعين على الحكومة دراسة الخيارات مثل العفو أو الحصانة كما يجب عليها أن تتسم بالشفافية فيما يتصل بالقرارات التي تتخذها، حتى ولو كانت تلك الخيارات تثير حفيظة الضحايا، إذ في حالات الجرائم الجماعية، يستحيل تحقيق العدل بشكل كامل في معظم الأحيان، أي أن كثيراً من العائلات لن تعرف مصير أبنائها في تلك الحالات.
وعندما تغدو المصالحة أجدى وأنفع من المحاسبة على الصعيد السياسي، يؤكد بيتيت على أنها لا يمكن أن تحل محل العدالة، ويكمن شي من التحدي هنا في حاجة القطاعين القضائي والأمني لتحولات جذرية، في وقت تحاول سوريا إعادة تفعيل اقتصادها في ظل دمار المؤسسات والبنية التحتية، مع سعيها على الصعيد السياسي لاستعادة مكانتها بين دول العالم.
ويعترف بيتيت بأن: “العملية بطيئة والتحديات كثيرة، وبالطبع، وكما هو الحال دوماً مع حالات من هذا القبيل، تظهر لدى الناس توقعات تفوق الحدود بتحقيق المحاسبة والعدالة”.
تحقق شيء من التقدم خلال هذا العام، ففي شهر كانون الثاني، عقدت الآلية الدولية المستقلة والمحايدة اجتماع طاولة مستديرة في جنيف جمع مسؤولين في الجهاز القضائي السوري بمدعين عامين أجانب وذلك ليتناقشوا حول عمليات الملاحقة القضائية خارج حدود البلد مع التنسيق بين المساعي الداخلية والدولية. وفي شهر شباط، نفذت الآلية الدولية المستقلة والمحايدة أول عملية جمع أدلة من موقعها في الداخل السوري وتحديداً من فرع الخطيب، فوثقت بالتعاون مع الحكومة السورية الجديدة آثار التعذيب والظروف اللاإنسانية التي كانت سائدة في ذلك المكان.
مايزال رضوان عبد اللطيف يأمل أن يعرف مصير شقيقه، إلا أن سقف توقعاته أضحى منخفضاً، إذ لم يبق شيء لم يفعلوه من أجل سامر برأيه، وهنالك تسريبات لمعلومات نشرت على تطبيق واتساب تشير في ظاهرها إلى أنها معلومات رسمية، وتفيد بصدور شهادة وفاة لشقيقه في 20 تشرين الأول من عام 2013 إلا أن تلك الشهادة لم تدخل السجلات إلا بعد مرور خمس سنوات على ذلك، كما لم يصل إلى أهله أي بلاغ بوفاته.
يعمل رضوان اليوم على تشييد فندق وسط البنية التحتية التي دمرتها الحرب في مدينته تدمر، ومع ذلك مايزال على يقين من شيء واحد وهو: “ضرورة محاكمة المجرمين”، ويضيف: “إن تأكدنا من قيام شخص معين بقتل أخي، فكل ما أريده هو أن يحاكم بكل تأكيد”.
المصدر: The Swiss Info
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
