«نبض الخليج»
لا بسبب مقتضيات العصر الحديث وزمن السّرعة، ولا بسبب ضيق الوقت وتراكم الالتزامات التي تتزاحم فيما بينها أيّها تتصدر قائمة الأولويات، ولا بسبب قصر نفس الأدباء المعاصرين، صار للأدب الوجيز مكانةً عالية بين أنواع الأدب، فهذه المكانة اكتسبها منذ زمنٍ بعيد فالنّفري الذي عاش في القرن الرّابع للهجرة أثنى على الإيجاز بقوله: (كلّما اتسعت الرّؤية ضاقت العبارة) وحول هذه العبارة نقاشٌ وجدال بين بعض الهايجن -من يكتب الهايكو- العرب إذ يقولون أنّه فيما إذا كانت العبارة صحيحة وكلمة “رؤية” هي المستخدمة حينها سيكون النّفري أول من نظّر للهايكو، أما إن كانت “رؤيا” بالألف الممدودة عندها الأمر يتعلق بالبصيرة لا بالبصر ونبتعد عن أساس الهايكو القائم على المشهديّة والتّرائي، وتبقى عبارة النّفري صحيحة في الحالتين.
الإيجاز ليس بالأمر الهيّن إذ أن الإسهاب وكثرة التّفاصيل هي السّهلة فأن تلقي الكلام بلا فلترة وبلا تخيّر هو أمر متاحٌ للجميع، ورغم ذلك فحتى اليوم ما زال هناك من يقيّم أهمية الكتاب من عدد صفحاته والنّص من عدد كلماته، والقصيدة من عدد أبياتها، الرّوائي الياباني هاروكي موراكامي(١٩٤٩-) وجد أن الفنانين هم أولئك القادرون على تجنّب الإسهاب.
ومن أجمل القصص التي تتحدث عن الاختصار وصعوبته قصة سعد زغلول الذي كتب رسالةً لصديقه وذيلّها بعبارة: “أعتذر عن الإطالة لا يوجد لديّ وقت للاختصار”
وبالطبع تزداد قيمة التّكثيف إذا ما اقتربنا من الشّعر، فالشّاعر إدغار آلان بو يقول بأنّه لا توجد قصيدة طويلة، ويوافقه على ذلك إيفان تورغنيف فيقول إن الرّب يقترب من الشّاعر في بيتين فقط ويتخلى عنه في الباقي.
والعرب أصحاب الشّعر وخاصته كتبوا “اليتيم” منذ أزمان وهو البيت الواحد، وكتبوا “التوءم” وهو بيتان من الشّعر، واشتهرت بينهم الرّباعيات أيضاً.
من أمثلة اليتيم بيت للنّابغة الذّبياني:
تعدو الذّئاب على من لا كلاب له وتتّقي مربض المستنفر الحامي
وهنا سنتحدث عن بعض الأنواع الشعريّة بعينها لها اسمها وشروط كتابتها والشّرط الأول هو الاختصار وهي: (الهايكو، اللّانداي، الدّارمي، التّبراع)، وسنورد عدداً من الشّواهد لنترك للقارئ أن يستشف بنفسه جمالية هذه النّصوص القصيرة المكثّفة التي توصل فكرة عميقة أو شعور دافق بأقل عدد من المفردات.
الهايكو
نمطٌ شعريٌّ يابانيٌّ ذاع صيته بشكل واسع عام 1667، ومن ثمّ انتشر حول العالم وصار الهايكو العربي مصطلحاً متداولاً أيضاً، يهتم الهايكو عادةً بالطّبيعة ويشترط وجود ما يدل على الطّقس ضمن النّص بما يسمى (الكيغو)، وبعد تطّور الحياة وابتعاد النّاس عن الطّبيعة والحياة ضمن المدن، ظهر نوع من الهايكو وهو الهايكو الاجتماعي (سنريو).
بداية الهايكو كانت من قصيدة الرينغا وهي قصيدة طويلة يكتبها أكثر من شخص، ثم تمّ اقتطاع كل مقطع منها لوحده وسمي بالهايكو، على يد ماتسو باشو (Matsuo Bashō١٦٤٤-١٦٩٤) فالهايكو مشروع لماتسو باشو وكان يحمل عدّة تسميات حينها وهي “هوكو”، ثمّ انتقلت التسمية إلى “هايكاي نو رينغا” ثم حصلت على تسمية هايكو في نهايات القرن التاسع عشر” -كما ورد في مقال لـ باسم قاسم.
كلمة “هايكو” عبارة عن (هاي) بمعنى مسلي أو ممتع و(كو) بمعنى عبارة أو مقطع، وتعتمد فلسفة الهايكو على بلوغ ما هو أعمق، عن طريق ما هو أبسط، أقصى ما يمكن من جمال بأقلّ ما يمكن من كلمات.
يتكوّن نصّ الهايكو من ثلاثة أسطر فقط، تضمّ 17 مقطعاً صوتيّاً موزعين (5-7-5) وله شروط أخرى تتعلق بالمواضيع وطريقة معالجتها لكن ما نركّز عليه هنا الشّرط المتعلق بكون نص الهايكو ثلاثة أسطر فقط، وهنا بعض الأمثلة عن الهايكو لأوائل من كتب الهايكو في اليابان:
ياللبركة العتيقة
يقفز ضفدع
ويتردّد صوت الماء
(ماتسو باشو)
زهرة البرقوق الأبيض
في الّليل حسبت أنّني رأيت
نور الفجر
(يوسا بوسون)
ذابت الثّلوج
فجأةً القريّة
امتلأت بالأطفال
(كوباياشي إسّا)
زهرة متساقطة
عائدة إلى الغصن
فراشة
(ماساوكا شيكي)
كما لو كانت غراباً
الفراشة
التي رأيتها أسفل الوادي
(هارا سيكيتي)
اللانداي
النّوع الآخر هو شعر (اللّانداي) وهو شعرٌ شعبيٌّ غنائٌّي شائعٌ في أفغانستان تكتبه النّساء، وكلمة (لانداي) تعني في لغة البشتو الموجز أو المختصر، تتداوله النّساء في ما بينهن، وقد جمع قصائد اللّانداي الشّاعر الأفغاني سيد بهاء الدّين مجروح، وقد اغتيل في أفغانستان في عام ١٩٨٧، قام الشّاعر الفرنسي أندريه فيلتير بترجمة النّصوص إلى الفرنسية، ثم ترجمت للعربية بشكل نثري، ليترجمها لاحقاً الشّاعر الأردني د.عبد الله أبو شميس شعراً – النّماذج المدرجة أدناه من هذه التّرجمة- في قصائد اللّانداي عادةً نجد ثلاث شخصيات أساسية وهي: المرأة وغالباً هي الزّوجة المظلومة التي تبوح بما يعتمر في نفسها وهي المخاطبة في النصوص، الزّوج والذي يكون كريهاً أو مزعجاً أو هرماً في أحسن أحواله، والرّجل الآخر وهو العشيق الذي تكتب لأجله الأشعار ويباح بالأشواق، يتمّ تداول النّصوص دون أن يعرف من صاحبة القصيدة بسبب وجود المرأة ضمن المجتمع الأفغاني بقيوده الصّارمة.
وتكون القصائد جريئة نابضة بالمشاعر حب وشوق وتوق للقاء خلسةً عن الأعين.
بِسرّيَ أذوي
في الخفاءِ أنوحُ
أنا امرأةُ البشتون
كيف أبوحُ
***
في اللّيلِ
الشّرفةُ معتمةٌ
وكثيراتٌ جدّاً سُرُرُ بناتِ الحيّْ
لا تحزنْ يا روحي!
وَسواسُ حُليّي سوف يدلُّ علَيّْ
اجعل من نفسكَ شحّاذاً صوفيّاً
وتعال إلَيّْ
مَن يجرؤ أن يقطع دربَ الليلِ
على شحّاذٍ صوفيّ؟!
***
كن شجاعاً
أنا هاهنا
غصنٌ يانعٌ
وعلى كتفيك انحنى
***
مابين أكمامي والأزرار
دسّ يديك
إن تحت الثّوب
جلّنار
فتّح عن رمان قندهار
***
أجنّ أجنّ
إذا ما مررت بأيّ وليٍّ وأي ضريح
فأرجمه بالحجارة
عن كلّ أمنية خذلتها يداه
وعن كلّ قلبٍ جريح
***
كن مريد أبي
فأبي شيخ الدّعاة
سوف يعطيك موعظة المذهب
وأنا سوف أعطيك درس الحياة
***
محبوبي هندوسيٌّ
وأنا من دين محمد
لكنّي من أجل الحبّ
سأكنس درجات المعبد
***
الدّارمي
من أهم أنواع الشّعر الشّعبي العراقي، ينتشر في مناطق جنوب العراق وللدّارمي عدة أسماء تطلق عليه في جنوب العراق فمنهم من يسميه “البسته” ومنهم من يسميه “ركباني” كما أنّ هناك من يسميه “موشحات فراتية”، وهو أيضا يسمى في المناطق الغربية من العراق بالسّويحلي إلا أن السّويحلي يقدَّم به العجز على الصّدر.
أما سبب تسميته بالدّارمي فيقال أنّ أول من قاله هنّ النّساء الدّارميين، والدّارميون فرعٌ من فروع بني حنظلة التي تعود لبني تميم القبيلة العربية الكبيرة التي لا زال لها آثار ورجال في المنطقة الجنوبيّة من العراق.
وهو قصيدة موجزة حيث تتألف من بيت واحد، من شطرين ينتهيان بنفس القافية ويحملان معنى قصيدة كاملة، ويكتب الدّارمي على البحر البسيط.
يتناول الدّارمي مواضيع متنوعة من حب وعتب وشّوق، إضافةً لمواضيع تخصّ الحياة ومساراتها وتكون أشبه بالحكم، مثل:
الدنيا غبرة ودوم ما حبت الزّين تفرش حضنها فراش لليحجي وجهين
(الدنيا تصنع من حضنها سريراً لصاحب الوجهين، ولا تحبّ الشخص المستقيم وتصعّب طريقه)
دنيا وشفتها اشلون لو رادت ادور خلت دجاج البيت تاكل بلصكور
(لا أمان للدنيا فهي ممكن تنقلب عليك فهي سمحت للدجاج تناول الصقور الجارحة)
لا تصفن بدنياك بالك تره تدوخ والراحة راحة بال لو ساكن بكوخ
(لا تكثر التفكير بأحوال الدنيا انتبه ألا تصاب بالدوار، فالمهم راحة البال رغم فقر الحال)
لا تصفن بدنياك دوم افطنلها الدنيا بالصفنات يثقل حملها
وهنا دارمي عن الحبّ:
أكتب شعر للنّاس بس قصدي انت الكل فهم مغزاي بس انته يمته؟
بعدك سهم بالرّوح هجرك سكاكين اشلون القلب ينساك وانت الشرايين
ومن الممكن أن نسمع حوارية بين شاعر وشاعرة يتبادلان أبيات الدّارمي حول موضوع ثابت وقافية متغيرة، وقد يحتفظون ببداية واحدة لجميع أبيات الدّارمي لتكون خيطاً تمسك حوارية الدارمي وتحميها من التفكّك، وتكون الحواريّة غالباً ارتجاليّة، هنا حوارية دارمية موجودة على اليوتيوب للثنائي حنوش وثامر الفاعوري:
لا تطلع برمضان تفطّر الناس طولك نبع ريحان عطرك عطر ياس
لا تطلع برمضان فدوة لدلالك تجرح صيام الناس والله بجمالك
لا تطلع برمضان تفطّر الصايم دوّخت والله وياك أهل العمايم
لا تطلع برمضان هذه أمانة تغويني وأفطر بعذ مو يوسف آنه
لا تطلع برمضان اقعد ولك هيد عيدنا من شفناك حسبهنا العيد
لا تطلع برمضان لن انت فتنه غيرك يمر كل يوم بس ما التفتنا.
***
التبراع
أما التّبراع فهو نوع من الشّعر الحساني أو كما يسمى في اللّسان الحساني لغن الحساني، والشّعر الحساني ينتشر في غربي إفريقيا (موريتانيا، بعض المناطق في الجزائر …)
التّبراع شعر شعبي غزلي خاص بالنّساء، لا يكتبه الرّجال أبداً، يُنقل شفاهاً، من مميزاته الأساسية أنّه مختصر يتكوّن من بيت واحد فقط، شطران يحملان قافيةً واحدة، وله ثلاثة أنواع من حيث التقطيع العروضي:
- في الشطر الأول خمس متحركات وفي الشّطر الثاني ثماني متحركات.
- شطران يحوي كلٌّ منهما ثماني متحركات.
- شطران يحوي كلٌّ منهما أربع متحركات.
والتّبراع مجهول الكاتبة -تماماً كما شعر اللّانداي- ولنفس السّبب أيضاً، ففيه تكتب الفتيات العاشقات مشاعرهن بصراحة دون أن يخشين سطوة المجتمع المحافظ الذي ينصّب نفسه رقيباً على كلّ كلمة تقولها المرأة، فالبرّاعة تتغزل بالرّجل علناً مستعرضةً جماله ومآثره، وقد تستعرض عذاباتها أيضاً، بعض التّبراع يتداول بين النّسوة وبعضه يتمّ تداوله على نطاق أوسع في المجتمع و قد يتم تلحينه لاحقاً ليغني في المناسبات.
التّبراع هو جمع (تبريعة) وتعني أن تتبرع المرأة بالتعبير عن خلجات نفسها ومشاعرها دون مقابل، وهذا يؤكّد أنّ التّبراع يرتبط غالبا بغرض الغزل ويتميز باستخدام الكناية والتّضمين، هو بوحٌ وكتمانٌ في آن واحد، تنتشر المشاعر وتغيب الأسماء، وقد يستخدم التّبراع تناصاً مع النّصوص الدّينية أو الأمثال الشّعبية وهنا بعض النّماذج من التّبراع:
عندو تبسيمه تحيي العظام الرميمه
(لديه ابتسامة قادرة على ردّ الحياة في العظام الرميمة)
سقمك ذا الفريد/ ألا يدرس ويعود جديد
(حبك الفريد كلما خبت جذوته يتقدّ من جديد)
زلزال بليسو /يريشتر ما كَد يقيسو
(جماله يسبب زلزالاً جهاز ريختر لا يستطيع قياسه)
الناس اتبات اركود وان نتخمم بالمجحود
(الناس تتهنا بنومها العميق وأنا مشغولة بحبيبي الهاجر)
أتفكَد يا المجحود يا ليت ما مضى يعود
يا بالي صبرا إن مع العسر يسرا
كان يا ما كان آنا وحبيبي في مكان
وبعد عرض مقتضب لهذه النّماذج الأربعة مع أمثلة متنوّعة نجد أنّ هذه الأنواع المكثفة من الأدب الوجيز قادرة على منحنا جرعةً جماليّةً عاليةً، ببيت شعري واحد تستطيع الحصول على جرعتك اليومية من الشّعر، وتستطيع كذلك أن تقلّم الكثير من النّصوص الشّعرية التي تمرّ أمامك لتصل لزبدة القصيد.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
