«نبض الخليج»
تأخذ مراتٍ شكل الحِدَاء، وأحياناً تكون ابتهالاتٍ ترجو التوفيق في البيع. لكنها كثيراً ما تكون يائسةً متوسّلة، لأن الناس فقدت القدرة على الشراء.. إنها نداءاتُ الباعة في شوارع دمشق، تلك المواويل الحزينة التي تنادي عند الباعة الجوالين: “خبز يابس للبيع.. موتور غسالة عطلان.. للبيع”، بنغمة تشبه النحيب، هي ذاتها التي يطلقها “زمور” طنبر المازوت، الذي يشبه صوت البوق يوم القيامة.. موسيقا جنائزية، ترثي حياةً كاملة من الشقاء..
يكتشف المتابع بسهولة، أن كثيراً من الباعة الجوالين، يتداولون تسجيلاً واحداً يطلقونه عبر مكبر الصوت، حتى يرتاحوا من مشقة الصراخ عند كل مفرقٍ وطريق. سيسمع العابر الصوت نفسه في مساكن برزة، وجرمانا، ومخيم التضامن، كأنّ ذلك النداء، ينطوي على بعدٍ سياسي يوحّد المناطق، من دون قصد، إلى درجة أن السامع يتساءل، هل هؤلاء يعلنون عن بضاعتهم، أم يلقون قصيدة رثاءٍ على الأحياء الفقيرة والفارهة في آن واحد؟.
يقول البائع أبو محمد لموقع تلفزيون سوريا، إن تلك الموسيقا في نداءات البيع، تم اكتسابها مع الزمن، وإن السوريين بطبعهم، ميّالون للغناء والتلحين في الحديث، لهذا فإن ترتيب تعداد أسماء الخردة في النداء، ليس عبثياً، بل يخضع للقافية والموسيقا الداخلية الخالية من النشاز!. فنسأله إن كان يتحدث عن قصيدة التفعيلة والنثر، أم عن نداءات الباعة الجوالين؟ فيقول: “جميعها نداءات، لكن بأصوات مختلفة، وإسقاطاتٍ مغايرة”!.
نتابع الطريق باتجاه سوق “الإطفائية”. هناك حيث الباعة المحترفون، يحولون النداءات لتعويذات تجلب الحظ وتشجع على الشراء.. إنها أشبه بمبارزات شرسة أمام جمهور فقير، يترقب العرض الأقوى.. ينادي أحدهم: “يلا مشيوا.. يلا طاروا.. طاروا”، فيكاد الزبون ينظر للأعلى، كي يشاهد أي طيران يقصد!. بينما يرد آخر: “بعشرة.. بعشرة.. جكارة بالجارة الغيرانة.. والعيون الحزنانة”.. لكن آخر يصرخ بنداء يشبه الاستغاثة والتحذير: “ولك يا بشر.. يا عالم.. تعوا شوفوا قبل ما يروحوا..”.
الباعة في “الإطفائية”، مطمئنون، رغم الضرر الكبير الذي لحق بهم، جراء البسطات التي غزت منطقة الحلبوني والبرامكة منذ عدة أشهر، وفيها بضاعة رخيصة بمواصفات عالية، أتت عبر الحدود الشمالية.. فالبسطات هناك تشبه خيم البدو الرحل، لا تكاد تستقر، حتى تأتي دورية المحافظة لتطلب منهم الرحيل أو مصادرة البضاعة، فتراهم فجأة يضبون الألبسة ضمن شوادر واسعة، ثم يحملونها على ظهورهم ويركضون، هرباً من عناصر الدورية. تلك الحالة ربما لا تسمح بنشوء غناء يضاهي أغنيات “الإطفائية”، عدا عن أولئك الباعة من الشبان الصغار، ضعيفو الخبرة، يشعرون بالخجل من النداء وحث الزبائن على الشراء، لكن أحدهم يفاجئك بصوت عبر المسجل يصرخ: “طقّينا بالة جديدة.. هلق طقينا بالة جديدة..” وكلمة “طقّينا” تعني باللهجة الإدلبية الحلبية، “فتحنا”، هكذا يشرح لنا البائع الشاب معناها وهو يبتسم من بساطتنا، نحن الشوام!.
الباعة في الحلبوني وشارع الثورة
لكن بائعاً ريفياً قريباً من دمشق، ينادي عبر المسجل في مكبر الصوت: “آخر بيعة.. وع الضيعة..” فنسأله إن كان من الضروري أن نذهب إلى الضيعة، إذا قمنا بالشراء من البسطة؟ فيضحك ويقول إنه هو من سيذهب إلى الضيعة بعد أن ينهي آخر بيعة لديه!.
أولئك الباعة مستعجلون غير مستقرون، يريدون أن تنفق بضاعتهم قبل غياب الشمس، وربما لهذا تبدو أغنياتهم مسرعة مثلهم، لكنها في كل الأحوال تحرص على الالتزام بالقافية، حتى وإن كان هناك نوع من الإقحام في فرض كلمة “الضيعة” كي تنسجم مع كلمة “البيعة”!.
تتداخل النداءات في بعض المناطق، بسبب تزاحم الباعة، فلا يُفهم منها سوى الصراخ، فيما يفضل بعض الباعة الحديث مع الزبائن مباشرة لإقناعهم، هرباً من حرب النداءات التي تشتعل بشدة أكثر، في منطقة الحلبوني وشارع الثورة. يقول أحد الباعة إن الناس تؤخذ بالخطابات وتسحرها اللغة!. فنكتشف أنه خريج كلية الآداب، لكنه لم يحصل على فرصة عمل، فاختار القدوم إلى تحت جسر الثورة، بالقرب من مقهى “الشرق الأوسط”، حيث أسماء الأمكنة، تعطي الموضوع إسقاطاتٍ، أوسع مما نحاول ملامسته الآن!.
نسأل بائع الكتب، على البسطة قرب الجسر الحديدي في شارع الثورة، لماذا لا ينادي بعبارات تجذب الزبائن لشراء “خير جليس”؟ فيقول إن الكتب هي البضاعة الوحيدة التي يأتي طالبها مباشرة إليها، دون دعاية أو إعلان!.
أسواق الحمرا والصالحية
لكن النداءات، تغيب تماماً في الأسواق الفارهة القريبة، من مجمعات النداء الضخمة.. هنا في سوق الألبسة الرجالية بالصالحية، وسوق الألبسة النسائية بالحمرا، لا تسمح الرزانة والأبّهة، أن يصرخ البائع مسوّقاً بضاعته الجديدة، فهو في أفضل الأحيان، يكتفي بوضع إعلان على واجهة المحل، يخبر العابرين بما هو جديد. أما النداء والصراخ، فيعتبره باعة الصالحية والحمراء، بمثابة فضيحة، تخفف شأن البائع الرصين، المعروف بمكانته في تلك الأسواق.
يخبرنا البائع الذي اختار عبارة “الجارة الغيرانة.. والعيون الحزنانة”، أن الناس عاطفيون، يؤخذون بالعبارات، لكن على البائع أن يعرف كيف يلعب على الوتر الحساس.. إنها الحماسة التي تشتعل بعامل الاستماع، خاصة إذا أثار البائع، قضايا تثير غضب النساء أو تروي غليلهنّ، من جارةٍ مفترضة، يجزم البائع أنها موجودة عند الجميع!.
بالعودة إلى بائع الكتب، الذي يستغرب أن نسأله لماذا لا ينادي على الكتب مثلما يفعل باعة الملابس المستعملة؟ فيقول: تخيل أن أقرأ قصيدة محمود درويش أو محمد الماغوط أو نزار قباني، لجذب الناس للشراء؟ ويضيف: أصلاً تلك الأسماء، لا تناسب الثقافة المنتشرة اليوم، بل هي محطّ اتهام!.
نعود من أسواق دمشق، محملين بصندوقٍ من العبارات.. هل نحن كائنات شفهية فعلاً، حتى تسحرنا اللغة بهذا الشكل؟.
شارك هذا المقال
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
