تقارير

حكاية تراثٍ وثورة.. العراضة الحمصيّة تنهض من جديد بعد سقوط “الأسد”

حكاية تراثٍ وثورة.. العراضة الحمصيّة تنهض من جديد بعد سقوط “الأسد”

«نبض الخليج»  

بعد سنواتٍ طويلة من الغياب والتهجير، عادت الطبول لتقرع مجدّداً في شوارع حمص، وعاد الرجال يلوّحون بالسيوف والشمائل في عراضاتهم، التي طالما شكّلت رمزاً للفرح والعزة في المدينة.

لم تكن عودة “العراضة الحمصية” مجرّد استعادة لطقسٍ تراثي قديم، بل كانت إعلاناً حيّاً عن عودة الحياة إلى مدينةٍ أنهكتها الحرب، وشاهدةً على انتصار الإرادة الشعبية التي واجهت القهر بالصوت والأنغام.

واليوم، ومع تحرّر سوريا من براثن الاستبداد، يستعيد الحماصنة عراضتهم كإرثٍ وطنيّ جامع، يجمع بين أصالة الماضي وروح الثورة، في تمازجٍ فريد بين الفرح والذاكرة والحرية.

“العراضة الحمصية”

تتنوع المناسبات التي يُعبّر فيها السوريون عن أفراحهم من خلال العراضة، إذ تُقام في الأعراس، وعند عودة الحجاج، وفي الأعياد الدينية، وفي رمضان وغير ذلك من المناسبات، ومن هذه العراضات، العراضة الحمصية.

وقد تأثّرت العراضة الحمصية بالثورة السورية، إذ تغيّرت مضامينها وأهازيجها لتعبّر في كثير من الأحيان عن الواقع السياسي والاجتماعي، كما أنّ بعضها تحوّل إلى وسيلة للتعبير عن المظاهرات الشعبية في وجه “نظام الأسد” البائد، فجمعت بين الطابع التراثي الأصيل والروح الثورية التي حملها أبناء المجتمع الحمصي.

تطور الأهازيج مع انطلاق الثورة السورية

غادر أبو عبدو -قائد فرقة “سيف حمص”- مدينته حمص متجهاً إلى الشمال السوري، ليجعل من العراضة مصدر رزق متواضع له ولرفاقه أيام التهجير.

يروي أنه كان يشارك في الأعراس هناك ليحيي الاحتفالات ويعدّ العراضة للعريس، لكنه ما إن ينتهي الحفل حتى يحوّله إلى مظاهرة في الحصار، مذكّراً الحضور بأن الثورة ما زالت مستمرة، رغم ما كانوا يتعرضون له من قصفٍ متكرر أدى أحياناً إلى تفريق العرس بأكمله.

وقال أبو عبدو لـ موقع تلفزيون سوريا، إنّه ورث هذه المهنة عن أجداده، موضحاً أن أصلها يعود إلى العراضة الفلسطينية، التي انتقلت لاحقاً إلى بلاد الشام.

ويرى أن جذورها مرتبطة بروح الثورات الحديثة، فهي في الأساس رسالة مقاومة في مراحل تاريخية مفصلية، ففي زمن الاستعمار الفرنسي وحركات المقاومة الشعبية، كانت النساء يودّعن الرجال بالأهازيج والزغاريد عند خروجهم إلى القتال، ويستقبلنهم بها عند عودتهم، فصارت العراضة لتشجيع الشبان على القتال ومن تلك الأهازيج القديمة:

وإن هلهلتي هلهلنالك

ودزينا البارود قبالك

وإن هلهلتي يا حمصية

حنا سباع بالبرية

الواحد منا يزيح المية

وإن هلهلتي يا حليمة

وهالشبان كلن شيمة

وان هجمو عالدبابات

حطي الفشك بالعلجية

 

ومع اندلاع الثورة السورية، تحوّلت كلمات الأهازيج لتواكب الواقع الجديد، فصار “أبو عبدو” ورفقاه ينشدون الأهازيج لتشجيع الشبان للمشاركة في مظاهرات الثورة فنقول:

الله يعزك ياللي تعز بلادنا

الله يذلك ياللي تذل بلادنا

ومع تصاعد القتل والعنف الوحشي، تغيّرت الأهازيج لتعبّر عن الوجع والمقاومة:

حى من قال ما نرضى بعيشة ذليلة

أعانا الله بأسماؤه الجليلة

هيك قلنا وهيك صار

والله لناخد بالثار

من ماهر ومن بشار

مهما فعلوا هالطغيان

راجع راجع ماضينا

فرقة عراضة حمصية في الثورة السورية (فرقة سيف حمص)

وتحولت العراضة بنظر “أبو عبدو” إلى وسيلة لتحفيز الشباب للاستمرار بثورتهم، فكانت الهتافات:

ما منهاب المدافع

لو عبّوا الدنيا دخاني

وأضاف أنهم وظفوا الأهازيج الفلسطينية القديمة مثل “يا حلال ويا مالي”، لتتناسب مع روح الثورة السورية، فغنّوا:

يا وطنا ويا غالي

حمصية ردوا عليا

هبت من درعا ثورة

بتنادي عالحرية

وسباع ويا باب سباع

والمراجل خالدية

بابا عمرو يا عمري

وتلكلخ يا عينيا

يا وطنا ويا غالي

سوريا بدا حرية

ويختم قوله: “حتى لو انتصرنا، سنجعل من الدولاب الشيخاني وأغاني الثورة فلكلوراً وطنياً لتتذكر الأجيال القادمة ما عاشته سوريا من دمار وتهجير بسبب حافظ الأسد وابنه”، مؤكداً أن عبارة “يلعن روحك يا حافظ”، أصبحت لازمة تتردد في معظم الأهازيج الثورية.

فرقة عراضة حمصية (فرقة سيف حمص)

أما الملقب بـ”عكيد العراضة الحمصية”، فقال لـ موقع تلفزيون سوريا، إنّه كان يعمل في مجال العراضة الحمصية، وإنه ورث هذا الفن أباً عن جد، ولديه فرقة خاصة به.

وأضاف أنه خلال فترة الثورة، استخدم الناس العراضات في المظاهرات الشعبية بالمناطق الثائرة، مشيراً إلى أنّه غادر مدينة حمص بعد اشتداد التضييق الأمني إلى دمشق، وتعرّض هو وابنه للاعتقال، ثم خرجا لاحقاً من المعتقل وبقي من دون عمل حتى سقوط النظام، وكان فقط يشارك بالعراضات الشامية سرا من شدة تعلقه بها.

5555

وبيّن “العكيد” أن العراضة الحمصية تتميز بطابعها الخاص، وأن الأهازيج الحمصية تختلف عن غيرها من الأهازيج في المدن السورية الأخرى، إذ تُعرف بـ”الحروبي” وتتألف من 28 شطراً وتطورت فيما بعد لتصبح 35 شطراً، وهو أسلوب له لحن فريد لا يعرفه سوى الحماصنة، لذا كان أفراد المدن الأخرى لا يفهمون ما يقال بها.

واستخدم هذا النمط تاريخياً لشحذ الهمم ضد المحتلّين وبثّ الحماسة في صفوف المقاتلين، ومن أهازيجها المعروفة:

حمص العدية فيكي سباع وميماسي

وخالد سيف الله والجبار حاميكي

{“preview_thumbnail”:”/sites/default/files/styles/video_embed_wysiwyg_preview/public/video_thumbnails/5VJE48kOmo4.jpg?itok=67jHeo0p”,”video_url”:”https://www.youtube.com/watch?v=5VJE48kOmo4″,”settings”:{“responsive”:1,”width”:”854″,”height”:”480″,”autoplay”:1},”settings_summary”:[“Embedded Video (Responsive, autoplaying).”]}

لحظات العودة والاحتفاء بالعائلة

تروي “أم خالد” أن شقيقها الذي كان معتقلاً لدى النظام البائد، وبعد خروجه بيوم واحد فقط، أخرج جواز سفره وسافر، وبقي 12 سنة من دون أن يرى وطنه.

وأضافت لـ موقع تلفزيون سوريا، أنّه حين عودته بعد التحرير، استُقبل بعراضة شارك فيها الأقارب والجيران من قريب وبعيد، تقول: “شعر كأنّه عريس حقيقي، كانت لحظة لا تُصدق، امتلأت بالدموع والفرح معاً”.

.
فرقة عراضة حمصية (فرقة تراث حمص العدية)

يذكر “أبو يوسف”، أنّ أبرز أنواع العراضات هي عراضة العرس، حيث تتولى فرقة من الرجال المختصين بالفنون الشعبية مرافقة العريس مع أهله وأصدقائه من موقع احتفال الرجال إلى موقع احتفال النساء.

وتتم هذه المرافقة على أنغام الطبول وآلات النحاس والسيوف والترس وتدخلها مجددا النفخ بالنار والحركات البهلوانية بالإضافة إلى مكبرات الصوت، ويعتقد “أبو يوسف”، أنّ العراضات يتدخل فيها التيار الصوفي.

وأضاف لـ موقع تلفزيون سوريا، أن هذه العراضات تتخللها الأهازيج ويتولى قيادة العراضة شخص جهير الصوت يحمل على الأكتاف، يُنشد العبارات ويرددها مشاركون من خلفه بالتصفيق والأهازيج، مضيفاً أن “ما من عريس إلا ويحب هذه اللحظة”.

.
فرقة عراضة حمصية (فرقة تراث حمص العدية)

أمّا “أبو مروان الحمصي”، فيرى أن حمص هي من أكثر المدن السورية اهتماماً بالعراضة وأكثرها استخداماً لها، مضيفاً: “يكفي أن يكون لدى العريس الكثير من الأصدقاء ليصنعوا له العراضة من كثرة من يؤدونها، فلا حاجة دوما الى المختصين”.

ويؤكّد أنها تستخدم لإظهار عراقة العريس وأصالته وأصل أهله وأن العراضة في حمص ليست مجرد عرض فني، بل تعبير جماعي عن الفرح والفخر والانتماء، متجذر في ثقافة المدينة وعراقتها التاريخية.

جداريات استقبال الحجاج

وقال لـ موقع تلفزيون سوريا، إنّ هناك عراضات لجميع المناسبات في حمص، مثل الأعراس، استقبال الحجاج، الخميسات مثل “خميس المشايخ” أو “خميس الحلاوة”، وغير ذلك من المناسبات.

“زي فرق العراضة”

ترتدي فرق العراضة الأزياء العربية التقليدية التي تتميز بأصالتها وتنوع تفاصيلها، حيث تشمل الشروال، وهو بنطال واسع فضفاض، والملس أي القميص، إضافة إلى الصدرية وهي سترة قصيرة بلا أكمام أو بأكمام قصيرة.

كذلك، يلف المشاركون حول خصورهم الشملة أو الشالة ويحملون الخناجر، ويرتدون على رؤوسهم العرقية، وهي غطاء خفيف، تعلوها الحطاطة أو الشاشية المصنوعة من الحرير، والمعروفة أيضاً باسم السمنية، أمّا في أقدامهم فيلبسون المنطوفة أو الكسرية.

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

الجيش الأميركي يختتم موجة جديدة من الضربات ضد إيران

محرر الخليج

الجيش الأميركي نفذ ضربات عدة ضد أهداف إيرانية

محرر الخليج

محمد بن راشد رائد المبادرات الإنسانية العالمية التي تحفظ كرامة الإنسان وتحقق الأثر المستدام

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More