إنّ الصبر في ميزان الشريعة ليس مساحةً مطّاطة يُفرّغ فيها الكسالى عجزهم، ولا ذريعةً يختبئ وراءها المتقاعسون عن أداء واجباتهم، بل هو منزلةٌ سامية عظّمها القرآن الكريم وجعلها طريقًا للتمكين، لا بابًا للتهرّب.
لقد ابتُلينا في زماننا بمن حوّل الصبر إلى شماعة، يعلّق عليها تقصيره، ويتخذ منها مظلة يبرّر بها فشله، فيظن أن التراجع حكمة، وأن السكون فطنة، وأن ترك المحاولة قضاءٌ مكتوب!
وهذا ليس من الصبر في شيء.
يقول الله تعالى:
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
فصبر المؤمن فعلٌ يعينه الله عليه، لا تخلٍّ عن المسؤولية.
وقال سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
والجهاد هنا بذلٌ وجدٌّ وسعيٌ، وليس انسحابًا أو انتظارًا بلا حركة.
وقد علّمنا النبي ﷺ أن الصبر ثلاث:
– صبرٌ على الطاعة
– صبرٌ عن المعصية
– صبرٌ على البلاء
فأين موقع الاتكالية من هذا؟
وأين تُدرَج ثقافة التراخي التي يتزيّن بها بعض الناس اليوم؟
وأيُّ عقلٍ يقبل أن يسمى ترك العمل “صبرًا”؟
إن من أخطر ما أصاب مجتمعاتنا هو تشوية المفاهيم حتى تلاشت الحدود بين الصبر والتقاعس، وبين التوكل والتواكل، وبين الحلم والضعف.
وهذا الانزلاق هو ما جعل كثيرين يرضون بالدون، ويمشون في الحياة بلا همة ولا هدف، وكأن القدر يُساق إليهم على مقاس التكاسل!
الصبر قوةٌ داخلية، وقودُها العمل لا الجمود،
وعزيمةٌ وقودُها السعي لا التخاذل،
ونورٌ وقودُه اليقين لا الهروب.
وما أجمل قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“ما أعطي عبدٌ عطاءً خيرًا ولا أوسع من الصبر.”
فكان يقصد الصبر الذي يحملك على الثبات، لا الصبر الذي يُجلسك على قارعة الطريق تنتظر أن تُساق لك الخيرات.
يا من تسمي التهاون صبرًا…
راجع نفسك؛ فالصبر عبادة، والعبادة تحتاج إلى نية وعمل وجهد، لا إلى تبرير وادعاء.
يا من يخشى الخطوة الأولى…
اعلم أن الصبر الحقيقي هو أن تخطو رغم الخوف،
وأن تعمل رغم المشقة،
وأن تستمر رغم العثرات.
فالجبال لا تُصعد بالدعاء وحده، بل بالقدم التي تتحرك، والقلب الذي يصبر، والنفس التي تتعب.
احبتي في الله..
الصبر ليس استسلامًا… بل مقاومة.
ليس تأجيلًا… بل ثباتًا.
ليس عذرًا… بل قوة ترفعك، لا حائط تختبئ خلفه.
فاحذر أن تُشوه معنى الصبر…
فتُهدر به عمرك، وتُضيع به فرصك، وتلبسه لباسًا لم يُخلق له.
واجعل من صبرك طريقًا للارتقاء… لا وسادةً للراحة.
