«نبض الخليج»
أصدرت دولة الإمارات حزمة متكاملة من القوانين والتعديلات التشريعية في قطاع العدالة والقضاء، تعكس رؤيتها الاستشرافية لتطوير منظومة العدالة، أعادت من خلالها هندسة الإجراءات القضائية، ورفعت كفاءة التقاضي، وعززت الثقة في النظام القانوني، باعتباره ركيزة أساسية للتنمية والاستقرار وجاذبية الاستثمار.
شهد عام 2025 صدور قانون المعاملات المدنية، وهو أكبر قانون اتحادي في الدولة، والمرجع الأساسي لمعظم القوانين الاتحادية، حيث يضع الإطار العام والأسس لتنظيم التصرفات والعقود بين أفراد المجتمع. وجاء التحديث الشامل للقانون لمواكبة التطور التشريعي وتعزيز كفاءة التطبيق، مع اعتماد مفاهيم قانونية أكثر دقة ووضوحا مع واقع المعاملات، وحذف الأحكام التي نظمت في القوانين الخاصة الأخيرة، بما ينسجم مع التطورات التشريعية ويتجنب الازدواجية.
وتضمنت أهم أحكام القانون المدني توسيع نطاق الفقه القضائي ليتيح للقاضي اختيار الحلول الأنسب عند اللجوء إلى مبادئ الشريعة دون التمسك بمذهب واحد، وجواز الجمع بين الدية أو التعويضات والتعويضات الإضافية، وذلك لتحقيق الجبر الكامل للضرر إذا نشأ عن الوفاة أو الإصابة أضرار مادية أو معنوية لا تشملها الدية أو الأضرار، وذلك لمواجهة الطعون القانونية المطروحة أمام القضاء. كما نص القانون على خفض سن الرشد من (21) سنة قمرية إلى (18) سنة ميلادية، وتعديل سن القاصر الذي يجوز له طلب الإذن بإدارة أمواله من (18) سنة هجرية إلى (15) سنة ميلادية دعما لريادة الأعمال وتمكين الشباب، واستحداث أحكام جديدة لتعزيز الأهلية وحماية الإرادة، بالإضافة إلى تحديث القواعد المنظمة للتصرفات والعقود، بما يحقق اليقين القانوني ويقلل من النزاعات. ويتضمن القانون أحكاماً تتعلق بالمفاوضات السابقة للتعاقد، وتلزم الأطراف بالكشف عن المعلومات اللازمة لاتخاذ قرار مستنير ومستنير وتعزيز الثقة. الحد من المنازعات القضائية، وخلق إطار قانوني للشركات غير الربحية، وتنظيم جديد للشركات المهنية، بما يتماشى مع التحديثات التشريعية الأخيرة، لتعزيز نموذجها وتفعيل دورها في التنمية المستدامة، وتحديث قواعد عقد البيع بما يوازن بين مصالح الأطراف مع حماية ناقصي الأهلية من الاحتيال في بيع العقارات، وتنظيم أكثر وضوحا للعيوب الخفية، ووضع قواعد واضحة لبيع الحقوق المتنازع عليها بما يجعل المعاملات أكثر وضوحا وأكثر أمنا، ويقلل من مخاطر الصراع وتطوير و تنظيم أحكام التأمين بصيغة أوضح مع إطار متكامل للتأمين التكافلي، وتحديث قواعد عقد المقاولات لتوضيح المسؤوليات وتحقيق توازن أفضل بين الأطراف مع تنظيم إنهاء العقود ومراعاة التطورات العملية في نشاط المقاولات لتحقيق التوازن التعاقدي. كما عزز القانون صلاحيات السلطات المحلية فيما يتعلق بتنظيم بعض الأمور وإصدار التراخيص والإشراف على الأنشطة المتعلقة بأحكام القانون المدني.
وكان تحديث قانون الإجراءات المدنية خطوة محورية في اختصار مدد التقاضي، وتوسيع استخدام اللغة الإنجليزية في الغرف المخصصة لنظر المنازعات المتخصصة، بما يعكس انفتاح النظام القضائي على طبيعة الأعمال التجارية عبر الحدود. وجاءت تعديلات 2025 لتدعم هذا الاتجاه من خلال تنظيم عمل الغرف المتخصصة، وتنظيم إنشاء الغرف العقارية، وإعادة ضبط المتطلبات الإجرائية في الاستئناف، وتوسيع نطاق الاستئناف بالنقض، ليشمل القرارات بالإضافة إلى الأحكام، وغيرها من التعديلات التي تعزز فعالية الإجراءات وتدعم سرعة الفصل ونوعية الأحكام.
أنشأ قانون الإجراءات الجزائية إطارا حديثا للعدالة الجنائية يجمع بين حفظ الحقوق والحريات وسرعة الفصل في القضايا، من خلال إنشاء محاكم جديدة وفق العقوبة المقررة للجريمة، مثل محكمة جنائية كبرى تعتبر الجرائم معاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد، ومحكمة جنائية صغرى تعتبر الجرائم معاقب عليها بالسجن المؤقت، بالإضافة إلى تنظيم استخدام تقنيات الاتصال عن بعد في الإجراءات الجنائية، وتنظيم بدائل المحاكمة، مثل التصالح الجنائي والتسوية الجزائية، بما يعكس نموذج أكثر مرونة. وبكفاءة دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة.
أسس قانون الوساطة والتوفيق في المنازعات المدنية والتجارية مساراً بديلاً للتقاضي يعزز ثقافة الحلول التوافقية، ويدعم بيئة الأعمال، ويحسن كفاءة إدارة المنازعات مع إعطاء السلطة القضائية لاتفاقيات التسوية. كما جاء قانون الإثبات في المعاملات المدنية والتجارية ليواكب التطورات التقنية والاقتصادية، ويوسع نطاق الإثبات الإلكتروني ويعزز صلاحيات المحكمة في إدارة الأدلة، بما يحقق التوازن الدقيق بين حرية الإثبات والانضباط الإجرائي، ويرفع من جودة الأحكام وثباتها. ويجتمع هذا النظام مع التشريعات الداعمة للعدالة، ومنها قانون حماية الشهود، وقانون إنشاء وتنظيم ديوان الرقابة القضائية الاتحادي، وقانون الرسوم القضائية أمام المحاكم الاتحادية، والتي تشكل جميعها بنية تشريعية متماسكة تؤسس لنموذج عدالة متقدم.
شكل قانون تنظيم مهن المحاماة والاستشارات القانونية علامة فارقة مهمة في تحديث البنية المهنية للقطاع القانوني وتعزيز دوره في تحقيق رسالة العدالة وسيادة القانون، حيث أنشأ إطاراً تشريعياً شاملاً يوازن بين استقلال المهنة وصرامة الحوكمة، من خلال معايير مهنية مهنية وتصنيف وتقييم وفق أعلى المعايير، وسمح لأول مرة بالترخيص للمحامين من غير مواطني الدولة، والترخيص لمكاتب المحاماة ومكاتب الاستشارات القانونية الأجنبية. بشروط محددة، وأجاز مثول المحامين من غير مواطني الدولة أمام المحاكم المحلية في قضايا محددة وأمام الدوائر المتخصصة، في خطوة تعزز مكانة الدولة كمركز قانوني تنافسي إقليمياً وعالمياً، ويكمل ذلك تحديث القوانين المنظمة لمهن الكاتب العدل والخبرة والترجمة، بما يضمن جودة هذه المهن الداعمة للقضاء.
كما عززت تشريعات الدولة البعد الإنساني والإصلاحي من خلال قانون تنظيم المؤسسات العقابية والإصلاحية، الذي نقل المفهوم العقابي من الردع إلى التأهيل وإعادة الإدماج، وعزز الاستفادة من التقنيات الذكية وبرامج الرعاية والسياسات الحديثة في نموذج متطور للعدالة الإصلاحية.
وساهم قانون السلطة القضائية الاتحادية وتعديلاته في ترسيخ استقلال القضاء ووضوح الاختصاصات وتحديث آليات التعيين والمساءلة، بالتوازي مع قانون المحكمة الاتحادية العليا الذي يعزز دورها الدستوري كضامن لوحدة التفسير القانوني وحماية الشرعية الدستورية.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية