تقارير

“ملثمان ودراجة نارية” أحياء القتل المتسلسل

“ملثمان ودراجة نارية” أحياء القتل المتسلسل

«نبض الخليج»  

أعرف أن العنوان فجٌّ، لكن الحوادث تكاد تكون متطابقة منذ أكثر من سنة في أحياء محددة من مدينة حمص، حتى لتبدو وكأنها قادمة من روايات بوليسية عن القتل المتسلسل. رجلان ملثمان على دراجةٍ نارية، أحدهما يقود والآخر يطلق النار على رجل عَلويّ، وأحياناً على امرأة علويّة.

في العديد من المرّات يكون القتيل شاباً، وفي مرة تالية كهلاً أو سيدة لديها أطفال. وهذه، بلغة الإحصاء، تبدو تفاصيل تافهة وتنويعات غير مهمة بالنسبة للفاعل. الاعتبار الأصلي أنّ الهدف المطلوب للقتل “علويّ”، أياً كان ومهما كانت سيرته. طبعاً كان هناك قتلى من السُنّة في أحياء متفرقة، لكن في كل الحالات تقريباً كان القتيل معروفاً بأنه مخبر أو “شبيح” عمل مع قوات أمن الأسد. أي إنه مُستهدَف بهويته الشخصية وليس بانتمائه. وبكل الأحوال الحوادث الأخيرة هذه لم تتكرر بما يتعدّى أصابع اليد الواحدة، بينما يكاد لا يمر أسبوع دون أن نسمع عن مقتل أناس لمجرد أنهم ينتمون إلى الطائفة العلوية. في بعض الحالات وجد للقتيل سيرة ذاتية إجرامية، لكن في أغلبها كان مجرّد “علويّ”، وبدت هذه تهمة كافية لدى البعض.

الأخطر في هذا النمط ليس عدد الضحايا وحده، إنما انتظام شكلها. تتكرر الجريمة بالصورة نفسها تقريباً “ملثمان على دراجة نارية، وهدف محدد الهوية الطائفية”.

أعلم مسبقاً أن كثيراً من الأصدقاء سيعتبرون ما سوف أحاول قوله هنا ينطوي على شيء من السذاجة، فالأمر لديهم بالغ الوضوح. السلطات، كما هم متأكدون، متواطئة وتحاول التعمية عن تلك الجرائم المستمرة. ولن أكتمكم، فأنا أيضاً راودتني مثل تلك الظنون. حاولت مراراً تمرير السؤال التشكيكي لبعض معارفي في المدينة، ممن يمكن لهم أن يعلموا بعض الحقائق، وممن أثق بمعلوماتهم: هل هناك نوع من التواطؤ الأمني، أو على الأقل الاستهتار وعدم المتابعة لهذه الجرائم من قبل الجهات الأمنيّة، حتى تتكرر بهذا التواتر المُستغرَب؟ وفي كل مرة كان يأتيني الجواب بالنفي القاطع. وأنه مجرد فشل! أكثر من ذلك أخبرني صديق أن القادة الأمنيون مرتبكون ومحرجون ويتلمسون رؤوسهم، على الأقل خوفاً على مواقعهم ومناصبهم. مع ذلك، حتى الآن لم أستطع الاستسلام لتلك الاستنتاجات.

كنت كتبت، ومعي آخرون، عن خصوصية هذه المدينة في مقالات سابقة، وكم إنها تحتاج إلى معالجة ذكية وخاصة. أتفهم أنه ليس لدى القادة الجدد الوقت لقراءة مقالاتنا، ولكن هل يعقل وهل من المقبول أنه ليس لديهم الوقت لقراءة مشهد مدينةٍ مرشحة لتفجير الحالة السورية في كل لحظة، بسبب خصوصيتها التي يعرفها الجميع! أو أنهم لم ينتبهوا إلى أن ما

يحدث فيها يأكل، إضافةً إلى أحداث أخرى كثيرة، من سمعة سوريا الجديدة التي يتحدثون عنها كل يوم، كبلدٍ طبيعي بل وجاذب للاستثمارات، ليتحول بدلاً من ذلك، في نظر العالم، إلى دولة في حالةٍ مزرية من العجز الأمني. لدرجة أن الجرائم في سوريا باتت تطال حتى أفراد الأمن الداخلي، وهذه تحتاج إلى مقال مستقل.

للأسف ومع تعطّل مسار العدالة الانتقالية، لن يخلو الأمر في المدينة من أناس يعتبرون أن الجرائم والفظائع التي ارتكبتها قوات نظام الأسد عندما ستُمرَّر دون محاكمات شخصية للمرتكبين تحديداً كما تقتضي العدالة، فلا بأس من هذا النوع من المحاكمات الشعبية على مستوى الانتماء الطائفي. وأكثر من ذلك، فهم يرون فيما يحدث أمراً مقبولاً. وهنا تماماً تقع مسؤولية الدولة، إذ يرى آخرون، ولرأيهم الكثير من الوجاهة، أن الحكام الجدد يميِّعون موضوع العدالة والاقتصاص للضحايا، ما ينتج عنه تلك الممارسات الإجرامية المتسلسلة في المدينة، وهو أمر يمكن تعميمه بالطبع على مناطق أخرى من البلد، حيث تحدث مثل هذه الاستباحة.

الأخطر في هذا النمط ليس عدد الضحايا وحده، إنما انتظام شكلها. تتكرر الجريمة بالصورة نفسها تقريباً “ملثمان على دراجة نارية، وهدف محدد الهوية الطائفية”. فهي على هذا النحو تتحول من حادثة جنائية ممكنة الحدوث في أي مكان من العالم إلى رسالة. فالقاتل هنا لا يقتل شخصاً بعينه بقدر ما يساهم بإيصال فئة من المجتمع إلى الاستنتاج بأننا أمام مدينة تقول لبعض سكانها إن وجودهم نفسه مُهدَّد بسبب مراكمة الخوف اليومي على الحياة. ولن يكون من المهم هنا إن كان وراءها تنظيم واضح أو خطة سياسية مرسومة. ومن المفارقات أن الخوف لا يتوزع بين عموم السكان بالتساوي، إنما هو خوف انتقائي، وهذا بحد ذاته علامة على تفسُّخ فكرة الدولة. وعند هذه النقطة تحديداً تبدأ الدولة الناشئة بخسارة معركتها الحقيقية.

التساهل مع الأعداد الهائلة ممن يحملون السلاح خارج المُرخَّص لهم رسمياً، قد يكون أحد أول الملفات التي يجب الالتفات إليها وإلى مدى خطورتها

قد يقول قائل إنه من الوهم الاعتقاد بأن القبض على الفاعلين، إن حدث، سيضع نهاية للمشكلة. فهذه الجرائم لا تبدو أنها تعتمد على أفراد بعينهم بقدر ما تعتمد على بيئةٍ سوف تسمح باستبدالهم بسهولة. ففي هذه المدينة الممتلئة بالسلاح، والمشبعة بذاكرة العنف والتغوّل والاستباحة، لا ضرورة لوجود تنظيم سرّي، ويكفي الشعور المنتشر، بفظاظة، أنه من الممكن الثأر الاعتباطيّ دون عقاب، فيصبح القاتل مجرد حلقة في سلسلة. قد يسقط واحدٌ من الفاعلين ليظهر بعده آخرون. إذاً الخطر الحقيقي هنا ليس وجود مجرمين، إنما وجود البيئة والظروف المواتية للجريمة. من ناحيتي أتفق مع هذا الرأي تماماً، ولكن هذا لن يلغي أن

القبض على المرتكبين مع محاكمات صارمة، سيجعل الآخرين يحسبون ألف حساب قبل أن يقرروا سلوك المسلك ذاته ليملأوا شاغر القاتل السابق.

إعلامياً وعلى وسائل التواصل، هناك من يروّج، بصيغٍ تعميمية، أن المدينة مستباحة تماماً ومسرحاً لعالم الجريمة بأنواعه. وهذا بالقطع نوع من المبالغة التي تشي بميول مروّجيها. وفي المقابل هناك من يحاول التعتيم على هذه الجرائم التي تحدث بتواترٍ لافت، وهؤلاء يعتقدون أنهم بهذا إنما يخدمون السلطات. وبين أولئك وهؤلاء تقع الحقيقة. هناك فشل أكيد، وهذا يرتِّب على المسؤولين الاعتراف به بدايةً، لتتم معالجته تالياً وسريعاً. فالأمر ليس ملفاً جنائياً مما يحدث عادةً في معظم بلدان العالم، وإنما ملفٌ وطني يستدعي إجراءات صارمة، قبل أن تتفلّت الأمور أكثر، عبر ردّات فعلٍ قد لا تكون متوقعة.

التساهل مع الأعداد الهائلة ممن يحملون السلاح خارج المُرخَّص لهم رسمياً، قد يكون أحد أول الملفات التي يجب الالتفات إليها وإلى مدى خطورتها، مع ما يرافق ذلك من تحريض طائفي غير مُجرَّم حتى الآن. طبعاً كل هذا يجب أن يأتي في سياق الإسراع بتفعيل مسار العدالة الانتقالية، وإلا فالكارثة قادمة دون أدنى ريب. الخطر لا ينحصر بملثمين على دراجة نارية. الخطر الأكبر هو اعتياد وجود هؤلاء كجزء من مشهد المدينة، مما سيصيب في مقتلٍ فكرةً يحلم بها السوريون جميعاً وهي أن زمن الموت المجاني الذي عرفته سوريا لعقود، قد انتهى. قال لي صديق من زملاء سجن صيدنايا “أحلم أن أعود إلى بيتي في المساء دون أن تزداد سرعة ضربات قلبي كلما سمعت صوت دراجة نارية تقترب. هذه ليست حياة”.

شارك هذا المقال

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

سوريا – منسق الشؤون الإنسانية يزور السويداء ويحذر من أوضاع عصيبة هناك

محرر الخليج

سوريا تضم أكثر من 63 مقبرة جماعية موثقة

محرر الخليج

مجلس إدارة «جائزة الإعلام العربي» يعتمد الأعمال الفائزة للدورة الـ 24

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More