تقارير

البيت كمقرّ دائم للعمل.. كيف غيّر الدوام المفتوح إيقاع العائلات السورية؟

البيت كمقرّ دائم للعمل.. كيف غيّر الدوام المفتوح إيقاع العائلات السورية؟

«نبض الخليج»  

في أحد بيوت دمشق، يُطلب من الجميع خفض أصواتهم لأن هناك اجتماعاً عبر الإنترنت، فتؤجل الأم تشغيل المكنسة إلى ما بعد انتهاء المكالمة، ويؤجل الأب مكالمة أخرى كان ينوي إجراءها لأن الإنترنت ضعيف، بينما يبقى الطفل في الغرفة المجاورة كي لا يعلو صوته فجأة.

في بيت آخر، لم تعد غرفة النوم للنوم فقط، بل تحولت إلى مكان تُكدّس فيه أكياس الملابس بانتظار غسلها وكيّها وتصويرها قبل عرضها للبيع، في حين تُنقل الوسائد إلى زاوية مؤقتة كلما حان وقت التصوير.

وفي منزل ثالث، تجلس أم أمام حاسوبها لساعات طويلة، في حين ينام طفلها بقربها أو يلعب على الأرض، لأن موعد التسليم لا ينتظر، ولأن وجودها في البيت لا يعني أن وقتها متاح بالكامل.

في هذه البيوت، لم يعد الناس يغادرون صباحاً ويعودون مساءً، حيث أصبح العمل جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي داخل المنازل، يتقاطع مع تفاصيل الحياة العادية، ويعيد تنظيمها وجدولة مواعيدها.

 ومع تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، لجأت عائلات كثيرة إلى استثمار المساحة المتاحة داخل المنزل، فتحولت غرف الجلوس إلى مكاتب، والمطابخ إلى أماكن إنتاج، والزوايا الصغيرة إلى نقاط تصوير أو تخزين.

لكن هذا التحول لم يقتصر على توفير دخل إضافي، بل امتد إلى شكل اليوم نفسه، وإلى طريقة توزيع الوقت داخل الأسرة، وإلى طبيعة العلاقة بين من يعمل ومن ينتظر انتهاء العمل في المكان ذاته.

دوام مفتوح داخل البيت

تقول هويدا لموقع تلفزيون سوريا إن يومها لم يعد مقسوماً إلى ساعات واضحة كما كان من قبل، فلا بداية محددة للعمل ولا نهاية يمكن أن تعلن عندها أن الدوام انتهى. “أعمل 24 ساعة 7 أيام في الأسبوع”، تقول.

تبدأ هويدا صباحها بتحضير الفطور لها ولزوجها وطفلها، ثم تنتقل إلى إنجاز مهام عملها البرمجيّ، قبل أن تتخلله مهام الطهي والغسيل ورعاية طفلها، لتجد نفسها في المساء تراجع ما تبقى من العمل المؤجل لأن النهار لم يكن كافياً.

بين هذه المهام المتداخلة تختفي الحدود بين ما هو مهني وما هو منزلي، فلا تستطيع أن تفصل ساعة لنفسها أو أن تعتبر نفسها خارج أوقات العمل فعلاً.

وجودها الدائم في المنزل، كما تقول، يجعل من حولها يفترضون أنها متاحة في أي لحظة “حتى لو كنت منهمكة في إنجاز مهمة مرتبطة بعملي”، تضيف.

وعندما قررت تسجيل طفلها في الحضانة العام المقبل لتتمكن من تنظيم وقتها بشكل أفضل، واجهت اعتراضاً حاداً من المحيطين بها، وجاءها الرد ببساطة: “أنتِ في البيت”.. “وكأن وجودي داخل الجدران المسماة بيت يلغي فكرة العمل نفسها.” توضح.

لا تُعامل كموظفة تخرج صباحاً وتعود مساءً، ولا بمقدورها أن تكون متفرغة بالكامل للبيت، لذا تجد نفسها مطالبة بأداء الدورين معاً، من دون أن يُعترف بحدود أي منهما.

لا يُفهم الجلوس أمام الحاسوب كوظيفة

أما لين فتعمل في الترجمة من منزل عائلتها، وتقضي ساعات طويلة أمام الحاسوب تراجع نصوصاً وتسلّم ترجمات في مواعيد محددة، لكن جلوسها المتواصل في الغرفة نفسها لا يُفهم على أنه عمل فعلي في نظر من حولها.

 تقول لموقع تلفزيون سوريا: “تطلب مني أمي ألف طلب في الدقيقة”، مشيرة إلى أن وجودها داخل البيت يجعلها متاحة دائماً للمهام المنزلية الصغيرة، من إحضار غرض أو مساعدة سريعة أو استقبال زائر، حتى لو كانت منهمكة في مهمة يجب أن تنتهي في وقت محدد.

“يدخل الزوار من دون موعد، تبدأ الأحاديث فجأة، ويُفترض أن أتوقف عن عملي لدقائق قد تمتد إلى ساعة، بينما تبقى المهام كما هي، لا تتغير مواعيد تسليمها”.

توضح لين أن المشكلة لا تكمن في عدد ساعات العمل فقط، بل في تقطّعها المستمر، فالمهمة التي كان يمكن إنجازها في ثلاث ساعات قد تمتد إلى خمس أو ست بسبب الانقطاعات المتكررة، ما يدفعها أحياناً إلى العمل ليلاً لتعويض الوقت الضائع.

لا توجد لحظة انتقال واضحة بين العمل والحياة اليومية، يحدث كل شيء في المكان نفسه، حيث يتداخل الصوت العائلي مع متطلبات المهنة، ويصبح الحفاظ على التركيز مهمة بحد ذاته.

البيت كنقطة استقبال

بالنسبة إلى زينة، بدأ العمل من غرفة في البيت خصصتها لغسل الملابس التي تشتريها من السوق المستعملة وكيّها وتصويرها قبل عرضها للبيع عبر صفحتها على “إنستغرام”، لكن مع الوقت لم تبقِ الحركة محصورة داخل الغرفة نفسها، إذ كانت في البداية تستقبل الزبائن في المنزل ليقيسوا القطع ثم يشتروها، ما جعل الممرات تتحول إلى مسار دائم للدخول والخروج.

“كان البيت مزدحم طوال النهار”، تقول لموقع تلفزيون سوريا، مشيرة إلى أن جرس الباب لم يعد يعني زيارة، بل استلام طلب أو معاينة قطعة.

وجود أشخاص غرباء في أوقات مختلفة من اليوم غيّر إيقاع المنزل وأربك خصوصيته، فلم يعد الضيف قريباً أو صديقة، بل زبونةً مستعجلة في أغلب الأوقات.

مع مرور الوقت، بدأ أهلها يشعرون بأن البيت لم يعد يحتفظ بطابعه الخاص كما كان، فاضطرت إلى تعديل طريقة عملها، وقررت توصيل القطع إلى بيوت الزبائن بدلاً من استقبالهم لديها.

هدأت الحركة داخل المنزل نسبياً، لكن غرفة الملابس بقيت على حالها، والعمل لم يخرج من البيت، بل تغيّرت فقط طريقة وصوله إلى الناس.

إعادة جدولة أعمال المنزل

سماح تقول إنها لم تتوقع أن يمتد تأثير عمل ابنتها من الغرفة التي تجلس فيها أمام الحاسوب إلى تفاصيل يومها هي أيضاً.

في البداية اعتبرت بقاء ابنتها في البيت أمراً مريحاً وأكثر أماناً، لكن مع بدء الاجتماعات المتكررة عبر الإنترنت تغيّر إيقاع المنزل كله.

“إذا عندها اجتماع، ممنوع نعلي صوتنا”، تقول لموقع تلفزيون سوريا، موضحة أنها تضطر إلى تأجيل تشغيل المكنسة أو استخدام الخلاط أو حتى إجراء مكالمة عادية كي لا يصل الصوت إلى الاجتماع.

في بيت صغير، لا يمكن عزل غرفة عن أخرى بسهولة، ينتقل الصوت من المطبخ إلى غرفة الجلوس، ويصبح على الجميع أن ينتبهوا لتحركاتهم.

وتضيف أن المشكلة تتضاعف في ظل انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، لأن وصول التيار يفرض أوقاتاً محددة لإنجاز الأعمال المنزلية، فإذا تزامن ذلك مع اجتماع، يبدأ التوتر.

“صرنا نتخانق بسبب الشغل”، تقول، مشيرة إلى أن الخلافات غالباً ما تبدأ من تفاصيل بسيطة مثل صوت مرتفع أو حركة في وقت غير مناسب، لكنها تعكس ضغطاً يومياً سببه تداخل العمل مع حياة الأسرة في المساحة نفسها.

عيادة داخل البيت

أما نسرين فتروي لموقع تلفزيون سوريا تجربة مختلفة من موقع المتلقية للخدمة. تقول إنها بحثت في مدينة حلب عن طبيبة أذنية قريبة من مكان سكنها، وعندما وصلت إلى العنوان اكتشفت أن العيادة هي غرفة ضمن منزل تقيم فيه عائلة تضم كباراً في السن وأطفالاً.

أثناء انتظارها دورها، كانت تسمع أحاديث عائلية تدور في الخلفية عن الغسيل والطبخ وترتيبات البيت، وأصوات حركة داخل الممرات، في مشهد أقرب إلى زيارة منزلية منه إلى مراجعة طبية.

توضح نسرين: “الخدمة الطبية بحد ذاتها لم تكن محل اعتراض، لكنني لم أشعر بالارتياح الكامل خلال الفحص”

ويرجع ذلك، بحسب رأيها، إلى أن المساحة الفاصلة بين الغرفة المخصصة للعيادة وبقية المنزل شبه غائبة، ولم يكن هناك إحساس واضح بأن المكان مهيأ بالكامل لاستقبال مراجعين.

 بالنسبة لها، اختلطت تفاصيل الحياة اليومية للأسرة مع لحظة تحتاج فيها إلى خصوصية وهدوء.

البيت بين الإنتاج والخصوصية

هذا النمط من العمل أتاح لبعض العائلات مرونة في تأمين دخل إضافي أو الاستمرار في سوق العمل من دون تكاليف تنقل، لكنه في الوقت نفسه غيّر العلاقة التقليدية بين البيت والعمل، فلم يعد هناك فصل واضح بين المجال الخاص والمجال المهني كما كان في السابق.

العمل أصبح حاضراً في التفاصيل اليومية، في توقيت استخدام المطبخ، وفي توزيع الغرف، وفي مستوى الصوت، وحتى في طريقة استقبال الضيوف.

بين محاولات التكيّف اليومية هذه، تحاول العائلات إيجاد توازن يحافظ على الحد الأدنى من خصوصية البيت، في حين يجد كثير من الشباب أنفسهم يعيدون التفكير في شكل العمل الذي يريدونه مستقبلاً، بين مرونة البقاء في المنزل وما يرافقها من تداخل مستمر بين الحياة الشخصية والمهنية.
 

 

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

لجنة التحقيق الدولية تتمتع بوصول كامل إلى السويداء

محرر الخليج

الأمم المتحدة: الصراعات تزداد تعقيدا وقوات حفظ السلام تنقذ مئات آلاف الأرواح يوميا

محرر الخليج

العلاج المبكر للنطق يساعد طفلة في التغلب على اضطراب حاد في البلع

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More