تقارير

بين التصاعد المحدود وثبات النشاط العملياتي.. هل تغيّر إيقاع “داعش” في سوريا؟

بين التصاعد المحدود وثبات النشاط العملياتي.. هل تغيّر إيقاع “داعش” في سوريا؟

«نبض الخليج»  

خلال الأسابيع الممتدة من مطلع كانون الثاني حتى نهاية شباط الفائت، عاد اسم تنظيم “داعش” إلى التداول الأمني في شرقي سوريا عبر سلسلة عمليات محدودة النطاق جغرافياً وواضحة الطابع من حيث الأهداف. العمليات توزعت بين ريف الرقة، الميادين، وامتدادات البادية، واستهدفت عناصر عسكرية وأمنية في نقاط مكشوفة أو على طرق فرعية.

المعطى الأهم في هذه المرحلة لا يتعلق بحجم العمليات، إنما بانتظامها. الحوادث لم تأتِ في موجة واحدة، ولم تنقطع أيضاً؛ فكانت ضمن تواتر متقارب، ونطاق جغرافي متكرر، وأسلوب ثابت في التنفيذ. هذا النمط يمنح المشهد بعداً مختلفاً عن فكرة “العودة الصاخبة” أو “الانكفاء الكامل”.

الضغط الدولي وإيقاع العمليات المحدودة

في نهاية كانون الأول الماضي شهدت سوريا ضربات جوية استهدفت مواقع مرتبطة بالتنظيم عقب هجوم أوقع قتلى في صفوف عسكريين أجانب. هذه التطورات وضعت الملف السوري مجدداً ضمن أجندة مكافحة الإرهاب على المستوى الدولي، وأكدت استمرار وجود أهداف مرتبطة بالتنظيم داخل الجغرافيا السورية.

هذا السياق الدولي يمنح تحركات الأسابيع الأخيرة بعداً إضافياً، حيث يتحرك التنظيم في مساحة تخضع لمراقبة وضغط عسكري خارجي، ما يدفعه إلى اعتماد تكتيكات منخفضة الكلفة ومرنة، تتيح له البقاء ضمن المشهد من دون تعريض بنيته لضربات واسعة.

وفي خلال الأسبوعين الأخيرين من شباط تصاعد حضور “داعش” عبر تبنٍّ علني لهجمات استهدفت عناصر من الجيش والأمن في الرقة ودير الزور. العمليات اتخذت شكل كمائن محدودة واغتيالات مباشرة على طرق فرعية أو في محيط بلدات صغيرة، أعقبها انتشار أمني سريع وعمليات تمشيط. التزامن بين التنفيذ الميداني وإصدار تسجيل صوتي للمتحدث باسم التنظيم أعاد ربط الهجمات بخطاب مركزي يؤكد أولوية الساحة السورية في المرحلة الحالية.

هذا التزامن يحمل دلالة تنظيمية واضحة، فالتنظيم حرص على أن يترافق الإعلان السياسي مع واقعة ميدانية ملموسة، وفي الوقت نفسه، فإن طبيعة العمليات تكشف أن الرسالة الإعلامية تتقدم أحياناً على القدرة العملياتية، إذ بقيت الهجمات ضمن نطاق محدود من حيث العدد والأثر.

وقد بقيت المنطقة الممتدة بين أطراف الرقة ودير الزور وصولاً إلى عمق البادية، خلال السنوات الماضية مسرحاً مناسباً لتحركات خلايا صغيرة تعتمد على معرفة محلية بالجغرافيا ومسارات الحركة.

خلايا تتحرك بإيقاع منخفض

الباحث في شؤون الجماعات الجهادية، أحمد سلطان، يتحدث لموقع تلفزيون سوريا، أن ما يجري من تحركات لـ”داعش” في شرقي سوريا خلال الأسابيع الأخيرة لا يمكن فهمه باعتباره “عودة” بالمعنى الكلاسيكي، وإنما كإعادة تموضع محسوبة داخل بيئة انتقال سياسي وأمني. برأيه، التنظيم يدرك حدود قدرته الحالية، ولذلك يركز على تثبيت قابلية الفعل بدلاً من توسيع نطاق الاشتباك.

كذلك يشير إلى أن التنظيم يتعامل مع سوريا باعتبارها عقدة جغرافية تربط العراق بالبادية السورية، وأن هذا الامتداد الصحراوي يوفر مجال حركة يتجاوز الاعتبارات المحلية الضيقة. ما يلفت في تقديره أن العمليات لا تستهدف إرباك المدن أو خلق صدمة عامة، إنما تحافظ على مستوى احتكاك يسمح بقياس رد الفعل الأمني واختبار جاهزية الأطراف المسيطرة.

ويضيف أن التنظيم يتصرف بعقلية “الانتظار الطويل”. فالبنية الحالية وفق تعبيره أقرب إلى نواة كامنة تحافظ على الحد الأدنى من الارتباطات، وتراهن على تحولات مستقبلية قد تعيد فتح المجال أمام توسع أكبر. هذا النمط، بحسب تحليله، يتطلب قراءة زمنية ممتدة، لأن التنظيم لا يتحرك ضمن منطق المواجهة الفورية بل ضمن منطق تراكم الفرص.

كذلك يرى أن “داعش” في سوريا يمر بمرحلة إعادة تعريف لدوره بعد فقدان نموذج “الولاية” الذي اعتمد عليه سابقاً. وفي رأيه، فإن التنظيم يعيد إنتاج نفسه كحركة خلايا متنقلة تعتمد على خطاب يستند إلى فكرة الاستمرارية، حتى لو كان الفعل الميداني محدوداً.

كما يشير إلى أن المرحلة الحالية تتطلب من التنظيم تجنب استهداف واسع قد يعيد تشكيل إجماع أمني ضده، ولذلك يختار أهدافاً ذات طابع عسكري أو أمني محدود. في تقديره، هذا السلوك يعكس قراءة دقيقة للواقع السوري، حيث أي تصعيد واسع قد يقود إلى تضييق أكبر على شبكاته.

الأطراف الرخوة ومساحة حركة الخلايا الصغيرة

وتُشكّل البادية السورية عنصراً بنيوياً في فهم هذا النشاط. فالمساحات المفتوحة، وتباعد التجمعات السكانية، وطول خطوط الإمداد الأمنية تشكل جميعها بيئة تسمح بتحرك مجموعات صغيرة قادرة على الضرب والانسحاب.

كما أن التنظيم لم يقترب من مراكز حضرية كبرى، ولم يسعَ إلى خلق صدمة أمنية واسعة في المدن. تركيزه ظل في الأطراف، في الحواف، في المساحات التي تتطلب جهداً أمنياً مضاعفاً لضبطها.

هذا التموضع يعكس إدراكاً لطبيعة التوازنات القائمة. البيئة الأمنية في المراكز الرئيسية أكثر تماسكاً، بينما تبقى الأطراف مجالاً لاختبار الحضور.

المناطق الرخوة في علم الأمن الداخلي ليست مناطق خارجة عن السيطرة، إنما هي مناطق تتطلب جهداً مستمراً لضبطها. فهي مناطق ذات جغرافيا معقدة، كثافة سكانية منخفضة، أو تعدد في مراكز النفوذ المحلي.

شرقي سوريا، بامتداداته الصحراوية والريفية، يندرج ضمن هذا التصنيف. السيطرة فيها تتحقق عبر انتشار ميداني مكلف وطويل الأمد. وأي تخفيف للجهد يفتح مساحة حركة لمجموعات صغيرة قادرة على الاستفادة من تضاريس المكان.

وأما في دراسات النزاعات المسلحة، فيشير مفهوم “اقتصاد العنف” إلى استخدام أقل قدر ممكن من القوة لتحقيق تأثير سياسي أو إعلامي ملموس. فالتنظيمات التي تعاني من ضغوط مالية وأمنية تميل إلى هذا النمط، حيث يصبح اختيار الهدف وطريقة التنفيذ جزءاً من معادلة دقيقة بين الكلفة والعائد.

الهجمات المحدودة على حواجز أو دوريات مكشوفة تندرج ضمن هذا المنطق. العملية لا تتطلب تجهيزاً معقداً أو موارد كبيرة، لكنها كافية لإنتاج خبر، وإعادة اسم التنظيم إلى التداول. حيث تكون الكلفة منخفضة، والأثر الرمزي قائماً.

إيقاع العمليات بين الاستنزاف وتجنب الانكشاف

هذا الاقتصاد في استخدام القوة يعكس وعياً بحجم الإمكانات المتاحة. التنظيم لا يدخل في مواجهات مفتوحة تستنزف ما تبقى من قدرته، بل يوزع ضرباته ضمن جدول زمني محسوب.

وفي دراسة نُشرت مطلع شباط الماضي عبر موقع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، حيث تناولت تحولات سلوك التنظيم بعد سقوط نظام الأسد. كما رصدت الدراسة انتقال التنظيم إلى نمط عمليات استنزاف محدودة جغرافياً، مع تركيز على البادية وشرق الفرات، وربطت ذلك باستخدام خطاب إعلامي يعيد تأكيد مركزية الساحة السورية في أدبيات التنظيم. وخلصت الورقة إلى أن التداخل بين الحدث الميداني والرسالة الإعلامية يشكل جزءاً من استراتيجية تثبيت الحضور، وأن الخطاب لا ينفصل عن الحاجة إلى إظهار قدرة مستمرة على الفعل. الدراسة اعتبرت أن النشاط الراهن يُدار ضمن حسابات دقيقة لتفادي الانكشاف الواسع، مع الحفاظ على وتيرة عمليات دورية.

إن المشهد الراهن في سوريا لا يشير إلى انتقال التنظيم إلى مرحلة سيطرة ميدانية، ولا إلى انتهاء حضوره. حيث يندرج النشاط الحالي ضمن نمط مستمر منذ أعوام، مع اختلاف في السياق السياسي المحيط به.

التنظيم يعمل ضمن حدود واضحة، ويختار جغرافيته بدقة، ويستثمر في عمليات محدودة تضمن بقاء اسمه في التداول الأمني.

التحدي أمام السلطة السورية في هذه المرحلة لا يرتبط بحدث واحد أو عملية بعينها، إنما بإدارة إيقاع طويل الأمد في مناطق واسعة جغرافياً، قليلة الكثافة، عالية الكلفة من حيث الضبط.

 

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

قتلى جراء سقوط صاروخ إيراني على مبنى في جنوب سورية

محرر الخليج

بيان مشترك بمناسبة زيارة محمد بن زايد إلى تركيا

محرر الخليج

فيدان يزور واشنطن.. رفع العقوبات عن سوريا ودعمها على جدول الأعمال

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More