تقارير

المثقف السوري في زمن الخوارزميات.. من سلطة الكلمة إلى اقتصاد التفاعل

المثقف السوري في زمن الخوارزميات.. من سلطة الكلمة إلى اقتصاد التفاعل

«نبض الخليج»  

عرف المجال الثقافي السوري لعقود طويلة نموذجاً واضحاً لتشكل السلطة الرمزية للمثقف. الصحف الثقافية، المجلات الفكرية، الندوات الجامعية، ودور النشر كانت تمثل فضاءات إنتاج الخطاب العام. داخل هذه الفضاءات تشكلت أسماء ثقافية لعبت دوراً في صياغة النقاش الفكري والسياسي، حيث كان النص المكتوب يكتسب مكانته عبر الزمن، عبر النقد والجدل والتراكم المعرفي.

خلال الثمانينيات والتسعينيات لعبت المجلات الثقافية والصحف الأدبية دوراً مركزياً في تنظيم النقاش الفكري داخل سوريا. مجلات مثل الموقف الأدبي والحياة الثقافية والحياة المسرحية، إضافة إلى الصفحات الثقافية في الصحف العربية التي كان يكتب فيها مثقفون سوريون، شكلت منصات أساسية لتداول الأفكار. داخل هذه الفضاءات كان النص ينتقل بين القراء والنقاد والندوات الثقافية، في مسار يمنح الكتابة الفكرية زمناً كافياً للتفاعل والتراكم.

في هذا السياق ظهر جيل كامل من المثقفين السوريين الذين ارتبط حضورهم بقوة الكلمة المكتوبة. كتاب مثل صادق جلال العظم وجورج طرابيشي وياسين الحافظ، وكثيرون، بنوا حضورهم عبر تراكم فكري طويل داخل حقل ثقافي منظم، من خلال مرور النص في مسار واضح يُرسَّخ عبره في الوعي الثقافي العام، عبر النشر ومن ثم القراءة والنقاش.

الخوارزمية كسلطة معرفية جديدة

هذا النموذج بدأ يتغير تدريجياً مع انتقال النقاش الثقافي إلى البيئة الرقمية، حيث أدخلت المنصات الاجتماعية بنية تقنية جديدة لتنظيم تداول الأفكار. المقالة الفكرية لم تعد تتحرك داخل فضاء تحكمه معايير التحرير الثقافي، ودخلت فضاء باتت تنظمه خوارزميات تعمل وفق مؤشرات رقمية محددة.

في هذا الفضاء الجديد لم يعد النص يخضع لمسار القراءة البطيئة التي كانت تمنحه قيمته داخل الحقل الثقافي، فقد أصبح النص جزءاً من تدفق يومي سريع للمحتوى. الحضور داخل هذا التدفق تحدده قدرة النص على إثارة تفاعل رقمي سريع أكثر ما تحدده قوة الفكرة أو عمق التحليل.

في حين يشكل مفهوم اقتصاد الانتباه الذي صاغه الاقتصادي الأمريكي هربرت سايمون، إطاراً تفسيرياً مهماً لفهم التحولات الجارية في تداول المعرفة، حيث لاحظ سايمون أن الوفرة الهائلة في المعلومات تنتج ندرة في الانتباه البشري. وفي البيئة الرقمية تحولت هذه الفكرة إلى قاعدة تنظيمية للمنصات الاجتماعية.

الخوارزميات التي تدير المنصات الرقمية تعمل على ترتيب المحتوى وفق مؤشرات التفاعل، فالمنشورات التي تحصد تعليقات ومشاركات كثيرة تحظى بظهور أكبر داخل الخلاصة الرقمية. وهو ما يجعل هذه الآلية مؤثرة في تشكيل المجال الثقافي نفسه.

هذا الواقع غيّر موقع المثقف داخل البنية الإعلامية، فالكاتب الذي كان ينتظر نشر مقاله في صحيفة أو مجلة، أصبح من المتاح أن ينشر نصه مباشرة في فضاء مفتوح، إذ بات انتشار النص مرتبطاً بموقعه داخل ترتيب المحتوى الذي تنتجه الخوارزمية، بعيداً عن موقعه داخل الحقل الثقافي والفكري التقليدي.

الخوارزميات وتنظيم المجال الثقافي الرقمي

وفي السياق السوري تتجلى هذه السلطة التقنية في قدرة المنصات على تحديد ما يظهر وما يختفي داخل النقاش الثقافي، فيحصل النص الذي يحقق نشاطاً رقمياً واسعاً على انتشار أكبر، بينما تبقى نصوص أخرى في دائرة قراءة محدودة. هذا الترتيب لا يقوم بأي حال من الأحوال على تقييم معرفي، بقدر ما ينبني فقط على مؤشرات رقمية تقيس التفاعل. ولتكون النتيجة أن الخوارزمية أصبحت تشارك في تشكيل المجال الثقافي السوري باعتبارها آلية تنظيمية تتحكم في تدفق الخطاب العام.

الكاتب غازي الأخرس، اعتبر خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن التحول الذي أحدثته المنصات الرقمية لم يقتصر على نقل النقاش الثقافي إلى وسيط تقني جديد، إنما أعاد تشكيل طبيعة التأثير الفكري نفسه داخل المجال العام. ورأى أن الخوارزميات أدخلت معياراً جديداً في تداول الأفكار يقوم على حجم التفاعل وسرعة الانتشار، الأمر الذي جعل النصوص الفكرية تتحرك داخل فضاء يختلف عن البيئة التي تشكل فيها حضور المثقف التقليدي.

وأضاف أن المجال الثقافي العربي، بما في ذلك الحالة السورية، كان يقوم تاريخياً على منظومة مؤسساتية تشمل الصحف الثقافية والمجلات الفكرية ودور النشر والندوات الجامعية. “داخل هذه المنظومة كان النص يكتسب مكانته عبر الزمن وعبر النقاش النقدي، أما في البيئة الرقمية فإن ترتيب المحتوى داخل المنصات يخضع إلى حد كبير لآليات خوارزمية تعتمد مؤشرات التفاعل”.

وأشار إلى أن هذا التحول خلق وضعاً جديداً للمثقف داخل المجال العام. معتبراً أن هذه البيئة الرقمية أعادت تعريف مفهوم التأثير الثقافي نفسه، فالمكانة الفكرية التي كانت تتشكل عبر التراكم المعرفي الطويل أصبحت تتقاطع اليوم مع مؤشرات رقمية تقيس حجم المتابعة والنشاط التفاعلي. لافتاً إلى أن “هذا الواقع لا يلغي أهمية الخطاب الفكري، لكنه يضعه داخل نظام تداول مختلف تتحكم فيه بنية تقنية معقدة تشارك في تنظيم مسارات النقاش العام”.

المثقف داخل مجتمع الشبكات

عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز وصف التحولات المعاصرة ضمن مفهوم مجتمع الشبكات. في هذا المجتمع تنتقل السلطة الرمزية من المؤسسات المركزية إلى شبكات اتصال واسعة.

البيئة السورية الرقمية تعكس هذا التحول بوضوح، فالنقاشات الفكرية والسياسية باتت تنتقل بسرعة بين الحسابات الشخصية والمنصات الإعلامية وصفحات التعليق.

هذه الشبكة لا تعمل وفق منطق الحقل الثقافي الذي وصفه بيير بورديو. بورديو رأى أن الإنتاج الثقافي يتحرك داخل حقل تحكمه معايير الشرعية الفكرية والرأسمال الرمزي، حيث تتحدد مكانة الكاتب عبر الاعتراف النقدي والمؤسسات الثقافية. وقد عرف المجال الثقافي السوري هذا النمط لفترة طويلة، حين كانت المجلات الأدبية والصفحات الثقافية في الصحف تمثل إحدى البوابات الأساسية لترسيخ الحضور الفكري للكتاب والمثقفين.

هذا التحول أعاد تعريف معنى التأثير الثقافي، ففي النموذج التقليدي كان التأثير يتشكل عبر التراكم المعرفي داخل الحقل الثقافي. حيث يكتسب الكاتب شرعيته عبر النقد الفكري والحضور في النقاش الأكاديمي.

أما في البيئة الرقمية ظهر معيار جديد يقيس الحضور عبر الأرقام. عدد المتابعين، حجم المشاركات، سرعة الانتشار، كلها مؤشرات أصبحت جزءاً من صورة التأثير الثقافي. هذه المؤشرات لا تقيس بالضرورة عمق النص أو أثره المعرفي، لكنها تحدد موقعه داخل النظام الخوارزمي للمنصة.

يتحرك الخطاب الثقافي السوري اليوم داخل فضاء تنظمه خوارزميات رقمية تضبط إيقاع تداول الأفكار وترتيب حضورها في المجال العام. داخل هذا الفضاء تتغير شروط ظهور النص وتأثيره، وتدخل الكلمة في دورة نشر جديدة تحكمها بنية تقنية واسعة. وهكذا يجد المثقف نفسه أمام مشهد ثقافي مختلف، حيث يتقاطع التراكم المعرفي مع منطق رقمي يعيد رسم خريطة الحضور الفكري في المجال العام.

 

 

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

الأونروا: شمال الضفة الغربية يشهد أكبر موجة نزوح منذ 1967

محرر الخليج

الأوطان تُبنى بالرؤية والقيم والعزيمة

محرر الخليج

خمسة أشياء يتعين معرفتها عن المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة 2025

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More