«نبض الخليج»
أبوظبي في 9 مارس/وام/ أكد معالي العلامة الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيّه رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي أن يوم زايد للعمل الإنساني
مناسبة تهدف إلى استحضار مآثر الشيخ زايد، طيب الله ثراه، والتذكير بها؛ لتكون نموذجًا يُقتدى به للأجيال الحالية والمقبلة، وذكرى خالدة على مر العصور.
وقال : نلتقي الليلة تحت شعار: “الاعتدال”؛ ففي زمنٍ تتعاظم فيه موجات الغلوّ والكراهية، يصبح الحديث عن الاعتدال من واجب الوقت؛ لأن التحديات التي تمر بها الإنسانية—حروبًا وأزماتٍ واستقطابًا—توشك أن تجعل التطرّف هو اللغة السائدة التي تطغى على لغة الرحمة والحكمة.
ونوه بالقيم العربية الإسلامية و الإنسانية الأصيلة في الاعتدال والتسامح، نهج الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه؛ نهجٌ ترجم القيم إلى مؤسسات، والرحمة إلى فعل إنسانيّ دائم، والحكمة إلى سياسة متزنة، فصار الاعتدال أسلوب حياة ونموذج دولة.وقال إن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من أحداثٍ وتحدياتٍ يذكّرنا أكثر من أي وقتٍ مضى بقيمة نهج الاعتدال والحكمة. فقد جعلت دولة الإمارات العربية المتحدة من السلم منهجًا ثابتًا، ومن الاعتدال سياسةً راسخة، متمسكةً بثوابت العدل، واحترام سيادة الدول، وصون أمن المجتمعات واستقرارها.
وقد أثبتت القيادة الحكيمة للدولة، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله وأعزه ووفقه، قدرةً فائقة وكفاءة عالية على إدارة هذه التحديات بروحٍ من الحكمة والثبات، بما يحفظ أمن الوطن، ويصون استقرار المنطقة، ويؤكد أن الاعتدال نهجٌ أصيلٌ في بناء الدولة، وقوةٌ تحفظ المجتمع، وسبيلٌ يعزّز أسباب السلم والاستقرار.
وقال إن هذه الأحداث لم تؤكد الحاجة إلى هذا النهج فحسب، بل كشفت كذلك عن قوته ومتانته؛ إذ تجلّت الحكمة والاعتدال في المواقف والقرارات، كما تجلّتا في المجتمع الذي نشأ في ظلال هذا النهج، مجتمعٍ واعٍ من مواطنين ومقيمين، جسّد قيم التلاحم والمسؤولية والسكينة، في أوقات الرخاء كما في أوقات الشدة.
وأضاف :إن الشدائد محكّ معادن الرجال ومختبر قيم الشعوب، فمن كان معدنه ذهباً فإنّ الاختبار يزيده تألقاً ونضارة، وكما جاء في الحديث ” الناس معادن كمعادن الذهب والفضة” أخرجه مسلم، وكما قيل: “الناس في السكينة سواء فإذا جاءت المحن تباينوا”:
ونوه إلى أن الاعتدال منهج شرعيٌّ وضرورةٌ إنسانية ” فالاعتدال في الإسلام هو ميزان الشريعة الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، وهو الطريق القويم الذي يحفظ للإنسان دينه ودنياه. فهو نقيض الغلوّ والتنطّع والتشدّد، وقد حذّر منها النبي ﷺ فقال: «إيّاكم والغلوّ في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلوّ في الدين»، وقال أيضاً: «هلك المتنطّعون»، وفي الأثر: «لا تشدِّدوا على أنفسكم فيشدَّد الله عليكم».
وأضاف: الاعتدال في جوهره ميزانٌ جامعٌ يقوم على العدل والحكمة؛ يضع الأمور في مواضعها، ويوازن بين النصوص ومقاصدها، وبين الثبات في الأصول والمرونة في الفروع؛ فيتحقق به صلاح الدين وتستقيم به شؤون الحياة..ولذلك فإن الاعتدال ليس “منطقةً رمادية” بين حقٍّ وباطل، بل هو طريق الحقّ حين يُفهم فهماً صحيحاً ويُمارَس ممارسةً رشيدة.
وتابع: ويتجلّى الاعتدال في الشريعة على مختلف المستويات:
فالاعتدال هو التوازن الروحي والنفسي الذي يعلّم الإنسان التعامل مع تقلبات الحياة: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾.
وهو القَوام الذي يحقق التوازن في المعاش: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يُسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾.
وهو السبيل الوسط حتى في العبادة: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تُخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً﴾.
ونبه إلى أن ديناً يعدُّ مجرد التطويل في الصلاة فتنةً وتنفيراً، لحريٌّ أن يوصف بأنه دينُ الاعتدال؛ ففي الحديث الصحيح: «إن منكم مُنفِّرين»، وقال لمعاذ: «أفتّانٌ أنت يا معاذ؟».
ثم تحدث عن : زايد “نموذج الاعتدال” فقال :تتجسد هذه المقاصد في إرث الشيخ زايد، طيب الله ثراه، إذ كان نموذجاً عملياً للاعتدال في رعاية الإنسان، وبناء الاتحاد، وإدارة العلاقات الإقليمية والدولية، وفلسفة التنمية، والعمل الإنساني الذي لم يعرف حدوداً ضيقة..بل كان يقدّم الخير والمعروف للإنسان حيثما كان، بل وللأحياء جميعاً؛ فقد جاء في الحديث”: في كل كبدٍ رطبةٍ أجر”، وقد عُرف عن الشيخ زايد أنه خصص أموالاً لإطعام الطير، فكان بذلك مطعمَ الطير الثاني في تاريخ العرب؛ إذ لم تُعرف العرب مطعماً للطير قبل ذلك إلا جدَّ النبي صلى الله عليه وسلم عبدَ المطلب، الذي كان يُسمّى مطعم الطير.
وهكذا تحوّل العمل الإنساني في هذا النهج إلى أثرٍ مستمر: في بناء الأوقاف، ومشاريع النفع العام، وغوث المنكوبين، ومساندة الضعفاء، حتى صار فعل الخير جزءاً من هوية الدولة. وقال : ومن مفاتيح هذا النهج الحكمة؛ فبالحكمة ينشأ الاستقرار والازدهار والتسامح، وهي ميزانٌ يزن الأقوال والأفعال، ويرجّح بين الأمور، ويصل بين المبدأ والمصلحة، وبين الهوية والانفتاح بلا تفريط ولا إفراط. ولذلك كانت مدرسة زايد مدرسةَ سياساتٍ متزنة، تنشد السلم، وتفتح آفاق التنمية، وتجمع بين الأصالة والانفتاح، وقد زاوجت بين التمسك بالسلم والرفض القاطع للظلم، منطلقةً من قناعةٍ راسخة بأن العالم لا يسعه إلا السلام، ولا تحميه إلا العدالة. ومن هنا غدت دولة الإمارات وجهةً يؤمها الناس من مختلف بقاع الأرض للمشاركة في التنمية والإعمار، في بيئةٍ توازن بين الترحيب بكل إسهامٍ إيجابي، وبين حماية قيم المجتمع ومرتكزاته الثابتة، استلهامًا لِلنداء المأثور في هذا الموسم المبارك: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. وتوجه بالدعاء للشيخ زايد سائلا الله الكريم في هذه الليلة المباركة أن يحفظ دولة الإمارات، وأن يديم عليها نعمة الأمن والإيمان، وأن ينزل شآبيب رحمته وفضله على القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويسند بعنايته التامة وحفظه الكامل وتوفيقه الشامل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ، ونائبيه وولي عهده الأمين، ويديم على بلدنا الازدهار والنماء وأن يحفظها من كيد الكائدین وحسد الحاسدين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
