«نبض الخليج»
لم تكد صدمة وفاة طفلة في قرية الشيخ أحمد بريف حلب الشرقي تهدأ، بعد سقوطها في بئر، حتى بدأ خبر جديد يتردد عن حادثة مشابهة لطفل سقط في بئر بمنطقة صوران بريف حماة.
ومع تكرار هذه الحوادث خلال الفترة الأخيرة، لم تعد أخبار سقوط الأطفال في الآبار تبدو حوادث فردية أو معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة مقلقة في عدد من المناطق السورية، وسط تساؤلات متزايدة حول المسؤولية بين الأهالي والجهات الحكومية، في ظل غياب إجراءات واضحة تمنع تكرار هذه المآسي.
وكانت فرق الدفاع المدني السوري أعلنت استجابتها لحادثة سقوط طفلة في بئر ارتوازي جنوب مدينة كويرس بريف حلب الشرقي، وتمكنت الفرق من استخراج الطفلة، لكنها كانت قد فارقت الحياة، دون وجود أي استجابة أو علامات حيوية.
وأظهر التقرير الطبي الصادر عن مشفى مدينة الباب، الذي نُقلت إليه الطفلة، أن سبب الوفاة كان الغرق داخل مياه البئر.
وقبل هذه الحادثة بفترة قصيرة، تمكنت فرق الدفاع المدني من إنقاذ طفل سقط في بئر بعمق نحو 30 متراً قرب مدينة الطبقة بمحافظة الرقة، وذلك بعد عملية إنقاذ معقدة استمرت أكثر من ست ساعات.
ويعكس تكرار هذه الحوادث في أوقات متقاربة، وفي ظروف متشابهة، حجم الخطر الذي تمثله الآبار المكشوفة المنتشرة في القرى والمدن السورية، والتي تحولت في كثير من الأحيان إلى مصائد غير مرئية قد تخطف أرواح الأطفال.
كما أثارت هذه الحوادث حالة من الغضب والنقاش بين الأهالي، الذين ينقسمون في تحميل المسؤولية بين أصحاب الآبار من جهة، والجهات الحكومية المعنية بتنظيمها ومراقبتها من جهة أخرى.
حوادث متشابهة.. والآبار الخاصة في الواجهة
يوضح مسؤول فرق البحث والإنقاذ في الدفاع المدني السوري بوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، وسام زيدان، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن معظم حوادث سقوط الأطفال في الآبار تحدث داخل آبار خاصة تقع ضمن منازل العائلات أو في الأراضي التابعة لها.
ويشير زيدان إلى أن فرق الدفاع المدني لم تسجل حتى الآن حالات سقوط في آبار عامة، لافتاً إلى أن كثيراً من هذه الحوادث يرتبط بغياب التغطية الآمنة للآبار داخل المنازل أو الأراضي الزراعية.
ولا تتوفر حتى الآن تقديرات دقيقة لعدد الآبار المكشوفة أو غير الآمنة في سوريا، إذ يصعب حصر الآبار الموجودة داخل الأملاك الخاصة.
ومنذ بداية العام الحالي وحتى إعداد هذا التقرير، استجابت فرق الدفاع المدني لتسعة حوادث سقوط في آبار: حالتان في كانون الثاني، وثلاث في شباط، وأربع في آذار الجاري.
كما نفذت فرق الدفاع المدني خلال عام 2025 ما مجموعه 37 عملية استجابة مرتبطة بسقوط أشخاص داخل آبار.
عمليات إنقاذ معقدة
وبحسب زيدان، فإن معظم هذه الحوادث تتشابه من حيث الظروف المحيطة بها، ففي حادثة منطقة كويرس بريف حلب، سقطت طفلة يتراوح عمرها بين عامين وثلاثة أعوام في بئر بعمق نحو 20 متراً يحتوي على مياه.
وقعت الحادثة في ساعات العصر، لكن العائلة لم تبلغ عن فقدان الطفلة إلا قرابة الساعة الحادية عشرة ليلاً، ما يعني أنها بقيت في الماء نحو ست ساعات، وعند وصول فرق الإنقاذ إلى المكان، أظهرت الكاميرات المتخصصة أن منافذها التنفسية كانت مغمورة بالماء.
وفي إحدى عمليات الإنقاذ الأخيرة في مدينة الطبقة، واجهت الفرق تحديات كبيرة لإنقاذ طفل سقط في بئر ضيق، وبدأت الفرق محاولاتها بإنزال الحبال والعقد لتثبيت الطفل، بالتوازي مع حفر حفرة موازية للبئر للوصول إليه، كما جرى استدعاء فرق دعم ومعدات إضافية، وحتى إنزال أحد عناصر الإنقاذ ذوي البنية الصغيرة داخل البئر، لكن ضيق البئر حال دون تثبيت الحبل بشكل آمن، ما دفع الفرق إلى اللجوء إلى تقنية مختلفة، تمثلت باستخدام خطاف صغير مثبت في أنبوب مرن مزود بكاميرا، ومن خلال هذه التقنية تمكنت الفرق من تثبيت الخطاف في لباس الطفل وسحبه بحذر إلى الخارج.
ويؤكد زيدان أن عمليات الإنقاذ من الآبار تُعد من أكثر عمليات الإنقاذ تعقيداً، إذ تختلف كل عملية عن الأخرى بحسب عمق البئر وقطره وطبيعة التربة ووضعية الضحية داخله.
ولهذا تعتمد فرق الإنقاذ على عدة سيناريوهات متزامنة، مثل الحفر الموازي للبئر أو استخدام الحبال والحلقات والخطافات الخاصة.
كما يعد استخدام الكاميرات المتخصصة من الأدوات الأساسية في مثل هذه العمليات، لأنها تسمح للفرق برؤية وضع الضحية داخل البئر قبل اتخاذ أي خطوة.
فجوة قانونية في التعامل مع الآبار الخاصة
لكن الخطر لا يرتبط فقط بصعوبة عمليات الإنقاذ، بل يتصل أيضاً بوجود فجوة قانونية في تنظيم وتأمين الآبار الخاصة.
فالقانون رقم 31 لعام 2005، المعروف بقانون التشريع المائي، ينظم عمليات حفر واستثمار الآبار ومنح التراخيص المتعلقة بها، لكنه لا يتطرق بشكل واضح إلى إجراءات السلامة أو إلزامية تأمين فوهات الآبار داخل الملكيات الخاصة.
وللحصول على توضيحات رسمية حول مسؤولية تأمين الآبار، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع مديرية الإعلام في وزارة الطاقة، لكنه لم يتلق رداً حتى ساعة إعداد هذا التقرير.
في المقابل، كان مدير الإعلام في الوزارة عبد الحميد سلات قد أوضح في تصريحات لصحيفة “الثورة” أن مراقبة تسوير وتغطية الآبار تقتصر على الآبار العائدة للهيئة العامة للموارد المائية وآبار مياه الشرب التابعة للمؤسسات العامة.
أما الآبار الخاصة، سواء الزراعية أو الصناعية أو السياحية، فتقع مسؤولية تأمينها على عاتق مالكيها باعتبارها ضمن الملكيات الخاصة.
وأشار سلات إلى وجود نحو 147 ألف بئر مرخص مقابل 124 ألف بئر غير مرخص، في إحصائية تحتاج إلى تحديث، بسبب عدم شمولها جميع المناطق السورية، خاصة المناطق الشرقية والشمالية الشرقية.
في المقابل، يشير مسؤول فرق البحث والإنقاذ في الدفاع المدني السوري بوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، وسام زيدان إلى أن التعامل مع الآبار المكشوفة كان يواجه سابقاً صعوبات قانونية، إذ لم يكن هناك إطار واضح يسمح للجهات المختصة بالتدخل المباشر داخل الملكيات الخاصة، ففي كثير من الحالات كان تدخل الفرق يقتصر على تقديم المساعدة في تأمين البئر عند تلقي بلاغ، أو ردمه بعد الحصول على موافقة مالكه.
ويضيف زيدان أن هناك حالياً تنسيقاً بين الدفاع المدني والجهات الحكومية المعنية للعمل على إعداد إطار قانوني ينظم التعامل مع الآبار المكشوفة، ويحدد آليات الاستجابة والتعامل مع الآبار الموجودة في الأماكن العامة أو في المواقع التي لا يُعرف مالكوها.
وفي آب 2025، أصدرت وزارة العدل السورية تعميماً لتشديد الإجراءات ضد المخالفين لقانون حفر الآبار، إلا أن التعميم كان يهدف أساساً إلى حماية المياه الجوفية من الاستنزاف.
كما حظرت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية إدخال حفارات الآبار إلى سوريا دون موافقة مسبقة من وزارة الطاقة، في محاولة لضبط إدخالها في ظل الظروف المناخية الجافة.
ما الحلول الممكنة؟
يحذر الدفاع المدني السوري، عبر منشورات توعوية على مواقع التواصل الاجتماعي، من مخاطر الآبار المفتوحة، داعياً إلى إغلاقها وتأمينها لحماية الأطفال من السقوط فيها، ويوصي بإغلاق فوهات الآبار المفتوحة أو المهجورة بشكل آمن، وتأمين الآبار المستخدمة وتغطيتها جيداً ووضع أقفال لها.
كما يشدد على ضرورة رفع فتحات الآبار فوق مستوى الأرض بنحو 50 سنتيمتراً على الأقل لتقليل احتمالية السقوط فيها، ويدعو أيضاً إلى التعاون المجتمعي لإغلاق الآبار المكشوفة، خاصة في البلدات والقرى التي عاد إليها سكانها بعد سنوات من التهجير، إضافة إلى توعية الأطفال بخطورة الاقتراب من الآبار المفتوحة، كما يشجع الأهالي على الإبلاغ عن الآبار المكشوفة أو المهجورة ليتم تأمينها أو ردمها.
في المقابل، يقترح متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي تشكيل مجموعات محلية لحصر الآبار داخل القرى أو في الأراضي المحيطة بها، وإغلاق غير المستخدم منها، كما يدعون إلى تسوير الآبار المستخدمة بالبلوك أو الحجر ووضع شبك وأقفال تمنع سقوط الأطفال.
ودعا آخرون الجهات المختصة إلى متابعة ملابسات هذه الحوادث، كما طالبوا وزارة الأوقاف بتعميم توجيهات على أئمة المساجد لتنبيه الأهالي إلى ضرورة مراقبة أطفالهم وعدم تنقلهم بمفردهم، إضافة إلى فتح المساجد كمساحات آمنة للعب.
وفي ظل استمرار خطر الآبار المكشوفة في القرى السورية، تبرز الحاجة إلى إطار قانوني واضح يسمح للسلطات بالتدخل لحماية الأطفال دون الحاجة إلى موافقات فردية، إلى جانب تعزيز جهود الدفاع المدني في الاستجابة السريعة لكل حادثة.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
