تقارير

الفيلر والبوتوكس.. كيف أصبحت إجراءات التجميل السريعة ترنداً بين شابات سوريا؟

الفيلر والبوتوكس.. كيف أصبحت إجراءات التجميل السريعة ترنداً بين شابات سوريا؟

«نبض الخليج»  

في غرفة صغيرة داخل أحد مراكز التجميل في مدينة حمص، تجلس شابة أمام مرآة مضاءة بضوء أبيض قوي، ترفع هاتفها قليلاً لالتقاط صورة لشفتيها قبل الحقن، ثم تضعه جانباً بانتظار الإجراء الذي لن يستغرق أكثر من دقائق.

بعد قليل، ستلتقط صورة أخرى، والفرق بين الصورتين هو ما يملأ صفحات إنستغرام اليوم: شفاه أكثر امتلاءً، وجبهة أكثر نعومة، ووجه يبدو أصغر سناً.

هكذا تحولت حقن الفيلر والبوتوكس إلى واحدة من أكثر الإجراءات التجميلية انتشاراً بين الشابات في سوريا، في سوق يتوسع بسرعة مدفوعاً بالسوشال ميديا، وبالرغبة في تحسين المظهر، وبقطاع تجميل يبحث باستمرار عن زبونات جديدات.

لكن خلف الصور المصقولة، يتشكل سوق يتداخل فيه الطب مع التجارة، والترند مع المخاطر.

كلفة كبيرة وأعمار صغيرة

تلاحظ الطبيبة العامة فينوس غالي التي تعمل في أحد مراكز التجميل في مدينة حمص، أن معظم الزبونات اللواتي يطلبن الفيلر أو البوتوكس ينتمين إلى فئة عمرية محددة.

تقول إن الأعمار الأكثر إقبالاً على هذه الإجراءات تتراوح غالباً بين 23  و35 عاماً، وهي فئة شابة نسبياً مقارنة بما كان يُعرف سابقاً عن هذه الحقن بوصفها مرتبطة أكثر بعلامات التقدم في العمر.

لكن الطريق إلى هذه “اللمسة التجميلية السريعة” ليس بسيطاً دائماً من ناحية الكلفة، إذ توضح غالي أن أسعار البوتوكس تتراوح عادة بين 250 ألفاً و800 ألف ليرة سورية، بينما تتراوح كلفة الفيلر بين 400 ألف ومليون ومئتي ألف ليرة.

وتشير إلى أن الفارق في السعر يرتبط بعدة عوامل، من بينها نوع المادة المستخدمة والمنطقة التي يتم حقنها، إضافة إلى خبرة الطبيب أو المركز الذي يقدم الخدمة.

نصف الراتب ثمن حقنة

تقول سارة (33 عاماً) لموقع تلفزيون سوريا إنها فكرت بالأمر عندما كانت أصغر سناً، لكنها لم تقدم عليه مباشرة بسبب التردد.

وتضيف أنها قررت في النهاية إجراء الحقن عندما بلغت الثامنة والعشرين، “رأيت كثيراً من الناس يقومون بالحقن، فشعرت أن الإجراء بسيط وتشجعت”.

لكن التجربة الأولى لم تكن مطمئنة، تشرح: “عندما رأيت النتيجة أول مرة خفت كثيراً، كان فمي متورماً بشكل غريب”.

بعد أيام تغيرت نظرتها إلى التجربة، فتقول: “بعد أن خف التورم أعجبتني النتيجة، ومنذ ذلك الوقت، أي منذ نحو ست سنوات، وأنا أعيد التجربة”.

تجميل سريع بمخاطر طبية

تقول طبيبة جراحة تجميلية في مشفى المواساة بدمشق إن معظم الحالات التي تصل إلى العيادات لا تكون “اختلاطات خطيرة”، لكنها قد تسبب نتائج غير مرغوبة شكلياً.

وتشير الطبيبة التي رفضت ذكر اسمها إلى أن أكثر الحالات تصاب بما يُعرف بـ “الفيلر المهاجر”، حيث تتحرك المادة المحقونة من مكانها إلى منطقة أخرى في الوجه.

وتتابع: “هذا لا يعتبر اختلاطاً خطيراً طبياً، لكنه يسبب شكلاً غير جميل للوجه، وغالباً ما نضطر لإذابة هذا الفيلر”، لكن هناك مضاعفات أكثر خطورة تتطلب تدخلاً سريعاً.

وأوضحت الطبيبة: “عندما يُحقن الفيلر داخل وعاء دموي قد يحدث انسداد، وهذا يؤدي إلى تورم شديد وألم قوي ويحتاج إلى تدخل سريع جداً.. وفي مثل هذه الحالات، يجب استخدام مواد مذيبة للفيلر بسرعة لمنع تطور المشكلة.. أما بالنسبة للبوتوكس، فمن الاختلاطات الممكنة للبوتوكس تدلي الحاجب أو الجفن”.

وتضيف أن هذه الحالة قد تكون مزعجة للمريض لأنها تضغط على العين وتسبب شعوراً بعدم الارتياح. لكنها في المقابل تؤكد أنه “لا يوجد حل مباشر وغالباً ما نضطر للانتظار حتى تزول فعالية البوتوكس، وهذا قد يستغرق ثلاثة أو أربعة أشهر أحياناً”.

من يحق له القيام بهذه الإجراءات؟

ترى الطبيبة أن المشكلة الكبرى في هذا المجال لا تتعلق بالمادة نفسها، بل بمن يقوم بالحقن، وأن كثيراً من الأشخاص الذين يقدمون هذه الخدمات في سوريا ليسوا مؤهلين طبياً للقيام بها.

وتشرح أن الطبيب يكون على دراية بتشريح الوجه والعضلات والأوعية الدموية، إضافة إلى معرفته بالمضاعفات المحتملة وكيفية التعامل معها.

“الطبيب يعرف أن الشحوب المفاجئ أو الألم الشديد في أثناء الحقن قد يكون دليلاً على أن الحقن دخل داخل وعاء دموي، ويعرف كيف يتصرف بسرعة على عكس الشخص غير المختص”.

أين ينتهي التجميل ويبدأ الطب؟

توضح الطبيبة أن خبيرة التجميل يمكنها العمل في إجراءات العناية بالبشرة السطحية مثل تنظيف البشرة وجلسات الليزر والعلاجات التجميلية غير الحقنية فقط.

وتؤكد: “أما الحقن فيجب أن يقوم به طبيب مدرب، لأنها تتطلب معرفة دقيقة بتشريح الوجه وبالاختلاطات المحتملة”، مضيفة أن الخبرة العملية مهمة أيضاً، لكنها لا يمكن أن تعوض التأهيل الطبي الأساسي.
يتفق معها الطبيب ماهر بارودي بأن كثير ممن يقدّمون خدمات الفيلر والبوتوكس في سوريا لا يملكون مؤهلات طبية، حيث يقول لموقع تلفزيون سوريا: “تنتشر في سوريا بشكل كبير الدورات التدريبية التي تدّعي تأهيل المشاركين لإجراء هذه الحقن خلال فترة قصيرة قد لا تتجاوز أسبوعين”.
كما يلفت إلى انتشار ظاهرة الشهادات الوهمية أو المبالغ في قيمتها، حيث تعلن بعض المعاهد أن شهاداتها معتمدة من منظمات عالمية، وهو ما لا يكون صحيحاً في كثير من الحالات.

الجسد كمساحة أخيرة للسيطرة

ترى المعالجة النفسية بيترا نوفل أن انتشار إجراءات التجميل في المجتمعات التي عاشت سنوات من الحرب لا يمكن فهمه من زاوية الجمال فقط، بل يرتبط أيضاً بطبيعة التجربة النفسية التي يعيشها الأفراد في ظروف عدم الاستقرار.

وتقول إن الجسد قد يتحول في مثل هذه الظروف إلى المساحة الأخيرة التي يشعر الإنسان أنه قادر على التحكم به، بحسب تعبيرها، تشرح في حديثها لموقع تلفزيون سوريا: “في خضم الحرب، حيث يسود الفقدان وعدم اليقين وعندما تفقد السيطرة على مصيرك، أو بيتك، أو عملك، أو حتى سلامتك، فإن تعديل مظهرك يمنحك وهماً لطيفاً باستعادة زمام الأمور”.

التجميل كطريقة لاستعادة التوازن

وتعتبر نوفل أنّ “الحرب تولد مشاعر الخوف، والقبح الداخلي، والتشوه المعنوي”، مضيفة أن العيش في بيئة مملوءة بالدمار قد يدفع الإنسان إلى البحث عن مساحة صغيرة من الجمال في حياته اليومية، مردفة: “عندما يعيش الإنسان في محيط مملوء بالدمار، قد يلجأ إلى تجميل ذاته كوسيلة لخلق مساحة من الجمال والنظام في عالم يبدو فوضوياً وقاسياً”.

كما أن القبول الاجتماعي، بحسب نوفل، يصبح حاجة أكثر إلحاحاً في أوقات الأزمات، توضح: “البحث عن نظرة إعجاب أو قبول قد يكون تعويضاً عن مشاعر الرفض أو التهميش التي تخلفها الحرب”.

من يحدد معايير الجمال؟

بينما ترى نور (33 عاماً) أن قرار التجميل لا يمكن اعتباره خياراً فردياً بالكامل لأنه يتأثر بالمعايير التي يضعها المجتمع للجمال.

وتقول نور في حديثها لموقع تلفزيون سوريا إن بعض الأشخاص يلجؤون إلى هذه الإجراءات بدافع شخصي لتحسين مظهرهم أو لزيادة ثقتهم بأنفسهم، خصوصاً في ما يتعلق بتفاصيل مرتبطة بالتقدم في العمر أو بعض التشوهات.

توضح: “يمكن اعتباره خياراً شخصياً للأشخاص الذين يحبون تحسين شكلهم أو تعزيز ثقتهم بأنفسهم. لكن في الوقت نفسه لا يمكن إنكار الإطار الذي يضعه المجتمع للشكل الخارجي”.

وتشير إلى أن انتشار السوشال ميديا لعب دوراً كبيراً في تثبيت معايير محددة للشكل المقبول معتبرة أن “المؤثرين ينشرون صوراً متشابهة ويقدمون معايير محددة للشكل والجمال”.

وترى أن كثيراً من الناس يعتقدون أن قرار التجميل شخصي، لكنه، برأيها، يتأثر بشكل غير مباشر بالصورة التي يفرضها المجتمع.

سوق التجميل يتوسع خارج التنظيم

وبين صور الشفاه الممتلئة التي تنتشر على منصات التواصل، وعلى اختلاف العيادات التي تقدم هذه الحقن، يتشكل في سوريا سوق تجميلي متنامٍ يتقاطع فيه الطب مع التجميل.

لكن هذا التوسع يحدث في مساحة تنظيمية غير واضحة، حيث تتداخل الإجراءات الطبية مع خدمات التجميل التجارية. وبين الرغبة في تحسين المظهر، وتأثير الترند. وفي غياب الضوابط الواضحة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحول هذا المجال إلى قطاع طبي منظم، أم يستمر كسوق تجميل سريع النمو تحكمه الموضة أكثر مما تحكمه القواعد الطبية؟
 

 

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

لبنان يقيم أكبر مائدة إفطار جماعي في العالم

محرر الخليج

الأمين العام: العمل جار لجعل عمليات السلام الأممية أكثر ملاءمة للواقع

محرر الخليج

رئيس الدولة ونائباه يعزون خادم الحرمين بوفاة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More