«نبض الخليج»
مع انقضاء أيام شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تتباين صور الطقوس التي عاشها السوريون بين منازل مستقرة وخيام نزوح تفتقر لأبسط مقومات الحياة، فبينما امتلأت البيوت بالمائدة واللمة وروائح الطعام، وحافظت العائلات على طقوسها المعتادة من إفطار وسهرات رمضانية، بدت الصورة مختلفة تماماً في المخيمات.
هناك، في الخيام الهشة، اختلطت مشقة الحياة اليومية بمحاولات الحفاظ على الحد الأدنى من روح الشهر، وتحوّلت موائد الإفطار إلى لحظات بسيطة يغلب عليها التقشف، فيما وجد الأطفال فرحتهم في تفاصيل صغيرة، وسعى الكبار إلى التمسك بما تبقى من طقوس تمنحهم شعوراً بالتماسك.
ورغم قسوة الظروف، من تسرب المياه إلى الحر والبرد وتقلبات الطقس، حرص الأهالي على صناعة أجواء رمزية لرمضان، منتظرين أن تحمل أيامه الأخيرة بصيص أمل، قبل أن يطل العيد على واقع ما يزال مثقلاً بالنزوح والمعاناة.
“لقمة بين العوز والانتظار”
“كل رمضان منقول السنة الجاية إن شاء الله منكون بحال أفضل، منكون ببيت، منفطر تحت سقف مو تحت شادر ونقدر نأمّن لقمة”، بهذه الكلمات يختصر محمد ثلجي، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أمنية تتكرر مع كل عام من دون أن تتحقق، فبالنسبة له، لا يشبه رمضان في المخيم ما يتخيله الآخرون فالإفطار يبدأ أولًا من فكرة الأمان بمكان جاف يحمي العائلة قبل أي طقس آخر.
يقول محمد إنه يحلم بأن يجلس مع عائلته حول مائدة بسيطة من تعب يديه داخل منزل يحتضنهم، لا داخل خيمة تتبدل أحوالها مع كل تغيّر في الطقس، مضيفاً أنّ سنوات النزوح أثقلت تفاصيل حياتهم اليومية: “تعبنا من غرق الخيم ومن انتظار الجمعيات حتى نأمّن لقمتنا، أحيانًا منلاقي طبخة بسيطة، وأغلب الوقت منعيش على اللي بتقدمو الفرق التطوعية”.
تعكس كلمات محمد واقع كثير من العائلات في المخيمات، حيث ما تزال الخيام رغم مرور السنوات مأوى هشاً لا يقي من برد الشتاء ولا حر الصيف، ومع كل مطر تعود المعاناة ذاتها مياه تتسرب إلى الداخل، وأرضيات تتحول إلى طين، ومحاولات مستمرة للحفاظ على قدر من الاستقرار داخل مساحة ضيقة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
رغم كل ذلك، يتمسك محمد وعائلته بما تبقى من روح رمضان ولو بحدها الأدنى، فالأمنية كما يقول “مو كبيرة بس نكون تحت سقف ناكل لقمة بدون ما نستنّى حدا، ولا نخاف من الجوع، ونحس إنو عايشين متل باقي الناس”.
“نساء المخيمات.. مطبخ غائب وبيت مفقود”
يُنظر إلى المطبخ لدى كثير من النساء بوصفه مساحتهن الخاصة و”ملعبهن” اليومي، خاصة في رمضان حيث تتحول تفاصيل الطهي إلى طقس يرتبط بالبيت والذاكرة واللمة، لكن في المخيمات تغيب هذه المساحة تمامًا، وتتحول مهمة إعداد الطعام إلى تحدٍ يومي في ظل نقص الإمكانات وغياب أبسط المقومات.
تقول “أم جود” لموقع تلفزيون سوريا، وهي تستعيد صورة المطبخ الذي تفتقده: “بشتهي يكون عندي مطبخ مجلى ورفوف، ومساحة أشتغل فيها، لو صغيرة بس يكون مطبخ حقيقي ببيت حقيقي يسترنا”.
وتوضح أن المعاناة لا تتوقف عند غياب المكان، بل تمتد إلى تأمين أبسط الاحتياجات: “أوقات منلاقي صعوبة حتى نحصل على الخبز فكيف بالأكل؟”، مشيرًة إلى أن العائلات كانت تعتمد في السابق بشكل كبير على دعم المنظمات الإنسانية، “بس اليوم وجودها صار شبه معدوم، وصار كل شي أصعب”.
وتضيف أن سنوات النزوح لم تجعل الخيمة بديلًا عن البيت: “صح إلنا سنين هون، بس هاد مو بيت التأقلم صعب، والتعود أصعب نحنا ممتنين إنها سترتنا بوقت صعب، بس اليوم تعبنا كتير”.
تتحدث “أم جود” عن رغبة بسيطة تختصر كل شيء: “حقنا متل أي عيلة، نفطر ببيت، تحت سقف، ونطبخ متل الناس ونعيش متلهم”، كلماتها تعكس واقع كثير من نساء المخيمات، حيث لم يعد الحديث عن طقوس رمضان مرتبطًا بالمائدة أو الأطباق، بل بالحصول على الحد الأدنى من مقومات الحياة، في انتظار انتقال طال أمده إلى واقع أكثر استقرارًا.
“على سفرة الإفطار في المخيمات أحلام لا تشبه الواقع”
تجلس العائلة على سفرة إفطار بسيطة داخل خيمتها، حيث تتوزع الأطباق القليلة وسط مساحة ضيقة تحاول أن تشبه “بيتًا” ليوم واحد في الشهر، الأب ينظر إلى أطفاله بصمت قبل أن يقول لموقع تلفزيون سوريا: “فطورنا بسيط متل خيمتنا وتعبان، الله بيعلم شو منفطر وشو منتسحر أغلب الوقت الجمعيات هي اللي بتأمّن وجبات، تعبنا ونحنا نشكي من طوفان الخيم والتعتير اللي عم نعيشو”.
يضيف وهو يتابع حديث أطفاله: “أوقات الولاد بيشوفوا شي بالمسلسلات، بيجوا بيقلولي: بابا بكرا بيصير عنا هيك بيت؟ ومنفطر متلن؟ وما بعرف شو جاوبهم”.
إلى جانبه، تحاول الزوجة ترتيب ما تبقى من السفرة، وتقول بصوت منخفض: “بناتي بيشتهوا يعملوا أكلات حلوة، يكون في تنوع متل اللي منشوفه بس نحنا يادوب عم نأمّن الأكل”، فتختصرالطفلة، أمنية بسيطة بكلماتها: “بتمنى أنا وأختي نقعد بالمطبخ ونعمل شي حلو بعد الفطور بس نحنا ما عنا لا أكل ولا حلو ولا مطبخ”.
وسط هذه التفاصيل، لا تبدو مائدة الإفطار مجرد وجبة، بل مساحة تختلط فيها الرغبات الصغيرة بعجز كبير، حيث تتحول أبسط الأشياء من مطبخ، حلوى، أو بيت إلى أحلام مؤجلة لعائلات ما زالت تعيش رمضان تحت سقف خيمة.
موائد إفطار تضمد جراح المخيمات
في ظل أوضاع معيشية صعبة تشهدها المخيمات، ينشط عدد من الفرق التطوعية لتقديم الدعم الرمضاني للأهالي، عبر إقامة موائد إفطار جماعية وتوزيع السلال الغذائية وكسوة الأطفال.
المهندس سارية بيطار، مدير فريق الحياة التطوعي، يوضّح أن الهدف ليس فقط سد جزء من الاحتياجات الملحّة، بل إيصال رسالة لأهل المخيمات بأنهم ليسوا وحدهم، وأن المجتمع معهم ولا ينسى معاناتهم.
ويبيّن أن الفريق يعمل على توفير السلال الغذائية ومواد التدفئة، وتنظيم فعاليات للأطفال تشمل كسوة العيد والعيديات، ليشعروا بفرحة الشهر الكريم رغم الظروف الصعبة، مشيرًا إلى أن هذه المبادرات رغم بساطتها مقارنة بحجم الاحتياجات، تمنح الأهالي طاقة أمل وتجعلهم يشعرون بأن حياتهم ليست محصورة داخل الخيم وحدها، بل أن هناك من يسعى لمساعدتهم وتخفيف العبء عنهم.
يؤكد بيطار أنّ العمل التطوعي لا يقتصر على تقديم الدعم الفوري، بل يمتد أيضاً إلى مشاريع إعادة الأهالي إلى منازلهم الأصلية، من خلال ترميم المرافق الحيوية وإجراء ترميم جزئي للمنازل المتضررة، بما يتيح لهم العيش بأمان وكرامة.
“نحن منعرف أن الحل الحقيقي لا يكمن فقط في المساعدات داخل المخيمات، بل في تمكين الناس من العودة إلى حياتهم الطبيعية، واستعادة كرامتهم، وإعادة بناء الروابط الاجتماعية التي قطعتها سنوات النزوح”، بهذه الرؤية عملت الفرق التطوعية خلال الشهر، وسعت هذه الجهود إلى تحويل رمضان، من شهر تثقل فيه المعاناة كاهل العائلات، إلى مساحة مؤقتة للفرح والتواصل واستعادة بعض من المعنى الإنساني، مع إبقاء الأمل حاضراً بإمكانية واقع أفضل لأهالي المخيمات.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
