تقارير

عيد الفطر في ألمانيا.. السوريون يعيدون تشكيل الفرح بين الحنين والاندماج

عيد الفطر في ألمانيا.. السوريون يعيدون تشكيل الفرح بين الحنين والاندماج

«نبض الخليج»  

في الغربة، لا تأتي الأعياد والمناسبات الاجتماعية كما في الأوطان، لكنها لا تغيب، تتسلل أجواء عيد الفطر مع بدء العد التنازلي لانقضاء شهر رمضان إلى تفاصيل الحياة اليومية بصمت، في ألمانيا وتحديدا العاصمة برلين تعج المحال العربية بأصناف المعجنات والبرازق والحلويات الشرقية، وفي المطابخ التي تستعيد روائح المعمول، وفي مكالمات العيد التي تعبر آلاف الكيلومترات.
هنا، في قلب ألمانيا، حيث يعيش ما يقارب مليون سوري، يتحول العيد إلى تجربة مركبة، تجمع بين ذاكرة الوطن ومحاولة بناء حياة جديدة، يُقدَّر عدد المسلمين في ألمانيا بأكثر من خمسة ملايين ونصف المليون، هذا العدد يجعل حضور العيد لا يقتصر على المساجد فقط، بل يمتد إلى الفضاء العام، ليصبح مناسبة اجتماعية واقتصادية تتقاطع فيها الهوية مع الاندماج، والدين مع السوق.

الحنين جزء من أعياد المغترب

بالنسبة لأم أحمد، لا يُقاس العيد بعدد الزيارات أو الحلويات، وإنما بما يحمله من أمل، في حديثها، يبدو واضحاً أن عيد هذا العام مختلف، ليس بسبب المكان، بل بسبب الإحساس بإمكانية العودة.
 تقول أم أحمد لـ”موقع تلفزيون سوريا”: “إن الطريق إلى قريتها أبو حجيرة فوقاني في ريف الحسكة لم يعد مغلقاً كما في السابق، بعد سنوات من القيود التي فرضتها الظروف الأمنية، وباتت إمكانية الزيارة متاحة بعد أن كانت حلم بعيد المنال”.

تتحدث أم أحمد عن العيد وفرصة زيارة الأهل وكأنه استعادة مؤجلة لعقد من الزمن للحياة الطبيعية “العيد هذه السنة له طعم مختلف” في جملة واحدة تختصر أم أحمد شعور شريحة واسعة من السوريين الذين يعيشون بين واقع مستقر نسبياً في ألمانيا، وذاكرة مفتوحة على بلد لم يُغلق باب أزماته تماماً بعد.

في هذا السياق، يصبح العيد أكثر من مناسبة دينية، بل لحظة مكثفة للحنين، حيث تختلط مشاعر الفرح بإحساس الغياب، وتتحول الطقوس إلى وسيلة للحفاظ على ما تبقى من الروابط العائلية.

معمول العيد.. المطبخ كمساحة للذاكرة

في زاوية أخرى من برلين، تختار سهام أن تتعامل مع العيد بطريقة مختلفة، لا تنتظر أن يأتيها، وإنما تصنعه بنفسها، تبدأ التحضيرات في العشر الأواخر من رمضان، حيث تشتري مكونات المعمول والبرازق، وتحوّل مطبخها إلى مساحة تعيد فيها إنتاج تفاصيل العيد كما عرفته في سوريا.

لكن اللافت أن هذه التجربة لا تبقى فردية، تشاركها جارتها الليبية في إعداد الحلويات، في مشهد يعكس كيف تتحول الغربة إلى مساحة لتقاطع الثقافات بدل انغلاقها، هنا، لا يكون العيد سورياً فقط، لكنه يتجاوز الحدود ويغدو أوسع، يحمل ملامح متعددة داخل مجتمع واحد.

تقول سهام لـ”موقع تلفزيون سوريا”: “إن أهم ما في العيد الأجواء الاجتماعية وفرحة الأطفال في لحظات الخَبز والعجن الجماعي، تستعيد شعور العائلة، وكأن المسافة الجغرافية تتقلص مؤقتاً، هذه الممارسات تعكس ظاهرة أوسع داخل الجاليات، حيث يلجأ كثيرون إلى إحياء الطقوس المنزلية كوسيلة للحفاظ على الهوية.

اقتصاديا، يعكس ذلك أيضا نمطا من الاستهلاك البديل، حيث يفضّل البعض الإنتاج المنزلي للحلويات بدل شرائها، سواء لتقليل التكاليف أو للحفاظ على الطابع التقليدي، في ظل ارتفاع أسعار المنتجات الشرقية في الأسواق الأوروبي.
“بدل ما أدفع 25 يورو ثمن كيلو المعمول، أصنعه في المنزل بكلفة لا تتجاوز 6 يورو للكيلو وبمواد أصلية، والفرق بالسعر أرسله لعائلة في سوريا حتى يتمكنوا من شراء أو إعداد حلو العيد، ففرحتنا لا تكتمل ما لم نرى البسمة على محيا أطفال أهلنا في سوريا” تختم سهام كلامها.

العيد موسم اقتصادي.. ازدهار الطلب على “الحلو”

على الجانب الآخر، يبدو العيد عند أبو حامد مختلفاً تماماً، فبالنسبة له، لا يرتبط العيد بالراحة والإجازة، وإنما العمل مضاعف خلال “الموسم” كما وصفه، في أحد مطابخ الحلويات الشرقية في برلين، يتحول شهر رمضان إلى موسم مكثف، حيث يعمل لساعات طويلة لتلبية الطلب المتزايد.

يؤكد في حديثه لـ”موقع تلفزيون سوريا” أن هذا العام شهد إقبالًا أكبر من السنوات السابقة، ليس فقط من أبناء الجالية العربية، وإنما أيضا من زبائن ألمان، هذا التحول يعكس اندماج المنتجات الشرقية في السوق المحلية، حيث أصبحت جزء من الثقافة الاستهلاكية في المدينة ولم تعد مقتصرة على الجاليات”.

ما يلفت النظر -بحسب رصد لموقع تلفزيون سوريا- أن العيد إلى جانب بعده الديني، يتحول إلى محرّك اقتصادي موسمي، ترتفع فيه مبيعات الحلويات والملابس، وتنشط فيه الأسواق العربية، هذه الظاهرة تكرّس حضور الجاليات كمكوّن اقتصادي فاعل، وليس فقط كحضور ثقافي أو اجتماعي.

عيد بهوية مزدوجة.. اندماج لا يلغي الروحانية

تشير البيانات إلى أن السوريين يشكلون واحدة من أكبر الجاليات الأجنبية في ألمانيا، إذ يتجاوز عددهم المليون شخص، مع ميل متزايد لنسبة كبيرة منهم نحو الاستقرار والحصول على الجنسية الألمانية، في الوقت نفسه، يتجاوز عدد المسلمين في البلاد خمسة ملايين، ما يجعل المناسبات الدينية مثل عيد الفطر جزءا متناميا من المشهد العام، حتى في مجتمع ذي أغلبية غير مسلمة.

هذه الأرقام تشير إلى تحوّل نوعي ولا تعكس فقط حجم الحضور، حيث لم يعد العيد حدثا داخليا خاصا بالجاليات، وإنما مناسبة لها امتداداتها الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع الألماني.

العيد في ألمانيا

رغم كل التحولات، يبقى العيد في جوهره مناسبة دينية، تبدأ بصلاة العيد التي تجمع الآلاف في المساجد والساحات، في مشهد يعيد إنتاج الإحساس بالجماعة، لكن ما يميز العيد في المهجر هو هذا التداخل الواضح بين الروحي واليومي.

فالطقوس لم تعد جاهزة كما في الوطن، بل تحتاج إلى إعادة بناء، الزيارات محدودة، والعائلة غالباً موزعة بين دول مختلفة، والتواصل يتم عبر الشاشات، ومع ذلك، لا يفقد العيد معناه، بل يعيد تعريف نفسه.

في برلين، يبدو العيد وكأنه مساحة تفاوض بين عالمين: عالم الذاكرة، حيث كل شيء واضح ومألوف، وعالم الواقع، حيث يجب إعادة ابتكار التفاصيل، وبين هذين العالمين، ينجح السوريون في خلق توازن هش لكنه مستمر.

تقول أم أحمد: “لا يمكن النظر إلى عيد الفطر في برلين كمجرد مناسبة احتفالية، إنه تجربة اجتماعية عميقة تعكس قدرة الإنسان على التكيّف دون أن يفقد جذوره”.

في حديث أم أحمد عن العودة، وفي إصرار سهام على صناعة الحلويات، وفي تعب أبو حامد داخل المطبخ، تتشكل صورة متكاملة لجالية لا تكتفي بالعيش في الغربة، بل تعيد تشكيلها بما يتناسب مع ذاكرتها، ليصبح العيد أكثر من طقس، يصبح فعلا يوميا للمحافظة على الهوية، ومحاولة دائمة لإثبات أن الفرح، حتى عندما يتغير شكله، لا يتلاشى ولا يختفي.

 

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

نرحب بإعلان فرنسا عزمها الاعتراف بدولة فلسطين

محرر الخليج

أنشطة التعدين تُلوث مياه نهر «كوك» في تايلاند

محرر الخليج

الإمارات تدين بشدة محاولة اغتيال رئيس الإكوادور

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More