تقارير

“الكوخ” الذي صار سوقاً… قصة حي في دير الزور بين الفوضى والتنظيم

“الكوخ” الذي صار سوقاً… قصة حي في دير الزور بين الفوضى والتنظيم

«نبض الخليج»  

قبل اندلاع الثورة السورية، افتتح أحد المستثمرين مقهى حديثاً بالقرب من مسجد عبد الله بن عباس في حي الجبيلة بمدينة دير الزور، وأطلق عليه اسم “مقهى الكوخ” وبسبب تصميمه الأنيق وطابعه المختلف عن المقاهي التقليدية في المدينة، سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بين السكان، حتى بات اسم “الكوخ” علامة دالّة على المنطقة بكاملها، وأصبح الأهالي يستخدمونه للإشارة إلى الحي ومحيطه.

وعلى الرغم من الدمار الكبير الذي طال أجزاء واسعة من دير الزور خلال العمليات العسكرية العنيفة التي شنّها النظام السابق بعد اندلاع الثورة، فإن هذه المنطقة بقيت بمنأى عن الدمار الكبير، الأمر الذي جعلها مقصدًا لعدد متزايد من السكان والنازحين داخل المدينة.

وبسبب ازدياد الكثافة السكانية، بدأ عدد من باعة الخضروات بإنشاء بسطات وعربات لبيع منتجاتهم في المكان، مستفيدين من حركة الناس الكثيفة، لتتحول المنطقة تدريجياً إلى سوق شعبي للخضروات عُرف بين الأهالي باسم “سوق الكوخ”.

ومع مرور الوقت، أخذ عدد البسطات والعربات يزداد يوماً بعد يوم، حتى أصبح السوق يشغل أجزاء واسعة من الشوارع والأزقة المحيطة.

وبالرغم من أنه وفر مصدر رزق لعدد كبير من الباعة، فإن اتساعه غير المنظم أثار استياء سكان الحي، بسبب الضجيج والازدحام وتراكم النفايات ومخلفات الخضروات، فضلاً عن إغلاق بعض الطرقات وتعطيل حركة المرور، ورغم الشكاوى المتكررة التي تقدم بها السكان على مدى سنوات، لم تلقَ تلك المطالب أي استجابة تُذكر من الجهات المعنية في عهد النظام السابق، لتبقى المشكلة قائمة وتتفاقم تدريجياً.

مشكلات على الطاولة

بعد تحرير دير الزور من سيطرة النظام المخلوع، تجددت مطالب السكان بإيجاد حل لتنظيم السوق، غير أن هذه المرة شهدت الشكاوى استجابة من الجهات الرسمية المحلية، وجرى طرح عدة مقترحات، من بينها نقل السوق إلى موقع آخر بعيد عن الأحياء السكنية، في حين رأى آخرون أن نقل السوق قد يلحق ضرراً بمصادر رزق الباعة الذين يعتمدون عليه في معيشتهم اليومية.

وبعد نقاشات استمرت لفترة، استقر الرأي على إنشاء بازار منظم من قبل الأمانة العامة لمحافظة دير الزور ويتولى مجلس المدينة إدارته، بحيث يتم جمع الباعة ضمن مساحة مخصصة ومجهزة بالخدمات الأساسية، بما يضمن استمرار عملهم وفي الوقت نفسه يخفف من الفوضى التي كان يعاني منها الحي.

وقد لقي هذا المقترح ترحيباً لدى عدد كبير من سكان المنطقة، الذين رأوا فيه خطوة قد تسهم في تنظيم النشاط التجاري وتخفيف الازدحام داخل الحارات والأزقة.

يقول أبو عبد الله، وهو أحد سكان الحي، لموقع تلفزيون سوريا، إن المشكلة لم تكن في وجود السوق بحد ذاته، بل في الطريقة غير المنظمة التي كان يعمل بها، ويضيف “أنا أعمل في دوام ليلي، وأعود إلى المنزل في الصباح لأرتاح قليلاً، لكن الضجيج الذي يبدأ منذ ساعات الفجر الأولى كان يمنعني من النوم، أصوات العربات، وصراخ الباعة، وحركة السيارات في الأزقة الضيقة، كلها كانت تجعل من الصعب الحصول على ساعات نوم كافية”.

ويلفت إلى أنّ هذا الوضع استمر سنوات طويلة وأثر عليه صحياً ونفسياً، حتى أصبح يشعر بإرهاق دائم، لذلك يعتقد أن تنظيم السوق في مكان واحد قد يخفف كثيراً من هذه المعاناة ويعيد الهدوء إلى الحي.

أما السيدة أم خليل، وهي من سكان المنطقة أيضاً، فتشير إلى أن المشكلة لم تكن تقتصر على الضجيج فحسب، بل امتدت إلى الجوانب البيئية والصحية، وتقول “كنا نستيقظ كل صباح لنجد بقايا الخضروات وقشورها منتشرة أمام المنازل وفي أطراف الشوارع، إضافة إلى الروائح الكريهة التي كانت تنتج عن تراكم هذه المخلفات في الطقس الحار، وأحياناً كانت الحشرات تنتشر بكثرة بسبب هذه النفايات، وهو ما كان يسبب إزعاجاً كبيراً للسكان”.
وتضيف: “نحن ندرك أن الباعة يبحثون عن رزقهم، لكن تنظيم السوق في مكان مخصص سيجعل الأمور أفضل للجميع، سواء للسكان أو للباعة أنفسهم”. 

سوق الألبسة في باب الفرج بحلب (تلفزيون سوريا)

آراء متباينة بين الباعة

في المقابل، لا يتفق جميع الباعة على تقييم واحد لفكرة الانتقال إلى السوق المنظم، ففي السوق العشوائي تنقسم الآراء بين من يرى أن الخطوة ستسهم في تحسين ظروف العمل، ومن يخشى أن تؤدي إلى زيادة الأعباء المالية عليهم.

يقول أبو محمود، وهو أحد باعة الخضروات في المنطقة، لموقع تلفزيون سوريا، إن الانتقال إلى سوق منظم قد يحمل فوائد عديدة للباعة، ويضيف: “وجود سوق منظم في دير الزور قد يساعدنا على العمل بطريقة أفضل، لأن الزبائن سيعرفون أن هناك مكاناً محدداً يمكنهم أن يجدوا فيه كل ما يحتاجونه من الخضار، كما أن وجود ترتيب واضح للبسطات قد يسهل حركة البيع ويجعل السوق أكثر جذباً للمتسوقين، نحن نأمل أن ينعكس ذلك على زيادة المبيعات وتحسين ظروف عملنا.”

لكن بائعاً آخر يفضل عدم ذكر اسمه يرى الأمر من زاوية مختلفة، ويقول إن التغيير ليس سهلاً بالنسبة للباعة الذين اعتادوا العمل في الشارع منذ سنوات، ويضيف: “نحن اعتدنا العمل في هذه الشوارع منذ وقت طويل، والناس تعرف أماكننا وتأتي إلينا مباشرة”.

سوق الكوخ في حي الجبيلة بدير الزور - خاص تلفزيون سوريا

ويرى أنّ الانتقال إلى سوق جديد يعني أنهم سيضطرون إلى التأقلم مع وضع مختلف تماماً، إضافة إلى ذلك، هناك بدل إشغال ورسوم شهرية قد تشكل عبئاً عليهم، خاصة في ظل ضعف القدرة الشرائية لدى الناس، إذ يخشون أن تزيد التكاليف عليهم من دون أن يقابلها تحسن واضح في المبيعات.

ازدحام الناس في ليالي رمضان الأخيرة في دمشق.

محافظة دير الزور توضح

من جهتها، أوضحت محافظة دير الزور أن السوق الجديد جرى إنشاؤه وفق رؤية تنظيمية تهدف إلى تحقيق توازن بين مصالح الباعة وراحة السكان.

وقال الأمين العام لمحافظة دير الزور، ماهر بعاج، لموقع تلفزيون سوريا، إن السوق صُمم ونُفذ وفق معايير خدمية وتنظيمية تهدف إلى تحسين بيئة العمل للباعة وتنظيم النشاط التجاري في المنطقة، مشيراً إلى أن المشروع جاء استجابة للحاجة إلى معالجة الفوضى التي كانت تشهدها بعض الشوارع نتيجة انتشار البسطات بشكل عشوائي.

وأوضح بعّاج أن السوق جُهز ببنية خدمية متكاملة لضمان استمرارية العمل فيه، حيث تم تزويده بالكهرباء بشكل دائم، إضافة إلى تركيب شبكة من كاميرات المراقبة لمتابعة الحركة داخل السوق وتعزيز مستوى الأمان فيه، كما تم تخصيص ضابطة دائمة للإشراف على السوق وتنظيم العمل داخله بما يضمن الالتزام بالقواعد المحددة والحفاظ على النظام العام.

وأضاف أن السوق يضم نحو 120 بسطة جرى تجهيزها بشكل مناسب لممارسة النشاط التجاري، بحيث يتمكن الباعة من العمل ضمن مساحة منظمة بدلاً من الانتشار العشوائي في الشوارع والأرصفة.

وأشار إلى أن الهدف من إنشاء هذا السوق لم يكن تحقيق عائد تجاري، بل تنظيم واقع البسطات في الحي، بما يحقق توازناً بين استمرار عمل الباعة وتخفيف الأعباء عن السكان.

وبيّن أن اللجنة المختصة راعت الظروف الاقتصادية الصعبة عند تحديد الرسوم، لذلك تقرر الاكتفاء ببدل خدمات رمزي يغطي جزءاً من تكاليف الكهرباء والصيانة والتنظيم داخل السوق.

كما لفت إلى أن الإقبال على الحصول على أماكن داخل السوق كان كبيراً، إذ سجل أكثر من 900 شخص أسماءهم للحصول على بسطات، غير أن المحافظة اضطرت إلى رفض معظم الطلبات بسبب محدودية عدد الأماكن المتاحة، مؤكداً أن الأولوية مُنحت لأصحاب البسطات الذين كانوا يعملون سابقاً في المنطقة.

وختم بعّاج بالقول إن المحافظة تنظر إلى هذا السوق بوصفه نموذجاً تنظيمياً يمكن تطبيقه في مناطق أخرى من المدينة مستقبلاً، بهدف تنظيم الأسواق الشعبية بطريقة تحافظ على مصادر رزق الباعة، وفي الوقت نفسه تحمي الأحياء السكنية من الفوضى والازدحام.

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

عمره 14 عاماً.. اعتقال سوري متهم بارتكاب 200 جريمة في ألمانيا

محرر الخليج

16 ألف عراقي لا يزالون في مخيم الهول شمال شرقي سوريا

محرر الخليج

رئيس الدولة وملك المغرب يبحثان هاتفياً التطورات الإقليمية

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More