تقارير

نتبادل الاتهامات كي لا تصدمنا الحقائق

نتبادل الاتهامات كي لا تصدمنا الحقائق

«نبض الخليج»  

نادرا ما تجد نقاشا حول سوريا، بين مختلفين في الرأي حول ما يحدث في البلاد، يكتمل لنهايته بشكل طبيعي من دون اللجوء إلى الاتهامات والتخوين والشتائم (أشدها قذارة) إن كان النقاش علي وسائل التواصل الاجتماعي، أو الانتهاء من النقاش بصراخ أو تتفيه أو تسفيه للرأي الآخر أو انسحاب من النقاش أو ربما من الجلسة كلها، وقد تحدث قطيعة دائمة لاحقا، إن كان النقاش علي أرض الواقع وبين مجموعة من الأشخاص تربط بينهم علاقات قديمة ومتأصلة. أتذكر نهاية العام الماضي أني التقيت بصديق بيننا كثير جدا من المشتركات لكننا نختلف اليوم بالرأي حول ما يجري في سوريا، ومع أنني لا أضعه في خانة المؤيدين للسلطة الجديدة لكن لديه رؤية لا أتوافق معه بها، أتذكر أننا حين بدأنا بالحديث عن سوريا التي كان قد عاد منها مؤخرا، كدنا نصل إلى حالة من القطيعة في أثناء النقاش الذي لم يكن أبدا نقاشا بقدر ما كان محاولة من كل منا إثبات وجهة نظره بالصوت العالي.

لحسن الحظ أننا انتبهنا كلينا إلى ما نحن فيه فأوقفنا النقاش فورا كي لا نصل إلى حالة القطيعة ونحن أصدقاء عمر. والأسوأ هو أن كلينا كان موقفه يستند إلى هويته الفرعية، هويته الطائفية، كان الحديث بيننا هو: (نحن وأنتم)، فجأة صار هذا الصديق الذي آمنته ذات يوم على حياتي هو (أنتم) وصرت أنا الصديقة التي يعاملها شقيقة كبرى أيضا (أنتم) له. فجأة نسينا أننا نحن الاثنان سوريان وصرنا أبناء هويات طائفية لم تعن لنا يوما أي شيء، ولم نكترث بها عندما وقف كلانا مع الثورة في 2011، ولم نتذكرها عندما خرج هو من المعتقل في نهاية 2011 واتصل بي مباشرة يحذرني من إنهم سيستهدفونني أنا وابنتي وعلينا الانتباه أو الاختباء أو الابتعاد. لحسن الحظ أن ذاكرة كلينا مازالت صاحية ومتوهجة وتحتفظ بالتفاصيل التي جعلتنا ننتبه إلى أي مستوى من الانحدار يمكن أن نصله كلانا إن استمرينا في التأثر بالحالة العامة السورية التي وصلت في هذه الأيام إلى أكثر استقطاباتها انحطاطا، حين تختفي تماما الهوية السورية الجامعة وتتعالى الهويات الفرعية المذهبية والطائفية والقبيلة والعشائرية. اكتشفنا معا أن حتى أكثر الناس عقلانية يمكن، لحالة شعبوية قطيعية غرائزية كما هي الحالة المتبادلة في سوريا اليوم بين جميع مكوناتها، أن تحوله إلى شعبوي وغرائزي ويدخل في صراع هوياتي بالغ السخف والانحطاط.

أفكر أحيانا كثيرة بما يحدث في سوريا، بأسباب هذا الخلاف الهائل، بأسباب انتفاء النقاش المنطقي بين المختلفين وانحدار أي حديث مشترك عنها إلي مستوى غير مسبوق من السقوط في الاستقطاب والانقسام والاتهام والتخوين؛ هل بات السوريون فعلا عاجزين عن إيجاد لغة مشتركة يمكن من خلالها الوصول إلى نقطة بداية يلتقي الجميع حولها، وكيف نعجز جميعا عن جعل سوريتنا خطا أحمر لا يجوز حتى التفكير باختراقه؟ أفكر بكل ذلك وأتذكر المصريين، بأعدادهم الهائلة وباختلافاتهم الهائلة التي تصل إلى الشتائم والاتهامات والتخوين وكل شيء، لكنها التي تقف فجأة حينما تصبح مصر تحت الخطر، وكأن (مصر) هي الكلمة السحرية التي توقف أي خلاف؛ أعيش بين المصريين وأرى هذا واضحا جدا لديهم وأتحسر على حالنا نحن السوريين، ونحن نوافق ببساطة أن تتنازع دول العالم بلدنا وتسيطر كل دولة على منطقة تصبح لها بمنزلة منطقة نفوذ، وأن نختلف على من هم أعداؤنا، وأن نتحالف مع دول وأنظمة لا يعنيها من سوريا سوى ما يناسب مصالحها، وأن نمكنها من السيطرة على مناطق نفوذ سورية لها وأن ندعمها ونقبض منها ونروج لها ونفعل كل ما يفعله خونة الأوطان في أوطانهم؛ والأدهى أنه لا يوجد اليوم في سوريا من يمكنه ادعاء التطهر والتشرف في شيء كهذا، كل المكونات السورية الحالية تبحث عن من يحميها ومن خارج سوريا وتلجأ له وتروج له وتسهل له نفوذه وسيطرته. ببساطة شديدة: نحن جميعا نبيع سوريا لصالح طوائفنا ومذاهبنا وأدياننا وعشائرنا، نحن جميعا نتجاهل، عامدين أو مغفلين أو خائفين أو مغيبين، هويتنا السورية الواحدة ونتجاهل أننا من دونها سوف نصبح مجرد أقوام صغيرة تعيش علي الهامش وعلى المساعدات، ولا يغرن أحد غلبته العددية ذلك أن الاختلافات بين أبناء مكون ما قد تكون أكثر بكثير مما تبدو عليه حاليا حيث يتم التركيز على هوية هذا العدد باعتبارها هوية جامعة.

هل انتهت الأفكار التي يمكن للسوريين الاجتماع حولها والبدء منها للوصول إلي نقاط اتفاق تنقذ البلاد وسكانها؟ لا أظن هذا أبدا، بل أكاد أجزم أن هناك فائض من الأفكار التي تصلح لأن تكون نقاط بدء لاستعادة الوطن السوري، لكن للأسف يبدو أنها كلها أفكار ناقصة طالما أن هناك سلطة تريد احتكار السياسة والثقافة والاقتصاد والقضاء والأمن والاعلام والدين والاجتماع والبلوماسية والتعليم والطب وحتى الفضاء العام، وتمنع المشاركة لكل من يختلف عنها ليس فقط بالمذهب بل حتى بالعقيدة الضيقة، فنحن إذا أمام مجموعة كبيرة من الأفكار التي سوف تظل ناقصة ولن تكتمل ما لم يتم الإفراج عن هذا الاحتكار المريب فعلا والذي تتضح معالم تفتيته للبنية المجتمعية بشكل سريع. هذه السلطة التي تحي عن العدالة وعن الدولة وعن المواطنة وعن الكرامة وعن الحقوق وعن مصطلحات مشابهة لكن في الحقيقية كله مجد (حكي) يقدم أفكارا مقطوعة لأن سلوك السلطة الحقيقي هو مضاد تماما لكل ما تحكيه. بحيث يبدو وكأن هذه السلطة تستعير حكيها من مكان آخر لكن تمارس السلوك الوحيد الذي تعرفه: الاحتكار بوصف ما تعتقد به هو الحقيقة الوحيدة.

نحن السوريون أمام أزمة ومعضلة حقيقية كبيرة جدا. سنوات الحرب الماضية والمجازر القديمة والحديثة حولت السوري إلى كائن معجون بالخوف، هذا الخوف يجعله يبحث عن أكثر الأفكار التي تمنحه الأمان والإجابات والحلول الجاهزة، الهويات المذهبية والقبلية هي حاليا أكثر ما يعطي السوري الزمان، كونها أصلا منجزة وتامة، بينما الدولة حاليا مفرغة من معناها وتحتاج سنوات طويلة لتنجز، الدولة كهوية وكمؤسسة وليس كسلطة. فالسلطة الحالية تقدم نفسها بسلوكها بوصفها المشروع (السني) السوري، وبالتالي كل خائف من الفراغ من ضحايا المدحلة السابقة سوف يجد فيها هويته، وكل خائف من الفراغ من ضحايا هذه السلطة سوف يبحث عن مشروع آخر مقابل يحمي هويته المذهبية المقابلة. هذا أمر لا ينفع معه الاتهام لا بالعمالة ولا بالخيانة فمن حق الناس البحث عن أمنها وأمن مستقبلها وحياتها طالما الوطن الذي تعيش فيه لا يقدم لها هذا الأمان، بل ربما لا يقدم لها إلا الخوف من القتل. هذا بدأ منذ منتصف 2011 بالمناسبة، كي لا يدعي أحد الاستشراف، بدأ منذ لاحق النظام السابق المختلفين عنه في مدنهم وبلداتهم واعتقلهن وقتلهم وارتكب فيهم المجازر، جميعنا مازلنا أحياء وشهودا على ما حدث. لكن هل علينا اجترار الماضي والعيش ونحن نتبادل مظلومياتنا ونتنافس بها؟ يبدو لي أحيانا وكأن المزايدة بالمظلوميات باتت طريقة عيش لدى السوريين، بحيث لدى أية محاولة للنقاش أو الوصول إلي نقطة التقاء ما يعود الحديث إلى نقطة البداية، إلى من بدأت مظلوميته أولا ومن كانت مظلوميته أكبر وأكثر تجذرا! ولا يدري الجميع أن نقاشا عقيما كهذا سوف يؤدي إلي نتيجة واحدة هي مزيد من الانقسام والاصطفاف الطائفي والمذهبي، وزن المستفيد الوحيد هو السلطة التي تريد احتكار كل شيء ضمن مجموعة ضيقة جدا من عناصرها وتقصي الجميع بمن فيهم الذين يجدون فيها مشروعا لمستقبلهم.

هل ما نحن فيه يمكنه أن يكون عابرا؟ لا أريد أن أبدو متشائمة وأقول إنه قد يمتد إلى وقت طويل جدا سوف ينتهي بتقسيم البلد إلي مناطق نفوذ غير سورية يكون فيها السوريون مجرد رعايا تحت وصاية هذه الدولة أو تلك لا يستطيعون حتى التمتع بحقوقهم كمواطنين. لكن أيضا لا أريد أن أبدو متفائلة وأقول إننا في مرحلة عابرة سوف تنتهي قريبا ما يستقر الوضع الاقتصادي كون الاقتصاد هو الضامن الوحيد للأمان. ذلك أن السلطة الحالية لا تلمك أي مشروع اقتصادي حقيقي، كل ما تفعله على هذا المستوي حاليا هو ممنح الاستثمارات لغرباء أو لأثرياء الحرب، ليس لديها خطط تنموية لا زراعية ولا صناعية ولا خدمية ولا سياحية، علي العكس تماما فكل ما تصدره من قرارات هو ضد السياحة التي يمكنها أن تكون مصدر دخل لكثير جدا من السوريين. إذا كل الأسئلة المنطقية التي يمكن أن يتساءلها سوريون متفقون على اجتماع ما للبدء في إيجاد حلول هي أسئلة مقطوعة بسبب احتكار السلطة لها وامتناعها عن مشاركتها مع باقي السوريين.

في ظل هذا الواقع الأسود سوف يتحول أي نقاش إلى خصام واتهامات وتخوينات متبادلة بسبب العجز الكامل عن فهم أسباب ما يحدث وفهم نتائجه وبسبب الخوف السابق مما حدث ومما قد يحدث، لم يعد لدى السوريين حتى ترف سؤال: ماهو الحل؟ ذلك أن الواقع الأسود يسبقهم دائما بقتامته وبؤسه وفشله وركاكته، وهم يدركون أن أي نقاش سوف يفضح الحقائق أمامهم لهذا يهربون منه عبر الشتائم والاتهام والقطيعة، أو عبر الاتفاق الضمني على الصمت والانشغال بأشياء أخرى أكثر رأفة بالأرواح.

 

شارك هذا المقال

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

الاستخبارات التركية تُحبط مخططاً لإرسال أجهزة «بيجر» مفخخة إلى لبنان

محرر الخليج

شرطة دبي تضبط عصابة آسيوية تمتهن التسول

محرر الخليج

نتنياهو قلق بشأن التقارب بين سوريا وتركيا

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More