«نبض الخليج»
|
رحبت الإمارات العربية المتحدة بإعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، لكنها من دون الانجرار إلى الأوهام الدبلوماسية، فهي لا تنكر ضرورة خفض التصعيد، بل تشكك مسبقا في غموضه.
ومن خلال المطالبة بتوضيحات دقيقة لشروط الاتفاق، والوقف الكامل للأعمال العدائية الإيرانية، وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وغير مشروط، تذكر الإمارات جميع الأطراف بالحقيقة البسيطة المتمثلة في أن الهدنة في الخليج ليس لها قيمة إلا بقدر القيود التي تفرضها فعليا على طهران. وهذا الموقف لا يشكل مجرد تحذير رسمي أو رد فعل من جانب التحالف، بل إنه انعكاس لعقيدة أمنية: لا استقرار إقليمي من دون ضوابط تنفيذية، ولا مصداقية من دون ضبط النفس، ولا سلام في مجال الطاقة من دون حرية الملاحة.
تم رفض الخدعة التجميلية
الدرس الأول المستفاد من رد الفعل الإماراتي هو أن وقف إطلاق النار لا ينبغي أن يكون رسميًا. وأوضحت الإمارات في بيان صادر عن وزارة الخارجية، مدعما ببيانات رسمية، أنها تتابع عن كثب إعلان دونالد ترامب، مؤكدة في الوقت نفسه حاجتها لمزيد من التوضيحات لضمان التزام إيران الكامل والصريح بالوقف الفوري لجميع الأنشطة العدائية وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل. وهذه الصياغة في غاية الأهمية، لأنها تعني، من وجهة النظر الإماراتية، أن هذه الخطوة ليست إنجازا دبلوماسيا، بل مجرد فرضية حول استراتيجية يمكن التحقق منها.
بمعنى آخر، الإمارات العربية المتحدة لا ترفض الاتفاق، بل ترفض إعطائه قيمة سياسية قبل أن ترى آثاره العسكرية والبحرية والأمنية تتجسد على الأرض. وهذا هو الفارق الجوهري بين التفسير الغربي الذي قد يتجه نحو الرضا الفوري الناتج عن التهدئة، والتفسير الخليجي الذي يرتكز على تجربة المخاطر الملموسة. بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، ليس الإعلان نفسه هو المهم، بل الانضباط الذي يفرضه على طهران.
هرمز.. مركز الثقل الحقيقي للأزمة
جوهر الموقف الإماراتي ليس رمزيا ولا دبلوماسيا، بل جيواقتصاديا. الاختبار الحقيقي لوقف إطلاق النار يكمن في مضيق هرمز، حيث تقاس مصداقية إيران، حيث سعت طهران إلى تحويل الأزمة العسكرية إلى نفوذ استراتيجي على التجارة العالمية. وتستمر التقارير في الإشارة إلى أنه على الرغم من الحيلة المعلنة، فإن حركة الشحن عبر المضيق لا تزال أقل بكثير من المعتاد، حيث عبرت 15 سفينة فقط منذ وقف إطلاق النار، مقارنة بمتوسط سابق قدره 138 سفينة. وهذا يعني أن الهدوء السياسي، في هذه المرحلة، لم يؤد بعد إلى تطبيع حقيقي للوضع البحري.
ولهذا السبب تولي الإمارات العربية المتحدة أهمية كبيرة لإعادة فتح المضيق “الكامل وغير المشروط”. ووفقاً للمنطق الإماراتي، لا يمكن تحقيق الاستقرار الإقليمي إذا احتفظت إيران، ولو جزئياً، بقدرتها على تحديد الأسعار، أو تصفية، أو إبطاء حركة البضائع عبر ممر الطاقة الرئيسي في العالم. والرسالة الضمنية واضحة: أي حيلة تسمح لطهران بالاحتفاظ بحق النقض على التدفق السلس لحركة الملاحة البحرية لن تخفف من حدة الأزمة، بل ستؤسس لشكل من أشكال الابتزاز البحري.
المساءلة والتعويض والردع
ولم يقتصر بيان الإمارات على الدعوة إلى وقف الهجمات، بل حدد إطارها السياسي والقانوني. أدانت وزارة الخارجية الهجمات الإيرانية التي شنتها إيران خلال الأربعين يوما الماضية على البنية التحتية ومنشآت الطاقة والمواقع المدنية، مشيرة إلى إطلاق 2819 صاروخا باليستيا وصواريخ كروز وطائرات مسيرة، فضلا عن الخسائر البشرية والمادية. ومن وجهة نظر الإمارات، فإن مثل هذه التصرفات يجب أن تؤدي إلى تحرك حازم، وإثبات مسؤولية إيران، والتعويض الكامل عن الأضرار. ولم يعد هذا مجرد خطاب احتجاج دبلوماسي، بل هو محاولة لفرض ثمن استراتيجي على العدوان.
ولا شك أن هذا البعد مهم، بل أساسي، حيث تسعى الإمارات جاهدة لمنع وقف إطلاق النار الغامض من طمس التسلسل الهرمي السياسي السابق. بمعنى آخر، ترفض السماح بأن يكون وقف التصعيد بمثابة عفو استراتيجي عن طهران. وهو موقف واقعي صريح: لا معنى للسلام إذا محى ذكرى ميزان القوى أو ضرورة الإصلاح.
رفض فخ “الطاقة النووية فقط”.
ومن العناصر الأساسية الأخرى في الموقف الإماراتي رفض أي مقاربة جزئية للملف الإيراني. وشدد البيان على ضرورة اتباع نهج شامل لا يقتصر على القدرات النووية، بل يشمل أيضا الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار والترسانات العسكرية والجماعات المتحالفة أو الشبكات المسلحة المرتبطة بإيران في المنطقة. وهذه النقطة بالغة الأهمية، لأنها تعكس عدم ثقة الإمارات العربية المتحدة العميق في أي مفاوضات من شأنها عزل القضية النووية عن نظام التهديد الإيراني الأوسع.
ومن وجهة نظر العواصم الخليجية، فإن المشكلة الإيرانية لا تقتصر على العتبة النووية، بل تمتد إلى ما هو أبعد منها إلى بنية أوسع من الإكراه. إن خفض الأزمة إلى مستويات التخصيب أو بعض المعايير الفنية يعني تجاهل ما يزعزع استقرار المنطقة فعلياً: مزيج من القدرات التقليدية، والتنفيذ غير المباشر من خلال الوكلاء، والإكراه البحري، والضغط على البنية التحتية للطاقة. لذا فإن الموقف الإماراتي أقل تطرفاً مما قد يبدو، ويتوافق تماماً مع الطبيعة المتعددة الأبعاد لهذا التهديد.
الإمارات لا تسعى للحرب.. وترفض الحياد العاجز
وحرصت الإمارات على التأكيد على أنها ليست طرفا في الصراع، وسلطت الضوء على جهودها الدبلوماسية، سواء على المستوى الثنائي أو داخل مجلس التعاون الخليجي، لمنع تفاقم الأزمة. هذه النقطة ليست عابرة، بل تهدف إلى وضع الإمارات العربية المتحدة في موقع مهم للغاية: فهي دولة قادرة على التمسك بالشرعية الدبلوماسية من خلال عدم السعي إلى التصعيد، وهي أيضا دولة معنية بشكل مباشر لأنها تتحمل التداعيات الأمنية والاقتصادية لعدم الاستقرار الإقليمي.
ولا بد من فهم دقة الموقف الإماراتي هنا بوضوح. الإمارات لا تريد الانجرار إلى صراع مفتوح، لكنها في الوقت نفسه لا تريد اعتماد الحياد السلبي الذي يترك للآخرين تحديد معايير الأمن الإقليمي. ويمكن تلخيص موقفها الحالي بكل بساطة: عدم التدخل، نعم، الاختفاء الاستراتيجي، لا.
القرار 2817: تدويل الضغط على طهران
ومن خلال مطالبة إيران بالامتثال لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 الصادر في 11 مارس/آذار 2026، لا تكتفي الإمارات بالاعتماد على نص أممي، بل تسعى إلى إخراج الأزمة من الإطار الحصري لواشنطن وطهران ووضعها في الإطار الأوسع للشرعية الدولية. ويدعو نص مجلس الأمن إلى الوقف الفوري للهجمات الإيرانية على عدد من دول المنطقة، ويدين هذه الأعمال بأشد العبارات. بالنسبة للإمارات، يمثل هذا القرار أداة للشرعية الدبلوماسية، لأنه يسمح بتقديم مطالبها ليس كتعبير عن تحالف سياسي، بل كتطبيق لمعيار دولي راسخ.
هذه خطوة كلاسيكية ولكنها فعالة. ومن خلال الاعتماد على الأمم المتحدة، تسعى الإمارات إلى تحويل مخاوفها الأمنية إلى موقف قانوني راسخ. وهذا يزيد من نطاق مناوراتها الدبلوماسية ويعقد محاولة إيران تصوير القضية على أنها مواجهة سياسية بحتة مع الولايات المتحدة.
الرسالة الحقيقية لواشنطن
ومن الواضح أن الإعلان الإماراتي موجه إلى طهران، لكنه يستهدف واشنطن أيضًا. بمعنى آخر، تخبر الإمارات إدارة ترامب أن وقف إطلاق النار الذي يفيد دول الخليج لا يمكن أن يكون ترتيبًا مؤقتًا تعلق بموجبه إيران بعض عملياتها مع الاحتفاظ بمعظم نفوذها، لذا فهي تطالب الإمارات بتحديد هذا الاتفاق بوضوح، ووضع إطار واضح له، والأهم من ذلك، دعمه بضمانات ملموسة.
وقد أصبح هذا الحذر مفهوماً أكثر من أي وقت مضى، خاصة بعد أن أبرزت العديد من التقارير الصحفية هشاشة الاتفاق. وأشارت رويترز إلى أن البيت الأبيض ألغى خطابا متلفزا كان مخصصا للهدنة، تحديدا بسبب غموض شروطها وهشاشة آلية الاتفاق، قبل المحادثات المقررة في إسلام آباد. بمعنى آخر، هناك تخوف من أن يؤدي تعليق الضربات الجوية، الذي لا يحمل ضمانات كافية، إلى منح إيران الوقت لإعادة تنظيم صفوفها سياسياً وعسكرياً من دون تقديم أي تنازلات جوهرية.
بين ميزان القوى والتفاؤل الدبلوماسي
ما يكشفه هذا التسلسل قبل كل شيء هو التطور الأيديولوجي لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي لم تعد تؤمن بالحيل التي تنفذها بنفسها أو بتهدئة نفسها. ولا تزال قراءتها للمسألة الإيرانية ترتكز على فكرة بسيطة: في الخليج، لا يتحقق الاستقرار بمجرد افتراض حسن النية. بل هو نتاج توازن واضح للقوى، وخطوط حمراء واضحة، وآليات تحقق موثوقة.
خلف اللهجة الرسمية تكمن رسالة شديدة اللهجة. وترحب الإمارات العربية المتحدة بوقف إطلاق النار، لكنها ترفض تحويله إلى نصر دبلوماسي قبل الأوان. وهي لا تسأل إيران عن نواياها، بل تطلب منها الأفعال. فهي لا تريد وعوداً بخفض التصعيد، بل تريد نهاية فعلية للعدوان، وحرية الملاحة الحقيقية، والتخلي عن الاستراتيجية الإقليمية القائمة على الإكراه غير المباشر. وهذا في جوهره هو موقف القوة المتوسطة الواعية: فهي تدعم السلام دون أن تتخلى عنه تحليلياً.
إنها مسألة قيد التدقيق وليست سلاما مضمونا
ولذلك، يجب قراءة رد الفعل الإماراتي على حقيقته: فهو ليس مجرد تعبير عن دعم ظرفي لمبادرة أميركية، بل هو تأطير سياسي لوقف إطلاق النار نفسه. والإمارات تقبل الهدنة، لكنها في الوقت نفسه تضع شروطاً لمصداقيتها. والسؤال هنا ليس ما إذا كان صوت المدافع سيتوقف مؤقتا، بل ما إذا كانت إيران تتخلى فعلا عن استخدام الخليج ومضيق هرمز وشبكاتها الإقليمية كأدوات للضغط الاستراتيجي الدائم. وإلى أن تحصل على إجابة واضحة، ستبقى الحيلة كما هي: هدنة مشروطة، وليس استعادة النظام الإقليمي.
فلا استقرار في المنطقة دون ضوابط تنفيذية، ولا مصداقية دون كوابح
مطلوب:
- التزام إيران الكامل بوقف الأنشطة العدائية وفتح مضيق هرمز
- وأي حيلة تمنح طهران «الفيتو» على سلاسة الملاحة مرفوضة
- التعويض الكامل عن الأضرار الناجمة عن الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار
- ورفض عزل القضية النووية عن نظام التهديد الإيراني الأوسع
- “الحياد السلبي” يترك للآخرين مهمة تحديد معايير الأمن الإقليمي
- إن استقرار الخليج لا يتحقق أبداً بمجرد افتراض حسن النية
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

«السلامة الغذائية» تغلق «مطعم الاختيار» في أبوظبي لخطورته على الصحة العامة