«نبض الخليج»
يشير الاختبار الأخير للصواريخ التي أطلقتها المدمرة الكورية الشمالية الجديدة تشوي هيون إلى التحول نحو رادع نووي بحري أكثر مرونة، في محاولة للتعويض عن أوجه القصور التي تعيب كوريا الشمالية في قدرات الغواصات.
هذا الشهر، ذكرت العديد من وسائل الإعلام أن كوريا الشمالية أطلقت صاروخين كروز استراتيجيين وثلاثة صواريخ مضادة للسفن من مدمرتها الجديدة التي تزن 5000 طن، تشوي هيون، كجزء من اختبارات الكفاءة التشغيلية، حيث أشرف الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون على عمليات الإطلاق من الرصيف برفقة كبار المسؤولين العسكريين.
وتم إطلاق الصواريخ فوق المياه قبالة الساحل الغربي للبلاد، وحلقت هذه الصواريخ في مسارات محددة مسبقاً لفترات طويلة استمرت أكثر من ساعتين، فيما طارت الصواريخ المضادة للسفن لنحو نصف ساعة، قبل أن تصيب أهدافاً وصفتها كوريا الشمالية بـ”فائقة الدقة”.
تم إجراء هذه الاختبارات لتقييم نظام القيادة والتحكم المتكامل للأسلحة في المدمرة، وتعزيز مهارات الطاقم، والتحقق من صحة ميزات الملاحة وأنظمة التشويش التي تمت ترقيتها.
ووصفت وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية، الناطقة باسم الدولة، الأسلحة بأنها “استراتيجية”، في حين أكد كيم جونغ أون مجددًا أن تعزيز “الردع النووي” للبلاد يظل على رأس أولوياته.
ويعد إطلاق هذه الصواريخ أول إطلاق معلن رسميًا لصواريخ مضادة للسفن، ويأتي في خضم جهود أوسع لتوسيع القوة البحرية لكوريا الشمالية، بما في ذلك خطط لبناء مدمرتين إضافيتين على الأقل، ومؤشرات على أسطول متنامٍ بدلاً من الاعتماد على منصات معزولة.
المدمرة “تشوي هيون”
وبحسب تحليل أجرته مؤسسة “Beyond Parallel”، ومقرها واشنطن، في أبريل 2025، من قبل مجموعة من الباحثين، فإن المدمرة “تشوي هيون” هي أكبر سفينة حربية كورية شمالية وأكثرها تقدما، ويقدر طولها بحوالي 144 مترا، وهي مصممة لتكون مدمرة متعددة المهام.
كما يشير التحليل إلى أنه يتميز ببنية صاروخية متطورة تضم 74 خلية، منها 44 خلية إطلاق عمودية لصواريخ “أرض جو”، و30 خلية أكبر للصواريخ المتنقلة أو “أرض أرض”. كما تشير إلى أنها مسلحة بأنظمة أسلحة دفاعية قريبة المدى، وأنظمة حرب إلكترونية، ومدفع عيار 127 ملم، ومنصة لهبوط المروحيات والطائرات بدون طيار.
ويشير التحليل أيضًا إلى أنها مزودة بنظام الدفاع الجوي Pantsir-M الروسي، وتشير بعض التقديرات إلى أنها قادرة على دعم مهام الدفاع الجوي والدفاع البحري والدفاع المضاد للغواصات والدفاع الصاروخي المضاد للصواريخ الباليستية، ناهيك عن قدراتها المحتملة على إطلاق ضربات صاروخية كروز “فرط صوتية” وصواريخ باليستية تكتيكية.
مساعدة روسية
ومن الواضح أن هناك مساعدة روسية في تصميم السفينة. ونشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” مقطع فيديو، في يونيو/حزيران 2025، ذكر فيه المحلل البحري مايك بلونكيت أن بناء مثل هذه السفينة خلال 13 شهرا تقريبا سيكون “مستحيلا” دون مساعدة خارجية، مشيرا إلى التشابه الكبير في التصميم مع فرقاطات “غريغوروفيتش” الروسية.
كما أشارت الصحيفة إلى إمكانية قيام روسيا بتزويد كوريا الشمالية بنظام الدفاع الجوي بانتسير-إم، في حين رجح بلانكيت أن زيارة كيم جونغ أون لروسيا عام 2023 هي “عرض ترويجي” لنقل التكنولوجيا البحرية.
ومن المرجح أن يتم استخدام تشوي هيون كمنصة بحرية رئيسية لكوريا الشمالية لعمليات الإشارة النووية، والاستجابة للأزمات، والضربات البحرية.
طموح غير ناضج
وكانت صحيفة آسيا تايمز قد نشرت في وقت سابق تقريرا عن الغواصة النووية المزعومة لكوريا الشمالية هيرو كيم أوك. ويعتبر البرنامج الكوري الشمالي طموحا، لكنه غير ناضج من الناحية الفنية، مما يثير الشكوك حول مصداقيته على المدى القريب. وتشمل التحديات الرئيسية تحسين تصميم المفاعل، وتقليل الضوضاء، والصيانة على المدى الطويل. وتعاني الغواصات الكورية الشمالية من طراز روميو، والتي يعود تاريخها إلى العصر السوفييتي، من الضوضاء، وقدرة التحمل المحدودة، وتحديات في القيادة والسيطرة. ناهيك عن أنها عرضة للهجمات الحربية المضادة للغواصات، الأمر الذي من المحتمل أن يحد من استخدامها في عمليات “القلعة” الساحلية، ويقلل من قيمتها الرادعة.
وقد يستغرق الأمر سنوات لاكتساب القدرة الحقيقية على توجيه ضربة ثانية من البحر، وهو ما يعكس فجوة بين «النية الاستراتيجية» و«القدرة العملية المتاحة».
وفي ضوء كل ذلك، تشكل غواصة تشوي هيون حلا مؤقتا للردع البحري، وكسب الوقت، حتى تنضج القدرات التقنية لمنظومة الغواصات الكورية الشمالية بشكل كامل.
هيكل القيادة النووية
على المستوى الأيديولوجي، يسلط تشوي هيون الضوء على التوترات المتزايدة في هيكل القيادة النووية في كوريا الشمالية.
تجدر الإشارة إلى أن قانون القوات النووية لكوريا الشمالية لعام 2022 ينص على خضوعها للقيادة المركزية المطلقة لكيم جونغ أون، لكنه ينص أيضًا على أنه إذا تعرض مركز القيادة والتحكم النووي في البلاد لخطر الهجوم، فسيتم شن ضربة نووية “تلقائيًا وفوريًا”، مما يظهر توترًا بين القيادة المركزية الشخصية للغاية والآلية التي تم التخطيط لها مسبقًا.
ويشير تقرير صادر عن وكالة الحد من التهديدات الدفاعية الأميركية، في أغسطس 2022، إلى أن كوريا الشمالية قد تتبنى نظام قيادة وسيطرة هجين، يجمع بين السيطرة السياسية المركزية مع تفويض محدود للسلطات، لتحسين قدرتها على البقاء والاستجابة بسرعة.
ومن الجدير بالذكر أن كيم جونغ أون سيحتفظ بسلطة إطلاق أسلحة نووية استراتيجية بعيدة المدى، مثل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، في حين يطبق تفويضا محدودا على الأنظمة التكتيكية المنتشرة في وحدات الخطوط الأمامية. ويشير التقرير إلى أن هذا النهج يقلل من خطر فشل القيادة المركزية، ويتجنب المخاطر السياسية المتمثلة في نقل السلطات بشكل كامل، ويدعم التحول نحو استراتيجية إقليمية للحرب النووية، من خلال تمكين استخدام أسرع وأكثر لامركزية للأسلحة ذات القوة التدميرية الأقل في ظل ظروف محددة.
ومن الناحية العملية، من المرجح أن يحتفظ كيم بالسيطرة الكاملة على الردع العابر للقارات، في حين سيتم استخدام صواريخ كروز التي تحملها المدمرة تشوي هيون كأصول نووية موجهة نحو أهداف إقليمية في ظل ظروف إطلاق خاضعة للرقابة، وإن كانت مخططة مسبقا.
يشير تقرير وكالة الحد من التهديدات الدفاعية إلى أن العمليات النووية التي يتم إجراؤها من الغواصات تتطلب أسلحة مجمعة مسبقًا وضوابط إجرائية، على الرغم من أن نقاط الضعف قد تتطلب النشر المبكر أو شروط الإطلاق الإلزامية في الأزمات.
ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن غواصات كوريا الشمالية قد تكون معرضة للخطر للغاية بالنسبة لمثل هذه المهمة، وأن قيمتها الحقيقية هي نفسية في المقام الأول، مما يعقد عملية صنع القرار في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. عن “آسيا تايمز”
يزيد تشوي هيون من مخاطر التصعيد
ومن الناحية الاستراتيجية، تعمل المدمرة تشوي هيون على تعزيز قدرتها على البقاء من خلال نشر أصول نووية في البحر، ولكنها تزيد أيضا من مخاطر التصعيد، خاصة وأن صواريخها الجوالة قادرة على حمل رؤوس حربية نووية أو تقليدية. وتشير المدمرة أيضًا إلى علاقات أوثق مع روسيا، مما قد يقلل الاعتماد على الصين ويعيد تشكيل ديناميكيات التحالفات الإقليمية.
وفي حين يضيف تشوي هيون قوة بحرية محدودة في حد ذاته، فإنه يعمق الغموض النووي، ويعقد عملية صنع القرار في الأزمات، ويزيد من خطر سوء التقدير في أي صراع مستقبلي.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
