تقارير

تقلّص نطاق الهيمنة على البحار يهدد أساس الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة

تقلّص نطاق الهيمنة على البحار يهدد أساس الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة

«نبض الخليج»  

“من يسيطر على البحر يسيطر على التجارة، ومن يسيطر على تجارة العالم يسيطر على ثروات العالم، وبالتالي العالم نفسه.” هذه المقولة التي صاغها المغامر والكاتب الإنجليزي والتر رالي الذي عاش في القرن السادس عشر، وروج لها الاستراتيجي المعاصر ألفريد ثاير ماهان، شكلت دائما أساس الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة.

لعقود من الزمن، اعتمدت أميركا على قوتها البحرية الساحقة للحفاظ على هيمنتها العسكرية، وضمان أمن التجارة العالمية، والحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد، ولكن تلك الحقبة تقترب من نهايتها.

ورغم أن القوة البحرية الأميركية لم تواجه في الماضي سوى القليل من القيود المهمة، إلا أن نطاق هيمنتها تضاءل إلى حد كبير. ويُعَد إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز المثال الأكثر دراماتيكية لهذا التغيير، لأنه يشير إلى أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على ضمان حرية الملاحة، حتى في مواجهة خصوم أضعف، عبر بعض أضيق الممرات البحرية في العالم، حيث تضع الجغرافيا وانتشار الأسلحة الرخيصة حتى الأساطيل القوية في وضع غير مؤات. يتميز “مضيق هرمز” بعدم وجود بدائل بحرية له، لكنه ليس المكان الوحيد الذي واجهت فيه قدرة الولايات المتحدة على ضمان الأمن غير المشروط للتجارة البحرية تحديات. وإلى الغرب مباشرة، أبقى الحوثيون “مضيق باب المندب” مغلقا أمام معظم حركة المرور طوال عام 2024، في وقت ضمنت فيه روسيا والصين المرور الآمن لسفنهما، على الرغم من الحملة العسكرية الأمريكية التي تهدف إلى إضعاف الحوثيين. وفي الوقت نفسه، كان التوسع السريع للبحرية الصينية وقدرتها الهائلة على بناء السفن سبباً في جعل الهيمنة البحرية الأميركية بلا منازع غير مستدامة على نحو متزايد، حتى خارج الممرات البحرية الحيوية في العالم. وتحتفظ الولايات المتحدة بمزايا واضحة في أعالي البحار، ولكن حريتها في المناورة أصبحت الآن محدودة حتى في المياه الإقليمية، وخاصة في أجزاء من شرق آسيا والقطب الشمالي، حيث يمكن، في حالة الطوارئ، منع السفن الحربية الأميركية من الاقتراب من سواحل الخصم بصواريخ قوية مضادة للسفن أو صواريخ تحت الماء.

بالنسبة للكثيرين في واشنطن، فإن نهاية حرية الملاحة المكفولة هي احتمال غير مقبول. ومع ذلك، في حين أن هذه التغييرات تطرح تحديات اقتصادية وعسكرية جديدة، فإنها لا تشكل تهديدًا وجوديًا لأمن الولايات المتحدة أو مصالحها الأساسية. يمكن للولايات المتحدة أن تتكيف بل وتزدهر في بيئة بحرية أكثر تنافسية من خلال توسيع الشبكات الاقتصادية الإقليمية، والاستثمار في سلاسل التوريد المرنة، وتحويل المزيد من المسؤولية البحرية إلى الحلفاء والشركاء.

تحقيق السيادة

لقد سعت واشنطن منذ فترة طويلة إلى تحقيق “السيادة البحرية” لثلاثة أسباب رئيسية. أولاً، يُنظر إلى الهيمنة البحرية وقدرة الولايات المتحدة على إبراز قوتها العسكرية على مستوى العالم على أنها ضرورية للدفاع الوطني وحماية المصالح الوطنية. ثانياً: القدرة على ضمان حرية الملاحة للتجارة البحرية حول العالم شرط أساسي لنظام تجاري عالمي مستقر، في حين أن السبب الثالث هو اعتقاد الكثيرين في واشنطن أن البحار الآمنة والمفتوحة تشكل ركيزة أساسية لنظام دولي سلمي.

ومع ذلك، فإن فقدان التفوق البحري لا يعني بالضرورة فقدان هذه المزايا، وكما يقول عالم السياسة باري بوسن، لضمان أمنها المادي والاقتصادي، تحتاج الدول فقط إلى قوة بحرية كافية لفرض سيطرة مؤقتة على الممرات البحرية الرئيسية للوصول إلى الأسواق الاقتصادية الحيوية، أو لنقل الأصول العسكرية.

ضمن هذا النطاق الأكثر تواضعًا، لا يزال بإمكان الولايات المتحدة إدارة المجال البحري، والتدخل مباشرة بالقوة عند الضرورة للدفاع عن المصالح الأساسية. لكن في جميع الحالات الأخرى، يجب على واشنطن تسليم مسؤولية الأمن البحري إلى الجهات الفاعلة المحلية وإلى أولئك الأكثر اعتماداً على ممرات بحرية معينة.

قوة بحرية كافية

تمتلك الولايات المتحدة اليوم ما يكفي من القوة البحرية لتحقيق هذا الهدف، والأهم من ذلك، على الرغم من أن البحرية الأمريكية لم تعد مهيمنة كما كانت من قبل، إلا أنها لا تزال تتمتع بقدرة كافية لتوسيع نفوذها لخدمة الأنشطة العسكرية أو التجارية الأساسية، ويمكنها بشكل موثوق إنشاء سيطرة مؤقتة على المياه الإقليمية بعيدًا عن الأراضي الأمريكية عند الحاجة. إن حصارها للموانئ الإيرانية، على الرغم من أن قيمته الاستراتيجية مشكوك فيها، إلا أنه دليل على هذه القدرة. إن الحفاظ على القدرة على القيام بهذا النوع من الأنشطة يصب في مصلحة الولايات المتحدة، وكذلك ضمان الوصول دون عوائق إلى المياه في جميع أنحاء نصف الكرة الغربي. لكن الولايات المتحدة قادرة على تحقيق هذا المعيار حتى لو قبلت مكانتها كواحدة من القوى البحرية الكبرى وتخلت عن دورها كضامن لحرية الملاحة العالمية.

الوصول المؤقت

وعندما استهدف الحوثيون مضيق باب المندب، ورغم أن الولايات المتحدة لم تكن قادرة على السيطرة المطلقة على المضيق، إلا أن سفنها الحربية كانت لا تزال قادرة على استخدام المضيق وإجراء عمليات نقل محدودة، لأنها كانت قادرة على الدفاع ضد الطائرات بدون طيار والصواريخ.

وبعبارة أخرى، كان بإمكانها ضمان “الوصول المؤقت” لإجراء عملياتها، لذلك من المرجح أن تكون البحرية الأمريكية قادرة على فعل الشيء نفسه في مضيق هرمز.

ومن المرجح أن يكون فشلها في محاولة فتح المضيق بالقوة انعكاساً للمصالح الأميركية المحدودة المعرضة للخطر: فقد كان الأميركيون محميين إلى حد كبير من التأثيرات المدمرة التي واجهها العالم والتكاليف المرتفعة نسبياً لمثل هذه الخطوة، وليس الافتقار إلى القدرات اللازمة.

وحتى من دون استخدام القوة العسكرية، فإن الجغرافيا المواتية للولايات المتحدة تسمح لها بالتكيف مع الاضطرابات البحرية بسرعة كبيرة. بفضل خطها الساحلي الطويل على المحيطين الأطلسي والهادئ، تستطيع الولايات المتحدة عمومًا الوصول إلى الأسواق الرئيسية من اتجاهات متعددة، ومع انخفاض الجليد في القطب الشمالي، قد توفر الطرق البحرية الشمالية خيارات إضافية للتجارة مع أوروبا وأماكن أخرى. حول “السياسة الخارجية”


مخاوف من القرصنة واحتجاز السفن

ويقول البعض إن النظام البحري الأكثر قدرة على المنافسة سيؤدي إلى زيادة مخاطر الصراع والاضطراب الاقتصادي، مما يقوض أمن الولايات المتحدة وازدهارها، فضلا عن الاستقرار العالمي. وهم يخشون أن تكتسب البلدان الواقعة على الممرات البحرية الرئيسية في المستقبل نفوذا يسمح لها باحتجاز السفن كرهائن، أو فرض رسوم تزيد من تكلفة ممارسة الأعمال التجارية. لكن العودة إلى المزيد من المنافسة في أعالي البحار لن تكون إلا عودة إلى الحياة الطبيعية التاريخية.

ومع ذلك، هناك القليل من الأدلة على أن هذا التغيير سيؤدي حتما إلى عدم الاستقرار العالمي أو نهاية النظام الدولي السلمي، وإذا انسحبت الولايات المتحدة من دورها كضامن لحرية الملاحة، فمن المرجح أن تتدخل دول أخرى لحماية مصالحها الخاصة ومنع ظهور تهديدات وصراعات جديدة في أعالي البحار، أو عودة التهديدات القديمة، مثل القرصنة.

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

التفاوض مع إسرائيل بين براغماتية السلطة وأخلاقية الموقف الشعبي السوري

محرر الخليج

أصالة نصري تشعل مواقع التواصل بتصرفها مع معجب في حفل ألمانيا

محرر الخليج

“طرق دبي” توفر خدمة الواي فاي مجاناً على متن جميع حافلات النقل عبر المدن

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More