تقارير

مكافحة التضخم في الأرجنتين.. انهيار متعمّد في أجور العمال

مكافحة التضخم في الأرجنتين.. انهيار متعمّد في أجور العمال

«نبض الخليج»  

على الورق، تبدو الأرقام مذهلة: فقد انخفض معدل التضخم السنوي في الأرجنتين من 211% في عام 2023، إلى 31.5% بحلول نهاية عام 2025.

ويعود الفضل في هذا الانخفاض إلى الرئيس خافيير ميلي، حيث أمضى بعض الوقت في وول ستريت الشهر الماضي وهو يروج لنهجه في الإنفاق العام باعتباره انتصارًا على التضخم.

ولكن باعتباري خبير اقتصاد سياسي يتابع تاريخ الأزمات الاقتصادية الدورية في الأرجنتين، فإنني أرى قصة أكثر قتامة تتكشف: فمن المؤكد أن انخفاض التضخم لا يشكل انتصاراً “للإنتاجية الأرجنتينية”، بل هو بالأحرى نتيجة ثانوية للانهيار المتعمد في أجور العمال.

لم يقم الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي بإصلاح محرك الاقتصاد الأرجنتيني. لقد أغلقه ببساطة. ومنذ توليه منصبه في عام 2023، انخفض الإنتاج الصناعي في البلاد بشكل كبير، مع إغلاق أكثر من 2000 شركة وخسارة 73000 وظيفة. وهذه ليست مجرد إحصائيات جافة. لقد انهارت الأجور الحقيقية بشدة إلى الحد الذي أدى إلى اختفاء الطلب على السلع الأرجنتينية. إذا كان المصنع يستخدم ثلث آلاته فقط لأنه لا يستطيع أحد شراء منتجاته، فإنه يفقد قدرته على رفع الأسعار. معدلات التضخم تتوقف عن الارتفاع.

ومن خلال خفض الطلب بشكل حاد، لم يحل ميلي لغز التضخم، بل قام فقط ببعض التعديلات، من خلال جعل السكان فقراء إلى الحد الذي لا يسمح لهم بالمشاركة في الاقتصاد الأرجنتيني.

فضلاً عن ذلك فإن الخوف من “البطالة الجماعية” يعني أن العمال ليس لديهم خيار غير قبول حصة أصغر من “الفطيرة” الاقتصادية للبلاد، ومرة ​​أخرى تعمل الأجور المنخفضة على منع دوامة ارتفاع الأسعار. لذا فإن الانتصار المفترض على التضخم يتلخص في واقع الأمر في إضفاء الطابع المؤسسي على الأجور المنخفضة ومستويات المعيشة المنخفضة بالنسبة لأغلب الناس.

ويعزز القانون الذي تم إقراره مؤخراً، والذي يسمى رسمياً “تحديث العمل”، هذا الواقع الجديد، حيث أدى في واقع الأمر إلى زيادة ساعات العمل للعديد من العمال وتقليص تدابير الحماية الممنوحة لهم، الأمر الذي جعل العمالة أرخص وأكثر قابلية للاستغناء عنها.

تم انتقاد التشريع الجديد باعتباره عودة إلى ممارسات العمل التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر. وبدلاً من تحديث سوق العمل، يهدف هذا التشريع إلى تطبيع حصة الأجور المتدنية في الناتج المحلي الإجمالي، والتأكد من أن الحصة المتناقصة من الدخل الوطني التي يتلقاها العامل الأرجنتيني ليست مجرد حالة طوارئ مؤقتة، بل هي سمة دائمة لهذا النموذج.

وفي حين تسلط الحكومة الضوء على توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4% لعام 2026، فإن هذا النمو يتركز في قطاعات مثل الزراعة والتعدين وإنتاج الليثيوم، والتي تخلق فرص عمل قليلة للغاية. وبالنسبة للعامل الحضري العادي، فإن الاقتصاد لم يتعاف، بل وصل ببساطة إلى مستوى معيشي جديد أدنى. وهذا لا يعني أن انخفاض التضخم لا يعني شيئا. كان هناك شعور حقيقي بالارتياح بعد فوضى معدلات التضخم المكونة من ثلاثة أرقام في عام 2023.

إن مجرد القدرة على التسوق في السوبر ماركت دون أن تتغير أسعار السلع بشكل كبير، في غضون أيام، من شأنه أن يشكل تحولا نفسيا عميقا بالنسبة للعديد من الأرجنتينيين. لكن هذا التحول لا يرتكز على أساس متين، إذ لم يتم كبح التضخم بفضل اقتصاد أكثر كفاءة، بل اضطر إلى «الاستسلام من خلال تجويعه».

ولكن من المثير للدهشة أن “معجزة” الرئيس ميلي يجري إعدادها بالفعل للتصدير، ومن التخفيضات المالية الشديدة التي أقرها ترامب في الولايات المتحدة، إلى البرامج القومية في المجر، وحزب فوكس في إسبانيا، يتم الترويج للرئيس الأرجنتيني وطريقته كنموذج لاقتصادات أخرى تكافح مع التضخم.

لكن ما يبدو انتصارا للبعض هو في الواقع أزمة اجتماعية متفاقمة. الأرجنتين تحت قيادة ميلي ليست نموذجًا يحتذى به. إنه تحذير لما يحدث عندما يكون علاج التضخم أكثر فتكاً من المرض نفسه.

*خبير اقتصادي

عن “الحوار”

. وانخفض الإنتاج الصناعي في الأرجنتين بشكل كبير مع إغلاق 2000 شركة وخسارة 73 ألف وظيفة.

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

الأمم المتحدة: إسرائيل اقترحت طريقا واحدا لإدخال المساعدات إلى غزة لكنه غير آمن

محرر الخليج

ماكرون يستقبل الشرع بباريس الأربعاء في أول زيارة للرئيس السوري إلى أوروبا

محرر الخليج

نانسي بيلوسي تهاجم حليفها القديم.. «تنازل للجمهوريين بلا مقابل»

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More