«نبض الخليج»
شهدت كولومبيا، الأحد الماضي، تحولا سياسيا بارزا بانضمامها إلى الموجة المتصاعدة في أمريكا اللاتينية الرافضة للسياسات الاشتراكية، بعد انتخاب رجل الأعمال الكولومبي أبيلاردو دي لا إسبريا (47 عاما) رئيسا للبلاد في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية.
وأظهرت النتائج النهائية تقدم إسبريا بنسبة 49.7% من إجمالي الأصوات، مقابل 48.7% لمنافسه السيناتور إيفان سيبيدا (63 عاما) الذي ينتمي إلى الحزب السياسي الذي أسسه الرئيس السابق جوستافو بيترو.
وجاء فوز إسبريا بفارق 245624 صوتا، وهو هامش أكبر مما توقعته معظم استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات.
ويعود جزء من هذا الاختلاف إلى نتائج بعض المناطق التي ينتشر فيها تأثير الجريمة المنظمة، والتي كانت أصواتها أكثر لصالح سيبيدا.
وعقب إعلان النتائج، أثار الرئيس السابق بترو الشكوك حول نزاهة العملية الانتخابية، وتحدث عن مخالفات لم يقدم تفاصيل واضحة عنها.
ومن المقرر أن تواصل السلطات الانتخابية مراجعة النتائج وتدقيقها، وفقا للإجراءات القانونية المعمول بها، على الرغم من إعلان وسائل الإعلام المستقلة فوز دي لا إسبريا انتصارا واضحا.
ويمثل هذا التحول إضافة جديدة إلى سلسلة التغيرات السياسية التي شهدتها دول أمريكا اللاتينية في السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد الدول التي أطاحت بحكومات ذات توجهات اشتراكية إلى سبع دول منذ نوفمبر 2023.
وتقود الحكومات اليمينية المحافظة المؤيدة للسوق حاليا الأرجنتين والإكوادور وبوليفيا وهندوراس وشيلي.
وانضمت البيرو أيضاً إلى هذا المسار هذا الشهر، رغم عدم صدور إعلان رسمي حتى الآن عن فوز كيكو فوجيموري.
وفي الوقت نفسه، نجحت بنما وكوستاريكا في إعادة انتخاب حكومات محافظة، بعد فشل الحكومات اليسارية السابقة في تحقيق تحسن اقتصادي كبير.
وتصدرت قضايا الاقتصاد والأمن العام أولويات الناخبين خلال تلك الانتخابات، إلى جانب المخاوف بشأن مستقبل المؤسسات الديمقراطية في مواجهة ما يعتبره الكثيرون اتجاهاً متزايداً نحو اليسار الراديكالي.
كما لعب النموذج الفنزويلي دورا مؤثرا في تشكيل مواقف الناخبين الكولومبيين، حيث ينظر العديد منهم إلى الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعيشها فنزويلا كمثال واضح لفشل السياسات الاشتراكية، وهو ما دفع قطاعات واسعة من الناخبين إلى دعم الأحزاب المحافظة.
دخلت إسبيريا الساحة السياسية كشخصية جديدة نسبيًا على الساحة السياسية، مستندة إلى خطاب ضد المؤسسة الحاكمة التقليدية.
وركزت حملته الانتخابية على مكافحة الفساد، ومواجهة عنف عصابات المخدرات، ومحاربة الجريمة المنظمة، إضافة إلى معالجة الركود الاقتصادي وعدم تحسن الظروف المعيشية في السنوات الأخيرة.
من ناحية أخرى، سعى معارضوه إلى التشكيك في أهليته السياسية، من خلال تسليط الضوء على عمله السابق كمحامي دافع عن عدد من المتهمين في قضايا تتعلق بتهريب المخدرات، من بينهم أليكس صعب، الذي ارتبط لاحقا بدائرة الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.
وخلال حملته الانتخابية، تعهد إسبريا بتنفيذ برنامج إصلاحي واسع النطاق يتضمن تقليص حجم الحكومة بما يصل إلى 40%، وخفض الضرائب، وتعزيز الحريات الاقتصادية، وخاصة في قطاع إنتاج الوقود الأحفوري.
كما أعلن عزمه التخلي بشكل كامل عن النهج الذي اتبعه الرئيس السابق بترو في التعامل مع الجماعات المسلحة والعصابات الإجرامية، معتبرا أن سياسة التسامح السابقة ساهمت في زيادة نفوذ هذه الجماعات.
وأكد الرئيس المنتخب عزمه إنشاء مرافق إصلاحية كبيرة لإيواء أفراد العصابات الإجرامية وإبعادهم عن الشوارع، إضافة إلى تنفيذ استراتيجية أمنية تهدف إلى تقويض نفوذ هذه الجماعات والقضاء على نفوذها داخل المجتمع الكولومبي.
في المقابل، تأثرت حملة منافسه إيفان سيبيدا سلباً بسبب الإرث السياسي والاقتصادي للرئيس السابق بترو، الذي واجه انتقادات بسبب ضعف الأداء الاقتصادي، وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة بعض السياسات البيئية، واتساع عجز الموازنة العامة. كما شهدت البلاد خلال فترة حكمه زيادة ملحوظة في إنتاج الكوكا، بالتوازي مع تنامي نشاط الجماعات المسلحة غير الشرعية.
وكان سيبيدا دعا إلى توسيع دور الدولة في الاقتصاد، والاستمرار في تقديم التنازلات السياسية للجماعات المسلحة، في إطار ما يعرف بمشروع “السلام الشامل”. كما تعهد بالضغط من أجل تشكيل جمعية تأسيسية لإعداد دستور جديد للبلاد، وهي خطوة سبق أن سعى بترو إلى اقتراحها خلال فترة حكمه.
وأثارت هذه التوجهات مخاوف لدى شريحة من الناخبين، ومنهم من كان متردداً في دعم إسبريا، ما دفع عدداً منهم إلى الاصطفاف خلفه باعتباره الخيار الأقدر على منع هذه التغييرات الدستورية والسياسية.
ويتمتع إسبريا بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، حيث أقام في مدينة ميامي منذ نحو 10 سنوات ويحمل الجنسية الأمريكية، بالإضافة إلى جنسيته الكولومبية. كما أعلن عن رغبته في تطوير التعاون مع واشنطن، وهو ما يعتبر تحولا واضحا عن نهج بترو الذي اتسم بمواقف أقرب مع كوبا وانتقادات متكررة للسياسات الأمريكية. عن “وول ستريت جورنال”
برنامج الإصلاح
ورغم فوزه بالرئاسة في كولومبيا، يواجه أبيلاردو دي لا إسباريا تحديات كبيرة في المرحلة المقبلة، أبرزها سيطرة حزب الرئيس السابق جوستافو بيترو على أغلبية مقاعد الكونجرس، فضلا عن الوضع المالي الصعب الذي ستجد إدارته الجديدة نفسها فيه.
إلا أن أنصاره يعتقدون أن المناخ السياسي الحالي، إلى جانب عدم الرضا الشعبي عن التجربة الاشتراكية السابقة، قد يمنحه فرصة لإطلاق برنامج إصلاحي واسع النطاق في السنوات المقبلة.
• الحكومات اليمينية المحافظة التي تدعم اقتصاد السوق، وتتصدر حالياً الأرجنتين، والإكوادور، وبوليفيا، وهندوراس، وشيلي.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
