تقارير

نساء في الخط الأمامي – كيف تعيد النساء اللبنانيات رسم دورهن في المؤسسات الأمنية؟

نساء في الخط الأمامي – كيف تعيد النساء اللبنانيات رسم دورهن في المؤسسات الأمنية؟

«نبض الخليج»  

يسلط هذا المقال – الذي كتبه الزملاء في مكتب المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان – على شهادات شخصية توثق مسيرة النساء داخل المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية، والتقدم الذي تحقق، والتحديات التي لا تزال قائمة، ودورهن المتنامي في دعم الأمن والاستقرار وتعزيز أجندة المرأة والسلام والأمن.

حلم الانضمام إلى الجيش

عندما التحقت العميد مروى سعود بالجيش اللبناني، لم تكن تتوقع أن تحمِل يوما نجمة وسيفين على كتفيها، لتصل إلى رتبة كانت تقليديا حكرا على الرجال.

وقالت: “كان الانضمام إلى الجيش حلم طفولة لم أكن أعتقد أنّه سيتحقق. لكن عندما فتحت المؤسسة العسكرية أبوابها أمام النساء للتقدّم كضباط، أقدمت على ذلك”. 

وكانت العميد سعود من بين أول 32 امرأة تم تجنيدهن في الجيش اللبناني عام 1992 كضباط اختصاص، بعدما سبق ذلك تجنيد أول دفعة من الرتباء الإناث في العام 1990.

UNSCOL
عندما التحقت العميد مروى سعود بالجيش اللبناني، لم تكن تتوقع أن تحمِل يوما نجمة وسيفين على كتفيها، لتصل إلى رتبة كانت تقليديًا حكراً على الرجال.

وبعد أن تولت مناصب عديدة في وحدات وأقسام متعددة، تتولّى العميد سعود اليوم قيادة دائرة النوع الاجتماعي (الجندر) في الجيش، حيث تعمل على تطوير وتنفيذ السياسات التي تعزز دمج النوع الاجتماعي في كافة أرجاء المؤسسة العسكرية.

وعلى مقربة من مكتب العميد سعود في سفوح جبل لبنان، تستذكر العقيد في قوى الأمن الداخلي، ديالا محتار دهشتها عندما اكتشفت أنّها كانت هي وصديقة لها أول امرأتين تنضمان إلى قوى الأمن بعد تقدّمهما بطلب عام 2001. وقالت: “قرأنا إعلانا في الصحيفة عن وظائف لضباط اختصاص في قوى الأمن الداخلي. ولم يكن هناك أي ذكر في الإعلان أن الوظائف مخصّصة فقط للرجال، فتقدّمنا بطلبنا”.

وبعد نجاحهما بتفوق في الاختبارات البدنية والنظرية، كان لا بد من قبولهما. بالإضافة إلى كونها متخصصة في تكنولوجيا المعلومات، تعمل العقيد محتار أيضا بوصفها مسؤولة تنسيق للنوع الاجتماعي في قوى الأمن الداخلي. 

أما في المديرية العامة للأمن العام، فقد بدأ تجنيد النساء قبل الجيش، وتحديدا في العام 1973، بسبب “التواصل المباشر مع المواطنين والمدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، في أماكن مثل المطار والمعابر الحدودية”، بحسب ما أوضحته النقيب كريستيان أبو زيد، التي تعمل أيضا كمسؤولة تنسيق للنوع الاجتماعي في مؤسستها.

قصص تستحق أن تُروى

LAF-members Directorate of Orientation
منذ التسعينيات، أثبتت النساء كفاءتهن في مجالات مثل الخدمات اللوجستية والوحدات الطبية والهندسة في الجيش اللبناني.

وتشكّل النساء اليوم ما يزيد قليلا عن 5% من عديد الجيش اللبناني، و6% من قوى الأمن الداخلي، و12% من الأمن العام.

لطالما اعتُبر الجيش اللبناني ركيزة للاستقرار ومؤسسة وطنية موثوقة غير طائفية في بلد يسعى للحفاظ على التعايش ضمن نسيج متنوع وحيوي من الطوائف والمجتمعات. 

وقد ازداد الاهتمام الدولي بدور الجيش اللبناني وسائر الأجهزة الأمنية على خلفية الاعمال العدائية الاخيرة التي بدأت مع تبادل إطلاق النار بين حزب الله والجيش الإسرائيلي على طول الخط الأزرق في تشرين الأول/أكتوبر 2023، والتي امتدت لاحقا إلى معظم المحافظات اللبنانية.

وفيما تكثر العناوين التي تتناول التحديات التي يواجهها الجيش اللبناني في سعيه لترسيخ حصرية السلاح بيد الدولة في لبنان، بما في ذلك النقص في القدرات والضغوط المعيشية الناتجة عن الانهيار المالي عام 2019، إلا أنّ هناك قصصا أخرى تستحق أن تُروى، ومنها قصص النساء العاملات في القطاع الأمني اللبناني، اللواتي يكسرن الانماط السائدة ويعملن، بطريقتهن، لتأمين استقرار البلد وتطوره.

أبطال المساواة بين الجنسين وبناء الثقة

سواء في الجيش اللبناني أو قوى الأمن الداخلي أو الأمن العام، يعزى التقدم الذي أحرزته المرأة إلى القيادة القوية. ففي العام 2018، أطلق قائد الجيش السابق العماد جوزاف عون، رئيس الجمهورية الحالي، حملة لتجنيد 4000 عنصر نسائي برتبة رتيبة. وقد أُتيحت الفرصة لاحقا للعديد من اللواتي كان لديهن تخصصات سابقة لأن يصبحن ضباط بعد بضع سنوات من خلال تجنيد منفصل للطلبة الضباط.

كما دعم عدد من “رواد المساواة” داخل المؤسسة العسكرية تمثيل المرأة وتمكينها “انطلاقا من قناعة وضرورة”، بحسب مصادر عسكرية.

ومنذ التسعينيات، أثبتت النساء كفاءتهن في مجالات مثل الخدمات اللوجستية والوحدات الطبية والهندسة. ومع تطوّر الأوضاع في مختلف المناطق اللبنانية، بات من الضروري، وفق قيادة الجيش، إشراك النساء في أدوار عملياتية أوسع. 

وتم اختبار ذلك بفاعلية في أحد أفواج الحدود البرية في شمال لبنان. وبينما لم تشارك الجنود النساء بشكل مباشر في العمليات عالية الخطورة مثل مكافحة التهريب أو مداهمة النشاطات غير القانونية عبر الحدود، لكنهن لعبن دورا مهما في عملية بسط سلطة الدولة وبناء الثقة من خلال دعم الفئات الضعيفة والمشاركة في المشاريع المدنية-العسكرية. 

وقالت العميد سعود: “لقد أثبتت النساء في الجيش اللبناني أنّ وجودهن ليس رمزيا فحسب، بل فعّال أيضا”.

LAF-Directorate of Orientation
سواء في الجيش اللبناني أو قوى الأمن الداخلي أو الأمن العام، يعزى التقدم الذي أحرزته المرأة إلى القيادة القوية.

بدورها، شدّدت الملازم روزاليا حجيج من الشرطة العسكرية على قدرات النساء في القطاع الأمني، قائلة: “يمكن للنساء القيام بكل المهام التي يقوم بها الرجال. يشاركن في التفتيش والمداهمات والتحقيقات وجمع الأدلة الجنائية، ويفحصن مسارح الجريمة، ويعملن في السجون وحتى على الدبابات”.

ويؤكد كثيرون أنّ هذه المهام تُنفَّذ بروح عالية من الانتماء والفخر. وقالت الملازم جوزيان حبشي، وهي حاليا الضابطة الوحيدة في فوج مغاوير البحر تقود مجموعة من ثلاثين رتيبا من النساء: “أصعب قرار اتخذته كان عندما تركت ابنتي للالتحاق بالكلية الحربيةلأصبح ضابطة. واجهت ضغوطا نفسية وجسدية، لكنني لم أُهزم ولم أستسلم”.

وأضافت: “أكثر ما يمنحني شعورا بالاعتزاز هو انتمائي إلى هذه المؤسسة التي تجسّد شعارها: شرف، تضحية، ووفاء”.

أدوار إدارية أكثر من عملياتية

لقد استدعى جعل قطاع الأمن أكثر شمولية إدخال عدة تغييرات، مثل تعديل التدريبات التي كانت تتسبب بإصابات في الحوض لدى النساء أو توفير غرف لتغيير الملابس خاصة بالنساء.

وتروي العقيد محتار، التي هي الآن أم لأربعة اطفال: “عندما أنجبت ابنتي الأولى، قيل لي إنني سأحصل على أربعة أيام إجازة فقط، وهي الاجازة التي كان يحصل عليها الزملاء الرجال عند ولادة أطفالهم”. وأضافت ضاحكة: “طبعا تغيّرت هذه القوانين لاحقا لتتوافق مع معايير إجازة الأمومة الوطنية التي لا تقل عن شهرين”.

كما أكدت مصادر عدة أن النساء يتقاضين الأجور نفسها ويحصلن على فرص مماثلة لتلك المتاحة للرجال. إلا أنّ الصور النمطية لا تزال قائمة داخل الجيش والأجهزة الأمنية، حيث تشعر بعض النساء بضغط أكبر لإثبات جدارتهن. ومع عمل معظم النساء في مناصب إدارية، يتضح أن الحواجز المؤسسية والمجتمعية لا تزال قائمة.

LAF
العقيدة ديالا محتار تعمل في قوى الأمن الداخلي في لبنان.

وبحسب مصادر عسكرية رفيعة، فإن تعزيز تمثيل المرأة في المواقع القتالية يحتاج إلى وقت وجهد، سواء لخلق ثقافة داخلية أكثر تقبلا داخل المؤسسات ذات الغالبية الذكورية، أو لتأمين البنية التحتية اللازمة، أو لمعالجة التحديات الاجتماعية الأوسع خارج المؤسسة في المجتمع اللبناني. 

وقال مسؤول عسكري رفيع: “النساء يمتلكن القدرات الذهنية والقيادية والجسدية لقيادة أي وحدة. لكن البنية التحتية والفوقية المطلوبة ليست جاهزة بعد. الأمر لا يتعلق فقط بالجغرافيا أو بالمرافق، بل بالنظام الاجتماعي اللبناني ككل”.

كما أنّ النساء لم يتولين بعد مناصب قيادية أساسية، مثلاً في قيادة الوحدات العملياتية.

وعلى صعيد التجنيد، لا تسير التطورات دائما بوتيرة ثابتة، إذ تتأثر المؤسسات أحيانا بالأزمات المالية أو الإدارية.

ومع ذلك، هناك مؤشرات إيجابية، إذ تخرّج عدد متساوٍ من الرجال والنساء من الكلية الحربية عام 2022، كما شكّلت النساء 55% من المجندين في قوى الأمن الداخلي عام 2025. فيما لا يكفي ذلك بعد للحديث عن توجّه ثابت، لكنه يشكل قاعدة واعدة للبناء عليها.

وقالت العقيد محتار: “نشجّع المزيد من النساء على التقدّم، وليس فقط إلى الوظائف الإدارية”، مشيرة إلى أن المزيد من النساء يتم إرسالهن للعمل في وحدات مختلفة، مثل شرطة السير، والفرق القضائية، والسجون والمخافر في مختلف المناطق اللبنانية.

أجندة المرأة والسلام والأمن

في الفترة الأخيرة، أصبح الدافع وراء الدعوة إلى دمج النوع الاجتماعي أكثر استراتيجية، مدفوعا بعقلية أكثر تقدّما لدى قيادات الجيش وقوى الأمن والأمن العام، بالإضافة إلى الدعم من المجتمع الدولي.

وشكّل قرار مجلس الأمن رقم 1325 (2000)، الذي أطلق أجندة “المرأة والسلام والأمن”، رافعة مهمة لتعزيز المساواة وتمكين المرأة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، خاصة بعد إقرار لبنان خطة عمل وطنية لتنفيذ القرار، تضمنت توصيات بزيادة عدد النساء في الأجهزة الأمنية وتعزيز أدوارهن.

LAF
تخوض النساء في المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية معركة مختلفة؛ معركة لإثبات الكفاءة وكسر الصور النمطية.

وقد دعمت عدة دول الجيش اللبناني وسائر المؤسسات الأمنية في هذه الأنشطة، من بينها كندا والنرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة ودول أخرى، عبر دعم تقني نُفّذ في كثير من الأحيان بالتعاون مع الأمم المتحدة، بما في ذلك هيئة الأمم المتحدة للمرأة.

لكنّ أبرز عوامل التغيير جاءت من الداخل. وقالت العميد سعود: “إنشاء دائرة النوع الاجتماعي في الجيش عام 2022 كان بحد ذاته إنجازا، إذ سمح بإدخال مفاهيم المساواة في تطوير السياسات والتدريبات العسكرية”.

وفي الآونة الأخيرة، تم تعيين نحو 85 منسقة للنوع الاجتماعي في مختلف وحدات الجيش لدفع سياسات الإدماج والمساواة قدما.

ولجعل العملية أكثر فعالية، وُضعت استراتيجية جندرية في الجيش، ويجري العمل حالياً على خطة تنفيذية لها. وأضافت العميد سعود: “كما اعتمدنا مؤخرا سياسة الوقاية من التحرش الجنسي والعنف الأسري والاستجابة لهما ومعاقبتهما داخل المؤسسة العسكرية، بالتعاون مع الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، ونعمل الآن على خطة تنفيذها”.

مسار إيجابي نحو تعزيز تمثيل المرأة

من جهتها، أوضحت العقيد محتار أنّ قوى الأمن الداخلي تعطي أولوية لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، مع وجود خط ساخن للشكاوى، إلى جانب تدريبات وحملات توعية موجهة إلى مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية ومكافحة الاتجار بالبشر والضابطة العدلية.

ISF
النقيبة كريستيان أبو زيد، التي تعمل أيضا كمسؤولة تنسيق للنوع الاجتماعي في المديرية العامة للأمن العام.

أما النقيب أبو زيد فقالت: “في الأمن العام لا توجد دائرة للنوع الاجتماعي، لكن لدينا شبكة جندرية تضم منسقات في مراكز مختلفة، ترصد أي حوادث مرتبطة بالنوع الاجتماعي، بما فيها الترهيب أو التحرش سواء بحق عناصر الأمن العام أو المواطنين”.

وفي قوى الأمن الداخلي، أُنجز تدقيق داخلي وخطة عمل للنوع الاجتماعي عام 2024. وقالت العقيد محتار إنه بعد ذلك أُعدّ تقرير يتضمن توصيات للقيادة العليا حول معالجة العقبات التي تعيق الإدماج الجندري والتمثيل المتساوي للنساء على المديين القصير والمتوسط والطويل.

كما بدأت النساء تتولى تدريجيا مواقع ميدانية أكثر بروزا. فقد عُيّنت امرأة رئيسة لأحد مخافر بيروت، فيما تتولى نساء عدة إدارة مراكز خارج العاصمة ضمن الأمن العام. 

وأضافت النقيب أبو زيد: “من بين وحدات الأمن العام التي تنفذ المداهمات والتفتيشات، توجد واحدة تتألف بالكامل من النساء. ويتم إرسالها عندما تتطلب العمليات وجود نساء”.

ورغم أنّ الطريق لا يزال طويلا، فإنّ الإنجازات المحققة حتى الآن وضعت المؤسسات العسكرية والأمنية على مسار إيجابي نحو تعزيز تمثيل المرأة ودمجها بشكل أوسع. وبينما تزداد الاسئلة حول الجهود السياسية الرامية إلى وقف الاعمال العدائية في لبنان ومحيطه، يبقى أمرا واحدا مؤكدا: سيكون للمرأة دور أساسي في الحل.

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

حاكم رأس الخيمة يأمر بالإفراج عن 443 نزيلا بمناسبة عيد الأضحى المبارك

محرر الخليج

روسيا تدعو إلى تسوية “سياسية ودبلوماسية” بعد مهلة ترامب لإيران

محرر الخليج

أصالة تعلّق على تكريمها بـ “عضوية الشرف” في نقابة الفنانين السوريين

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More