«نبض الخليج»
بين طرقات منبج المزدحمة وأحيائها النابضة بالحياة، تبرز ملامح عودة تدريجية إلى الاستقرار في واحدة من أكبر مدن ريف حلب، بعد سنوات من النزاعات والتحولات المتسارعة. اليوم، تبدو المدينة وكأنها تلتقط أنفاسها مجدداً، مدفوعة بتحسن نسبي في الأوضاع الأمنية والخدمية، رغم الصعوبات البنيوية والاقتصادية التي ما تزال تخنقها.
في هذا التقرير، يرصد تلفزيون سوريا واقع المدينة كما ينقله أهلها ومجلسها المحلي، ويتابع تفاصيل يوميات سكانها، الذين لا تزال تحديات المياه والكهرباء والركود الاقتصادي تهيمن على أحاديثهم، بينما يراودهم حلم بأن تصبح منبج مستقبلاً مركزاً إدارياً لمحافظة ريف حلب، بما يعزز حظوظها في الخروج من دائرة الإهمال ويعيد لها دورها كمحور تجاري وخدمي في شمال سوريا.
كشف رئيس مجلس مدينة منبج، أحمد شيخو، لموقع تلفزيون سوريا، أن الحياة بدأت تعود تدريجياً إلى المدينة وضواحيها القريبة بعد تحسن الوضع الأمني وتحسن الخدمات الأساسية مقارنةً بالفترة التي أعقبت التحرير في أواخر عام 2024. وأوضح شيخو أن المجلس يسعى جاهداً لتطوير الواقع الخدمي والجمالي وتعزيز حالة الاستقرار، رغم الإمكانات المحدودة المتوفرة حالياً.
وأشار إلى أن الأسواق بدأت تستعيد نشاطها، وظهرت مؤشرات هذا الانتعاش خلال الشهرين الماضيين، مع عودة التجار وأصحاب المهن لافتتاح محالهم في السوق الرئيسي وسائر أسواق المدينة التي تتنوع فيها السلع والأنشطة التجارية.
جهود خدمية
أكد أحمد شيخو أن “مجلس مدينة منبج يواجه حالياً عدة تحديات، أبرزها صعوبة تشغيل برنامج النظافة بسبب نقص المحروقات وخروج عدد من الآليات البلدية عن الخدمة نتيجة الأعطال الفنية أو التلف”. وأضاف أن المجلس يعمل بتنسيق مباشر مع مجلس محافظة حلب، الذي أرسل وفداً إلى المدينة في 16 نيسان/أبريل الماضي للاطلاع على الواقع الخدمي وبحث سبل تطويره وتقديم الدعم. وقد بدأت نتائج هذا التنسيق بالظهور إيجابياً على أرض الواقع.
وتحدث شيخو عن التحدي الأكبر الذي تواجهه المدينة حالياً، وهو انقطاع المياه المستمر منذ نحو أربعة أشهر، ما يزيد من الأعباء الاقتصادية على السكان الذين يتجاوز عددهم 600 ألف نسمة. وقال: “انقطاع المياه في منبج يعود إلى عطل في مضخة البابيري على نهر الفرات، التي تغذي خزاني القرعة وتل أسود. ويُعدّ حل هذه المشكلة أولوية قصوى للمجلس خلال الفترة المقبلة”.
وتُغذّى مدينة منبج وضواحيها من محطة البابيري الواقعة في ناحية الخفسة، على بُعد 40 كم جنوب المدينة. وتضخ المحطة نحو 10 آلاف متر مكعب من المياه إلى خزاني القرعة وتل أسود، ومنها إلى محطتي أم عظام وعون الدادات. غير أن عمليات الإصلاح الأخيرة التي شهدتها المحطة لم تشمل المضخات المخصصة لمنبج، بل اقتصرت على تلك الموجهة نحو حلب.
وقد أنشئت خزانات القرعة وتل أسود قبل عقود على تلال مرتفعة في ريف منبج، وتُجمع فيها مياه الفرات قبل ضخها انسيابياً نحو الأحياء السكنية. لكنّ توقف الضخ من البابيري ليس السبب الوحيد للأزمة، إذ تضررت خزانات التجميع وتعرضت للسرقة أكثر من مرة، وهي اليوم بحاجة إلى إصلاح لإعادة تدفق المياه إلى منبج. كما أن تهالك شبكة مياه الشرب يزيد من تعقيد المشكلة، إلى جانب الحاجة إلى زيادة حصة المدينة من المياه، نظراً للزيادة السكانية الكبيرة التي شهدتها خلال السنوات الماضية، خاصة بعد عام 2012، حين أصبحت منبج ملاذاً آمناً لعشرات الآلاف من النازحين من مختلف المحافظات السورية.
أما الكهرباء، فلا تبدو أفضل حالاً. قال شيخو: “هناك تحسن ملحوظ في ساعات التغذية الكهربائية بعد انقطاعات طويلة وتقنين شديد شهدته المدينة في الفترة السابقة. حالياً تصل الكهرباء إلى المدينة لنحو 8 ساعات يومياً، والعمل مستمر لزيادة مدة التغذية مع استمرار عمليات الإصلاح”. ويلجأ السكان إلى الاشتراك في مولدات كهربائية خاصة لتعويض النقص في التغذية الرسمية.
منبج… الأم الحنون
جال موقع تلفزيون سوريا في أحياء وأسواق مدينة منبج وعدد من الضواحي القريبة منها، وبدا واضحاً أن المدينة نابضة بالحياة نظراً للكثافة السكانية العالية، خاصة في الشارع الرئيسي (ذهاباً وإياباً) الذي يقسم المدينة إلى نصفين، حيث تنتشر مئات المحال التجارية على جانبي الطريق. وقد لوحظ أن أعداداً كبيرة من النازحين لا تزال تقيم في المدينة، وبعضهم يزاول مهنته في محله التجاري الذي افتتحه منذ سنوات، حيث يعمل البعض في تجارة الإلكترونيات والعطور والخضار والألبسة، بينما يمتلك آخرون مطاعم ومغاسل سيارات، أو يديرون “بسطات” لبيع الخردوات.
التقى الموقع محمد حمامي، نازحاً من حي الفردوس في حلب، يدير بسطة لبيع الخردوات قرب السوق المسقوف في منبج. قال حمامي إنه فضّل البقاء مع عائلته في منبج على العودة إلى حلب بسبب ارتفاع إيجارات المنازل هناك، موضحاً أن إيجار المنزل في حلب يصل إلى 1.5 مليون ليرة سورية (نحو 150 دولاراً)، بينما يدفع في منبج منذ سنوات 20 دولاراً فقط كإيجار شهري لمنزله الصغير. وأضاف: “منبج أم الفقير، يمكن لأي شخص أن يعيش فيها ويجد عملاً، وأسعار السلع، خاصة الخضار والمواد الغذائية، مناسبة جداً. المعيشة في منبج ممكنة، أما في حلب فالوضع صعب، وهذا ما يدفع كثيرين من النازحين من حلب وحمص وحماة وغيرها للبقاء إلى حين تحسن الأوضاع في مناطقهم الأصلية”.
ركود الأسواق
لا تبدو حركة التسوق مرضية في السوق المسقوف في منبج، وكذلك في باقي أسواق المدينة التي كانت عادة ما تستقطب المتسوقين من الريف الواسع، الذي يضم أكثر من 450 بلدة وقرية في الريف الشمالي الشرقي لمحافظة حلب. وأكد أحمد العاصي، صاحب محل لبيع الأدوات المنزلية في السوق، أن “حركة السوق ما تزال ضعيفة، وتعاني معظم المحال من قلة الزبائن، بسبب نقص السيولة بين أيدي الناس، وكون الموظفين لم يتسلموا رواتبهم منذ قرابة ثلاثة أشهر، ما أثر سلباً في القدرة الشرائية، وأدى إلى شبه شلل في الحركة الاقتصادية اليومية”.
وأوضح العاصي أن “واقع الكهرباء يؤثر أيضاً في حركة الأسواق، إذ إن التغذية الكهربائية ضعيفة ومحدودة، وتأتي بشكل متقطع خلال النهار، ما يجعل بقاء الأسواق مفتوحة حتى وقت متأخر مكلفاً، بسبب الحاجة إلى الاشتراك في مولدات كهربائية خاصة، لذا تُغلق أغلب المحال أبوابها في وقت مبكر”.
أما أحمد حاج علي، صاحب محل لبيع العطورات، فيدفع شهرياً ما يزيد على 2 مليون ليرة سورية (حوالي 200 دولار) لتأمين مياه الشرب والكهرباء لمحله ومنزله، بالإضافة إلى نفقات المعيشة لعائلته. وقال لموقع تلفزيون سوريا: “سعر الأمبير الواحد نحو 5 دولارات أسبوعياً، وهو مبلغ كبير بالنسبة لكثيرين، ويحتاج المحل الواحد إلى أكثر من أمبير لتشغيل الإنارة والتبريد والأدوات المكتبية، وهذا ما يدفع أصحاب المحال إلى تقليص ساعات العمل والإغلاق مع غروب الشمس. أما المياه، فكل أسرة مكونة من خمسة أفراد تضطر شهرياً إلى شراء المياه بمبلغ يصل إلى مليون ليرة سورية (100 دولار)”.
وقرب الجامع الكبير، تنتشر عشرات المحال التجارية القديمة التي تبيع المواد الغذائية بالجملة والمفرق، وعلى الأرصفة يتجمع الناس حول صرّافين جوّالين، كلٌّ منهم يضع العملات في صندوق زجاجي أمامه، ويجلس على كرسي بلاستيكي، وهي ظاهرة جديدة في المدينة، بعدما كانت عمليات التصريف محصورة في محال مرخصة.
يرى أبي تلجبيني، صاحب محل لبيع المواد الغذائية قرب الجامع الكبير، أن مطالب السكان تتمحور حول الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والنظافة والصحة والأمن. وقال: “المياه كانت كافية قبل أكثر من 10 سنوات، أما الآن، فحتى لو تم إصلاح محطات الضخ فلن تغطي ربع الحاجة. عدد سكان منبج يتجاوز 800 ألف نسمة وفق تقديرات محلية غير رسمية، نتيجة التوسع العمراني والنمو السكاني السريع، مقابل شبكة مياه قديمة وبنية تحتية لم يتم تطويرها بما يواكب هذا التوسع”. وأضاف: “مجلس المدينة بحاجة إلى دعم حكومي حقيقي ليتمكن من تلبية احتياجات السكان. لا بد لمنبج أن تنهض من جديد، وتأمين الخدمات وإعادة الحياة إليها كفيل بدعم الأمن والاستقرار”.
منبج كبرى مدن ريف حلب
يفخر أبناء منبج بمدينتهم، فهي إحدى المدن العريقة في شمال سوريا، وتقع في ريف محافظة حلب، على بُعد نحو 30 كيلومتراً غرب نهر الفرات، و80 كيلومتراً من مدينة حلب. وتتميز بتاريخها العريق الذي يعود إلى العصور القديمة، حيث كانت ذات مكانة خاصة لدى الآراميين واليونانيين والرومان، ولمع اسمها في العصر الإسلامي، كما كانت موطناً للشاعر العباسي البحتري، أحد أبرز شعراء ذلك العصر. وقد عُرفت بأسماء مختلفة مثل “هيرابوليس” (المدينة المقدسة) و”مابوغ” (النبع)، وتضم تركيبتها الديموغرافية مزيجاً من العرب والأكراد والشركس.
خلال جولة موقع تلفزيون سوريا بين أحياء المدينة، كانت الشائعة الأكثر تداولاً بين السكان هي احتمالية أن تصبح منبج مقراً مركزياً لمحافظة “ريف حلب”، باعتبارها أكبر مدن الريف الحلبي، وتتبع لها منطقة ريفية واسعة. وتُتداول هذه المعلومات بكثرة في الآونة الأخيرة شمالي سوريا، دون أن تستند إلى تسريبات أو معلومات رسمية من الجهات الحكومية. ويسود اعتقاد بأن إنشاء محافظة جديدة تضم أرياف حلب قد ينعكس إيجاباً على الواقع الحضري، ويسهم في تخصيص ميزانيات أعلى للمدن لتنهض خدمياً وإدارياً، وأن تحظى بالحصة ذاتها من الاهتمام الحكومي أسوةً بالمدن الرئيسية، بما يسهّل على السكان قضاء حاجاتهم دون الحاجة للتنقل إلى مراكز بعيدة.
شهدت منبج تبادلاً في السيطرة منذ العام 2012، حيث كانت البداية بسيطرة فصائل الجيش الحر، ثم وقعت بيد “تنظيم الدولة” عام 2014، واستمر ذلك حتى عام 2017، حين سيطرت عليها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). وبعد عام 2017، شهدت المدينة فترة من الانتعاش الاقتصادي، نظراً لوقوع ريفها على خطوط التماس بين قوات النظام المخلوع والفصائل المعارضة السورية. وكانت حركة التهريب نشطة جداً عبر تلك الممرات، ما أسهم في تغذية مناطق شمال شرقي سوريا بمختلف المواد والسلع، كما كانت منبج محطة لعبور المحروقات والنفط الخام نحو مناطق المعارضة. وتضم المنطقة أيضاً عدداً من محطات التكرير البدائية، ما أثر إيجاباً في الحركة التجارية، وساهم في زيادة عدد السكان بشكل ملحوظ.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
