«نبض الخليج»
عادت قلة قليلة من اللاجئين السوريين من ألمانيا إلى سوريا منذ تغيير النظام في بلدهم في كانون الأول من عام 2024.
وكشف بحث أجرته هيئة الإذاعة الإقليمية العامة في ألمانيا أنه مع نهاية شهر حزيران، لم يقرر العودة إلى سوريا سوى أربعة آلاف سوري وسورية، من أصل مليون تقريباً.
أي بمعنى أصح، لم يعد إلى سوريا خلال الشهور الثمانية الماضية سوى 250 سورياً وسورية، على الرغم من أن معظمهم يفكر كل يوم بإمكانية العودة ومتى ستصبح ذلك خياراً مطروحاً بالنسبة لهم.
حتى الآن، يعتقد بأن نحو 600 ألف سورياً وسورية قد عادوا إلى بلدهم من مختلف بقاع العالم، وذلك بحسب ما أوردته هيئة الأمم المتحدة، ومعظم العائدين والعائدات أتوا من دول الجوار مثل لبنان وسوريا، حيث يعد أبناء وبنات الجالية السورية بالملايين.
بنهاية عام 2026، من المتوقع أن يصل عدد العائدين والعائدات إلى مليونين ونصف، على الرغم من أن كثيرين منهم ماتزال الشكوك تساورهم حيال مستقبل البلد.
عائدون كثر من دون معونة حكومية
اختار ربع السوريين المقيمين في ألمانيا العودة الطوعية التي تتكفل بنفقاتها الحكومة الألمانية بدعم من المنظمة الدولية للهجرة، إذ يقوم ما يعرف ببرنامج الهجرة المخصص لطالبي اللجوء في ألمانيا وبرنامج المساعدة الحكومية على العودة بتغطية نفقات السفر التي تشمل مبلغاً يعادل ألف يورو أو يزيدون وذلك بحسب وضع الشخص.
كما يغطي هذا البرنامج النفقات الطبية طوال عدة أشهر بعد الوصول إن لزم الأمر.
وعموماً، اختار ألف عائد وعائدة لسوريا من أصل أربعة آلاف الاستعانة بعملية العودة الطوعية حتى اليوم.
وفي تلك الأثناء، اختار 193 شخصاً عدة برامج حكومية مخصصة للأفراد من طالبي اللجوء الراغبين بالعودة إلى بلدهم، وتختلف تلك البرامج من ولاية لأخرى، لكنها تشمل خدمات إضافية تقدم بشكل عيني عادة، مثل المساعدة على الاندماج من جديد والمساعدات الطبية، وخدمات الترجمة الفورية، والمعونة المخصصة للبدء من جديد، وغيرها من الأمور.
وبحسب المعلومات التي جمعتها هيئة الإذاعة الإقليمية العامة في ألمانيا، فإن معظم السوريين الذين غادروا ألمانيا، ويبلغ عددهم 2727 حالة، سافروا من دون أن يطالبوا بتلك الأموال.
عدد كبير من السوريين يخطط للبقاء في ألمانيا
في مسح أجراه معهد أبحاث السوق منذ فترة قريبة تبين بأن معظم الألمان (52% منهم) يفضلون عودة سريعة للسوريين الذين لم يندمجوا تماماً في المجتمع الألماني.
وفي هذه الأثناء، أيد ربع من شملهم المسح فكرة ممارسة ضغط أكبر لتسهيل عودة السوريين عموماً، بصرف النظر عن مدى اندماجهم.
لقطة جوية لمدينة حمص المدمرة
وبحسب ذلك المسح، فإن 13% وقفوا ضد فكرة العودة خلال هذه المرحلة، في حين أن 4% ذكروا بأنهم يرفضون فكرة عودة السوريين إلى بلدهم عموماً.
بيد أن المزاج العام للسوريين يخالف كل ذلك، إذ عقب سقوط الأسد، أجرى معهد أبحاث التوظيف التابع لوكالة التوظيف الفيدرالية بألمانيا مسحاً في كانون الأول من عام 2014 فتبين من خلاله بأن 66% من السوريين المقيمين في ألمانيا قد خططوا للبقاء في وطنهم الجديد.
هل أصبحت سوريا آمنة؟
مايزال الوضع السياسي والأمني في سوريا غير واضح المعالم، بعد تكرر موجات العنف منذ سقوط الأسد، وهذا ما تسبب بمقتل المئات من أبناء الأقليات في البلد خلال الشهور القليلة الماضية.
عانى العلويون والبدو والدروز على وجه الخصوص من تزايد كبير في العنف الطائفي خلال هذا العام، والذي أسفر عن خسائر كبيرة في الأرواح.
وفي تلك الأثناء، مايزال عدم توفر ما يكفي من البنية التحتية، والشح الشديد في توفير الخدمات الأساسية في ظل الحكومة المؤقتة الجديدة يلف مستقبل البلد بغموض شديد وذلك بالنسبة لمن عادوا أو من يفكرون بالعودة.
“إلى أين نذهب؟”
لكل من قرر البقاء في ألمانيا أسبابه وظروفه الشخصية التي جعلته يتخذ هذا القرار، وقد سلطت وكالة EPD للأنباء الضوء على بعض تلك الحالات، ومنها حالة سالي حطاب، 33 عاماً، التي وصلت إلى ألمانيا برفقة زوجها قبل عشر سنوات بعد هروبهما المريع من الحرب الدائرة في بلدهما.

من ألمانيا.. سوريتان تحتفلان بسقوط نظام الأسد
تاريخ الصورة: 10 كانون الأول 2024
أسست سالي حياة جديدة لها في ميونخ، حيث وضعت طفليها خلال العقد الماضي عقب فرارها من بلدها.
تعلق سالي على وضعها فتقول: “إن وضعنا يشبه وضع كثير من اللاجئين الذين وصلوا إلى ألمانيا خلال تلك الفترة وأصبحوا جزءاً من المجتمع الألماني اليوم، أي أن القرار كان صحيحاً بالنسبة لنا ولألمانيا”، وأضافت بأن فكرة العودة إلى بلد دمرته الحرب غير مطروحة بالنسبة لها، وأردفت قائلة: “إننا مثل كثير من السوريين نعمل هنا الآن، وأطفالنا مثل كثير من أطفال السوريين يذهبون إلى المدارس هنا، كما أن بيتنا قد دمر كغيره من بيوت الناس في سوريا، فإلى أين نذهب؟”
كما أن سالي لا تفكر أيضاً بزيارة سوريا الجديدة حتى ترى ما حدث فيها بأم عينيها، على الرغم من أنها لم تر أهلها منذ عشر سنوات، وتعقيباً على ذلك تقول: “حجزت مرتين وألغيت الحجز في المرتين” مؤكدة بأن الوضع على الأرض مايزال غير مضمون بالنسبة لها، حتى بعد سقوط نظام الأسد.
لم يعد أحد “يرحب باللاجئين”
تنتاب سليمان التدمري مشاعر مشابهة تجاه بلده، فقد هرب هذا الصحفي السوري من سوريا بسبب الحرب في عام 2015 وأسس لنفسه حياة جديدة في ألمانيا منذ ذلك الحين، حيث عاود العمل بمهنته في هامبورغ، وحصل على الجنسية الألمانية في نهاية المطاف.

الصحفي السوري-الألماني سليمان التدمري
وفي أحدث حلقة من برنامج “بانوراما” الذي يورد الأحداث ويتحدث عن الأوضاع الحالية، والذي تبثه قناة NDR، أعرب التدمري عن دهشته حيال تحول عودة السوريين المرتقبة إلى بلدهم إلى ورقة ضغط سياسية مهمة، حيث قال: “في عام 2015، كنت أحس بأني مرحب بي في ألمانيا بكل صدق”، وأكد بأن المزاج تغير منذ ذلك الحين.
يحدثنا التدمري عن قلقه البالغ من تصويت 20% من الناخبين لصالح حزب (البديل من أجل ألمانيا) اليميني المتطرف في الانتخابات الفدرالية التي أجريت في شهر شباط الماضي، بما أن هذا الحزب أعلن عن رغبته بإعادة الأجانب إلى بلدانهم.
وأضاف هذا الرجل بأن بعض الآراء التي كانت في السابق حكراً على اليمين المتطرف وصلت اليوم ليمين الوسط ضمن المشهد السياسي بألمانيا، وقال: “إن ما استنتجته من كل تلك الشعارات هو أن [السياسيين] يريدون ترحيل أكبر عدد ممكن من السوريين خارج ألمانيا”، وتساءل التدمري: “في الوقت الذي مايزال أغلب السوريين المقيمين في ألمانيا من أمثالي تنتابهم شكوك حيال السلام في سوريا وهل حل بالبلد أخيراً لم ليس يحن وقته بعد، ينشغل هؤلاء السياسيون بمناقشة فكرة تسريع عودتنا، فهل مايزالون يريدوننا في ألمانيا، أم أن وقت الرحيل قد حان؟”
قرر التدمري العودة إلى مسقط رأسه حمص ليرى ما تغير فيها بنفسه وذلك بعد أسابيع من سقوط الأسد، ولكن بعد أيام على وصوله إلى هناك، بدأ يشتاق للحياة التي أسسها في هامبورغ، ولهذا يقول: “أصبحت لدي جذور في ألمانيا اليوم، ولهذا فلست على استعداد لترك أي شيء والرحيل من دونه للمرة الثانية”.
“سوريا هي الخطة البديلة”
من خلال البرنامج الذي تبثه NDR، التقى التدمري بعدد من السوريين الذين ينتابهم تردد كبير تجاه عودتهم إلى سوريا، تماماً كما هي حاله.

طبيب الأسنان السوري المقيم في ألمانيا ماهر هينو
يأمل ماهر هينو وهو طبيب أسنان يعيش في مدينة مونستر أن يتزوج خطيبته الألمانية في الربيع القادم، ويخطط للبقاء في ألمانيا، وخاصة بعد أن رأى بأم عينه كل ما تغير في بلده بعد رحلته إلى دمشق التي قام بها قبل شهرين، فقد شاهد هناك كثيراً من العنف ولم يتضح له إلى أين ستأخذ المقادير البلد حتى الآن.
إلا أن هينو أخبر التدمري بأن التردد يشوب توقعاته بخصوص ما سيحمله المستقبل، ويقول: “تابعت منذ فترة قريبة فيلماً وثائقياً عن ألمانيا النازية وهتلر وحزبه وصعوده إلى السلطة، ولا أظن أن تصل الأمور لهذا الحد في ألمانيا مرة أخرى، ولكني أعتقد بأن الناس في ذلك الحين كانوا يظنون بأن الأمور لن تصل إلى ذلك الحد.. ثم إننا نتابع كيف تتغير الأمور بسرعة، إذ يكفينا أن نراقب ما يحدث في الولايات المتحدة وكيف صعد ترمب إلى السلطة، لذا، في حال تغيرت الأمور في ألمانيا، فإني سأختار العودة التي ستتحول إلى مهرب عندئذ، ولكني سأهرب هذه المرة إلى سوريا”.
المصدر: InfoMigrants
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
