تقارير

لقب “صرّاف المنطقة”.. هل تملأ دمشق الفراغ الذي تركته بيروت؟

لقب “صرّاف المنطقة”.. هل تملأ دمشق الفراغ الذي تركته بيروت؟

«نبض الخليج»  

في أحد مقاهي فرانكفورت، كان المهندس اللبناني بيير يحدّق في فنجان قهوته بصمت. قبل سنوات قليلة فقط، كان يقود واحدة من شركات المقاولات المتوسطة في لبنان، بثروة بناها على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، معظمها مودع في المصارف اللبنانية.
اليوم، ذهبت ثروته كلها أدراج الرياح، “لقد تمت سرقتي، كل رأس مالي تبخر، ولن أعود إلى لبنان أبداً”، يقول بيير بغصّة واضحة، لكنه، رغم مرارة الخسارة، يرى أن الفراغ الذي تركه انهيار القطاع المصرفي اللبناني قد يكون فرصة تاريخية أمام سوريا لتصبح مركز الصيرفة الأول في المنطقة.

سويسرا الشرق.. الهيمنة السياسة تقتل “الثقة المصرفية”

كان لبنان لعقود طويلة يُلقّب بـ”سويسرا الشرق”، بفضل سرّيته المصرفية وبيئته المالية المنفتحة، ما جعله وجهة لأموال المستثمرين من الخليج وأوروبا وأفريقيا، لكن في عام 2019، تغيّر كل شيء، الأزمة المالية انفجرت فجأة: الليرة اللبنانية فقدت أكثر من 95% من قيمتها، الناتج المحلي الإجمالي انكمش من نحو 55 مليار دولار إلى أقل من 27 ملياراً، والودائع، التي تقدّر بنحو 100 مليار دولار، جُمّدت ومنع أصحابها من الوصول إليها.

الطالب اللبناني سمير (طلب عدم ذكر اسمه كاملا)، الذي يدرس ماجستير الاقتصاد في جامعة غوته في فرانكفورت، يرى أن ما حدث لم يكن قدراً محتوماً، “استمرار هيمنة حزب الله على القرار السياسي والاقتصادي عمّق الأزمة وأفقد البنوك الثقة محليًا ودوليًا”، يقول سمير، في إشارة إلى أن خروج لبنان من المشهد المصرفي الإقليمي خلق فجوة ضخمة.

 ويضيف “إذا استطاعت سوريا أن تقدم بيئة مالية قائمة على الشفافية والسرية المصرفية، فإنها قد تصبح سويسرا الشرق الجديدة.”

من التجربة إلى الطموح السوري

المستشار الأول لوزارة الاقتصاد والصناعة السورية د.أسامة القاضي يذكّر بأن لسوريا جذورًا قوية في عالم المال، إذ لعب المصرفيون السوريون دورًا أساسيًا في تأسيس جمعية المصارف في لبنان عام 1959، بعد عام واحد من الوحدة مع مصر وما تبعه من قرارات تأميم القطاع الخاص، واليوم، ومع وجود سوق محلية تضم 25 مليون نسمة وإمكانية جذب الاستثمارات الأجنبية إذا تحقق الاستقرار، يرى القاضي أن الفرصة أمام سوريا حقيقية وملموسة.

لكن النجاح، بحسب القاضي، يتطلب إصلاحات جذرية: إدارة مصرف مركزي قوية، تشريعات تحمي الودائع وتضمن السيولة، تحديث البنية التكنولوجية للمصارف، ومحاربة الفساد الذي كان أحد أكبر معوقات القطاع قبل الثورة، كما يوصي بتبني خدمات مصرفية شاملة، من الصيرفة التقليدية والإسلامية، إلى التأمين وإدارة المحافظ والسندات والصكوك، على غرار التجارب الناجحة في البحرين وبعض دول الخليج.

الفراغ الإقليمي: فرصة لمن يجرؤ

القطاع المصرفي اللبناني كان على مدى عقود “الخزان المالي” للمنطقة، ومع انهياره، باتت الأموال تبحث عن بديل آمن وموثوق، سوريا، رغم صغر حجم اقتصادها حاليًا، تمتلك عناصر جذب في حال تحسنت بيئة الأعمال: سوق كبيرة نسبيًا، موقع استراتيجي، واحتياجات استثمارية هائلة في إعادة الإعمار. وإذا ما تم تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، فقد تتحول البلاد من اقتصاد أنهكته الحرب إلى مركز مالي إقليمي يستفيد من الفراغ الذي تركه لبنان.

ويستخلص سمير المشهد في سوريا من خلال المعطيات عبر ثلاثة سيناريوهات متاحة أمام الإدارة السورية إذا أرادت دخول السباق المصرفي الإقليمي. الأول، أن تُهدر الفرصة مثلما فعلت دول أخرى، فيبقى القطاع هشًا وعاجزًا عن جذب رؤوس الأموال. الثاني، أن تحقق إصلاحات جزئية، فتجذب بعض الاستثمارات لكنها لا تصل لمكانة إقليمية قوية. أما الثالث، فهو السيناريو الطموح: تأسيس نظام مصرفي شفاف، بضمانات دولية، مع تبني أحدث التقنيات في المعاملات البنكية، عندها يمكن لسوريا أن تصبح مركزًا ماليًا رئيسيًا في الشرق الأوسط، وأن تحل محل لبنان كمصرف المنطقة”.

ويختتم سمير كلامه بالحديث عن قطاع الصيرفة العالمي والذي يعد من أضخم القطاعات الاقتصادية عالمياً، إذ يقدَّر حجم صناعة الخدمات المصرفية بأكثر من 7 تريليونات دولار سنوياً، وتشكل محوراً أساسياً في حركة التجارة والاستثمار، وتتصدر دول مثل الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، سويسرا، سنغافورة، وهونغ كونغ قائمة المراكز المالية العالمية بفضل بنيتها التشريعية المستقرة، والشفافية، والسرية المصرفية، إضافة إلى اعتماد أحدث التقنيات المالية. هذه الدول تجذب رؤوس الأموال من مختلف أنحاء العالم وتوفر خدمات تمتد من البنوك التجارية إلى الاستثمارية وإدارة الأصول.

في المقابل، تشير الدراسات الأكاديمية في مجال الاقتصاد المصرفي إلى أن أي دولة تسعى لدخول هذا النادي المالي المرموق تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة، قوانين صارمة لمكافحة الفساد وغسل الأموال، ونظام مصرفي قادر على تلبية متطلبات المستثمرين المحليين والأجانب بكفاءة عالية. النجاح في هذا القطاع يعني ليس فقط إدارة الأموال، بل قيادة التنمية الاقتصادية وتوليد فرص عمل، كما فعلت سويسرا ولندن وسنغافورة التي تحولت إلى رموز للقطاع المصرفي العالمي.

 

شارك هذا المقال

للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية

منشورات ذات صلة

خطة جديدة لتطوير كفاءة هيئة التدريس

محرر الخليج

حملة “أربعاء الرستن” تجمع نحو 3.8 ملايين دولار لدعم البنى التحتية في المدينة

محرر الخليج

أميركا.. مقتل 4 أشخاص بإطلاق نار في فلوريدا

محرر الخليج

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More