دائمًا كنت أود أن أكتب عن الفوتيك العسكري، ذلك اللباس الذي ما إن يراه الناس حتى ترتسم في قلوبهم صورة الهيبة والوقار والرجولة بلا حدود. إنه ليس مجرد قماش أخضر مرقّط، بل هو عنوان الانضباط، وراية الفداء، ورائحة الشرف التي لا يشمّها إلا من دخل ميدان الرجولة والتضحية.
الغريب أنني اليوم، وأنا على مشارف الستين، أشعر بحب لهذا اللباس أكثر من أي وقت مضى. كأن السنوات أزالت الغبار عن معناه العميق، فكشفت لي أنه لم يكن مجرد زيٍّ نرتديه، بل كان جزءًا من كياننا، يزرع فينا الكبرياء والانتماء.
كنت في شبابي أفصّل الفوتيك بعناية، وكأنه بذلة عرس أو ثوب عيد، أمشي به شامخًا وكأني أحمل الدنيا على كتفي، لا لشيء سوى لأنه يرمز إلى شرف الخدمة ورجولة الميدان. واليوم أرى أنه كان وما زال لباس عزٍّ يُفتخر به، يستر صاحبه من كل نقص، ويمنحه مقامًا لا تُعطيه ألقاب ولا شهادات.
الفوتيك العسكري ليس مجرد زيّ، بل هو تاريخ مكتوب على الأكتاف، وذاكرة معبّدة بالعرق والتضحيات. هو الشاهد الصامت على أن الرجال وُجدوا هنا، وأنهم حين أقسموا، أوفوا.
ولذلك، كلما وقعت عيناي على جندي يرتدي الفوتيك، أرى فيه نفسي بالأمس، وأقرأ في خطواته مستقبل وطن لا ينكسر. فالزي العسكري لا يشيخ، حتى وإن شاخت الأجساد، لأنه لباس المجد، وحارس الكرامة، ومرآة الرجولة الحقيقية ….
