«نبض الخليج»
في وقت تجابه سوريا حالات الإخفاء الجماعية التي حدثت أيام نظام الأسد المخلوع، يزور رئيس لجنة المفقودين التي شكلت حديثاً البوسنة ليتعلم من نجاحاتها وأخطائها في هذا المجال.
يدرك محمد رضا جلخي جسامة المهمة التي يواجهها هو وزملاؤه اليوم، إذ قال من سراييفو بنهاية رحلته التي امتدت لخمسة أيام إلى البوسنة والهرسك: “هنالك تحديات كثيرة تزيد من الضغط علينا كل يوم وتشعرنا باليأس أكثر فأكثر”.
غير أنه من الصعب إحباط الشعب السوري برأيه، ويضيف: “إن ما يمنحنا القوة على الصبر والتحمل هو ما عشناه من قصف ونزوح طوال 14 عاماً، وإننا ندرك تماماً بأن هذه القضية هي واحدة من القضايا الأساسية التي علينا معالجتها حتى نبني سوريا الجديدة”.
تجربة ملهمة
تأسست الهيئة الوطنية السورية للمفقودين وهي لجنة وطنية للبحث في مصير المفقودين والمخفيين قسرياً في سوريا بمرسوم أصدره الرئيس المؤقت أحمد الشرع في 17 أيار الماضي، بعد أن قاد الهجوم الذي أطاح بنظام الأسد في كانون الأول من عام 2024 فأنهى حكم آل الأسد الذي امتد لخمسة عقود.
عُيّن جلخي وهو باحث في القانون الإنساني الدولي رئيساً لتلك اللجنة، فكانت مهمته الأولى فيها تعيين 12 عضواً آخرين صاروا يعملون معه اليوم على صياغة نظامها الداخلي. وبعد تشكيلها بمدة قصيرة، وبالتنسيق مع اللجنة الدولية للمفقودين بدأ جلخي بالتحضير لرحلة توجه هو وثلاثة من أعضاء اللجنة من خلالها إلى البوسنة والهرسك.
يحدثنا جلخي عن تلك التجربة فيقول: “إننا نعرف بأن اللجنة الدولية للمفقودين تعتبر من أنجح النماذج مقارنة بتجارب أخرى مماثلة من مختلف بقاع العالم، وهي تجربة ملهمة تدفع المرء للبحث في جوانب العمل الذي تم من خلالها… فلقد أتينا إلى هنا لنتعلم ما نفذ في البوسنة بكل نجاح، وأين كانت مواطن الفشل، بحيث نستطيع أن نحقق النجاح في عملنا”.
شملت تلك الزيارة التي نظمت بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي زيارة للعاصمة البوسنيية سراييفو إلى جانب توزلا وسيربرنيتشا الواقعة في شرقي البلد، وهي تلك المدينة التي نفذ فيها جيش صرب البوسنة بقيادة راتكو ملاديتش عمليات قتل جماعية بحق أكثر من ثمانية آلاف رجل وطفل بوسني في تموز من عام 1995.
محمد رضا جلخي يقف عند النصب التذكاري لضحايا سيربرينيتشا
قتل نحو 100 ألف إنسان في حرب البوسنة والهرسك التي امتدت من عام 1992 وحتى 1995، كما أسفرت الحرب في يوغوسلافيا في المنطقة نفسها بمقتل 130 ألف إنسان.
ومن بين نحو أربعين ألفاً اختفوا خلال الحرب، تم التعرف لاحقاً على قرابة ثلاثين ألفاً منهم، وذلك من خلال العمل الذي قام به معهد المفقودين في البوسنة والهرسك، بالتعاون مع اللجنة الدولية للمفقودين.
تأسست اللجنة الدولية للمفقودين في قمة السبع عام 1996، لمساعدة حكومات دول غربي البلقان على معرفة مكان المفقودين ومصيرهم، وظل معظم عمل اللجنة يتركز على هذا الأمر حتى عام 2004، وذلك عندما توسع عملها ليشمل مختلف أنحاء العالم، إذ حتى اليوم، شاركت تلك اللجنة وغيرها من اللجان في البحث عن المفقودين في كل من أرمينيا والعراق وليبيا وأوكرانيا.
وفي عام 2016، بدأت اللجنة الدولية للمفقودين بجمع معلومات حول حالات الإخفاء في سوريا، وصارت تنفذ معظم عملياتها من الجارة تركيا وكذلك من مقرها في لاهاي. وهكذا جمعت قاعدة بياناتها ثلاثين ألف حالة إخفاء إلى جانب شهادات لنحو ثمانين ألفاً من أهالي الضحايا.
يعلق جلخي على ذلك فيقول: “عندما أفكر اليوم بعد مرور ثلاثين سنة على تجربة البوسنة والهرسك ويوغوسلافيا السابقة، أحس بالفرح لتمكن هذه المنطقة من التعرف على كل تلك الأعداد من المفقودين”.
ولكنه يرى بأنه على الرغم من وجود كل تلك المساعدات الدولية التي قدمت لتلك المنطقة، فإن الأمر احتاج لسنوات حتى تم تحديد مصير كل ذلك العدد، وتساءل: “كم سنحتاج من الوقت حتى نحل هذه المشكلة في سوريا التي فقد فيها آلاف الناس؟”
لعل الوقت بدأ بالنفاد
هنالك زهاء 130 ألف مفقود في سوريا بحسب تقديرات الأمم المتحدة، ويرتفع هذا العدد ليصل إلى 180 ألفاً بحسب أحدث تقرير سنوي أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان ونشر في شهر آب الماضي، غير أن جلخي يخبرنا بأن العدد النهائي قد يكون أعلى من ذلك بكثير، بما أن كثيراً من الناس خافوا من الانتقام والعقوبة، ولذلك لم يبلغوا حتى الآن عن اختفاء أقاربهم.
منذ سقوط نظام الأسد، كشف محققون ومنظمات حقوقية عن أدلة موسعة تثبت وجود مقابر جماعية في مختلف أنحاء سوريا، وما يزال كثير منها يتكشف شهراً بعد شهر.
كشف تحقيق استقصائي نشرته رويترز في تشرين الأول، عن قيام النظام البائد بنبش رفات الضحايا ونقل جثثهم من أماكن معروفة قريبة من دمشق، في عملية سعى النظام البائد من خلالها لإخفاء حجم عمليات القتل التي نفذها. وقد كشف التقرير عن وجود ما لا يقل عن 34 قبراً جماعياً جديداً حفر في البادية بالقرب من منطقة الضمير، ويعتقد أن تلك القبور تشتمل على الآلاف من الضحايا. في حين واصلت فرق الدفاع المدني عثورها على رفات بشرية ضمن الأقبية والقبور السطحية التي عثر عليها في المدن المحيطة بدمشق.
وهنا يحذر الخبراء في الطب الشرعي من نفاد الوقت قبل أن يجري التحفظ على تلك المواقع والاحتفاظ بكل ما فيها كما ينبغي، لأن الدروس المستفادة من البوسنة صارخة، إذ بمجرد العبث بالرفات أو تصنيفه بلا معلومات وافية عنه، تتضاءل فرصة التعرف على هوية صاحب الرفات بشكل دقيق.
يعلق جلخي على ذلك بقوله: “ما تعلمناه في رحلتنا إلى البوسنة هو أن تلك الأخطاء التي تحدث خلال المراحل الأولى من عملية الحفر والاستخراج تؤدي إلى وقوع أخطاء كارثية كثيرة وحدوث كثير من المشكلات التي ستكتنف العملية بأكملها”.
وفي سوريا حيث تم العبث ببعض المقابر الجماعية أو نقلها من أماكنها، فإن أي خطأ صغير في الإجراءات قد يمحو أدلة مهمة بالنسبة للأهالي والمحاكم، لذا فإن التصرف بسرعة ودقة ليس مجرد وازع أخلاقي، بل واجب تقني أيضاً، لأن أي تأخير يمكن أن يكلف مبالغ طائلة في عملية التعرف على هوية الضحايا، أو قد يتسبب في عدم التعرف على هوية الآلاف من المفقودين والمفقودات.
إلا أن المفقودين في سوريا ليسوا مجرد جثث مدفونة في التراب، فقد أخفي الآلاف من الناس خارج الحدود، ومنهم اللاجئون الذين غرقوا في البحر المتوسط أو اختفوا على طرقات الهجرة بين دول البلقان وأوروبا.
يخبرنا جلخي بأن الهيئة الوطنية للمفقودين تتحرك في هذا الاتجاه أيضاً، إذ يقول: “التقينا بعائلات من فقدوا [وهم في طريقهم إلى أوروبا] في كل من لبنان وتركيا، ونخطط للقيام بزيارة ألمانيا وفرنسا خلال الشهر القادم لنلتقي ببعض الأهالي هناك”.
ولدى سؤاله عن خطط اللجنة فيما يخص عملية التواصل مع السوريين في الخارج، أخبرنا بأنهم يدرسون عدة خيارات لتحقيق ذلك، ومن بينها تشكيل نقاط اتصال داخل القنصليات والسفارات السورية، على الرغم من أن هذا النهج قد يتهم بأنه مسيس، وهنالك خيار آخر يتمثل بإقامة مكاتب خارج المقار الدبلوماسية، إلا أن هذا الخيار يعتمد على التمويل إلى حد كبير، والخيار الثالث المطروح يشتمل على قيام مشاريع مشتركة مع المنظمات التي تنشط في الدول المضيفة، ويتابع بالقول: “إننا نعمل بصورة منهجية لأن الهدف الرئيسي هو تجنب التسييس على أي مستوى من المستويات، سواء على المستوى الوطني أو الدولي”.
“لا تنسوا الأمهات”
بعد ثلاثة أيام من الوصول إلى دمشق، أي في الحادي عشر من كانون الأول لعام 2024، نبه الرئيس المؤقت أحمد الشرع إلى أن كل من تورط في عمليات تعذيب المعتقلين وقتلهم خلال حكم الرئيس السابق أصبح عرضة للملاحقة، إذ قال: “سنلاحقهم في سوريا، وسنطلب من الدول تسليم من فروا حتى نتمكن من إحقاق العدل”.
استتبع ذلك الوعد بالمادة رقم 49 من الإعلان الدستوري الصادر في آذار عام 2025، والتي دعت لتشكيل هيئة للعدالة الانتقالية تركز على الضحايا وتعتمد آليات استشارية، وبناء على تلك المادة تم تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في أيار الماضي، أي في اليوم الذي شكلت الهيئة الوطنية للمفقودين.
سارعت منظمات عدة، كان من بينها منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش لانتقاد الهيئة الدولية للعدالة الانتقالية خوفاً من أن ينحصر اختصاصها بملاحقة جماعة معينة من المجرمين.
تقدر الشبكة السورية لحقوق الإنسان بأن نحو 90% من المفقودين تعرضوا للاحتجاز أو الإخفاء القسري على يد نظام الأسد، أما أغلب ما تبقى من حالات فتعزى لجماعات مسلحة لا تمثل الدولة السورية، ومن بينها هيئة تحرير الشام التي كان الشرع يترأسها، ما يعني بأن وضع قيود على اختصاص الهيئة يهدد مشروعية عملية العدالة الانتقالية.
غير أن الهيئة الوطنية للمفقودين لا تعاني من تلك القيود، بل تتمتع بموجب المرسوم الرئاسي بالـ”الاستقلالية المالية والإدارية”، ومع ذلك، مايزال منتقدوها يخشون من مدى فعالية المرسوم والقدرة على تطبيقه، كما يحذرون من احتمال تغير الأمور في حال عدم وجود قانون ناظم.
يخبرنا جلخي بأن مسودة القانون جاهزة ولابد من أن يتم التعامل مع الأمر كأولوية وطنية، ويرى بأن تلك المسودة وضعت من خلال التشاور مع الخبراء الدوليين وأهالي المفقودين، وأضاف: “تناقشنا حول ما يريده الأهالي وكيف يمكنهم المشاركة في عمل الهيئة، فخرجنا بوثيقة عمل سنطبقها على جميع أنشطتنا”.
عندما سافر أعضاء الهيئة الوطنية للمفقودين إلى البوسنة، التقوا بأمهات رابطة سيربرينيتشا، وبرئيستها منيرة سوباسيتش، التي ذكرتهم بأهمية مشاركة أمهات المفقودين وأهاليهم في تلك العملية. ويتذكر جلخي ما حدث فيقول: “كانت زيارة مهمة للغاية ومشحونة بالعواطف بالنسبة لنا، فقد مثلت الألم والأمل في الوقت نفسه، بما أن هذا الألم والأمل هو ما نتعرض له اليوم في سوريا، فنحن نحس بألمهن ونعيش على أملهن”.
المصدر: The Balkan Insight
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
