«نبض الخليج»
تتكرر أزمة صرف رواتب موظفي المنظمات الإنسانية في شمال غربي سوريا مع كل دورة مالية شهرية، إلا أن حدتها هذا العام تبدو أكبر، خصوصاً مع حلول شهر رمضان المبارك وازدياد الأعباء المعيشية.
آلاف الموظفين المقيمين في إدلب، حيث لا يوجد أي مركز تابع لشركة البريد التركي بي تي تي “PTT”، يضطرون للتوجه إلى مراكز ريف حلب الشمالي في جنديرس واعزاز وعفرين والباب والراعي، لاستلام رواتبهم المحولة عبر البنوك التركية المعتمدة من قبل معظم المنظمات.
لم تعد المشكلة تقتصر على الازدحام المعتاد، بل باتت تتداخل فيها عدة عوامل منها نقص السيولة في بعض الأيام، وتأخر وصول الأموال، وأعطال متكررة في الشبكة الإلكترونية، ومحدودية عدد المراكز قياساً بعدد المستفيدين، واعتماد سعر صرف البنك المركزي التركي عند التسليم، وهو أقل من سعر السوق في إدلب بفارق ملحوظ، وهذا الفارق ينعكس مباشرة على القيمة الفعلية للراتب، ويحول جزءاً منه إلى خسارة ثابتة قبل أن يصل إلى يد صاحبه.
طوابير مذلة
في كل شهر، تترك “عفراء عبد الوهاب” من ريف إدلب، عملها ليوم كامل كي تبحث عن راتبها، فلا يوجد مركز PTT في إدلب، لذلك تضطر إلى التوجه نحو ريف حلب الشمالي، إلى جنديرس أو اعزاز أو عفرين أو الراعي وأحيانا الباب، حيث تصرف الرواتب عبر الشبكة التركية، رغم أن راتبها لا يتجاوز 250 دولاراً، لكنها تقول إن الوصول إليه بات يكلفها وقتاً ومالاً وأعصاباً أكثر مما يحتمل.
تقول عفراء لـ موقع تلفزيون سوريا: “نصل عند السادسة صباحاً لأننا نعرف أن المبلغ قد لا يكفي كل المنتظرين، ومن يتأخر ساعة قد يخسر يومه بالكامل”.
وتضيف: “أحياناً لا تصل الأموال قبل الحادية عشرة أو الثانية عشرة ظهراً، فنقف أمام الأبواب المغلقة بلا أي توضيح، نسمع فقط أن السيارة لم تصل، أو أن السيستم متوقف، أو أن علينا الانتظار، أو لم يعد هناك سيولة وهي الأقسى”.
عند فتح الأبواب، يبدأ إدخال الناس على دفعات محدودة، ويقف أمام الباب عناصر من الشرطة المحلية، تصف عفراء تعامل بعضهم بأنه “فوقي وحاد” وتقول: “أي احتجاج على التنظيم أو سؤال عن سبب التأخير يُقابل بالصراخ، رأيت أكثر من مرة موظفين يُنهرون أمام الجميع لمجرد أنهم سألوا عن دورهم، في رمضان، والناس صائمة، تتحول الساحة إلى توتر مفتوح”.
والمشكلة، وفق روايتها، لا تتوقف عند بطء الإجراءات، بل في آلية إدخال “الحجوزات”.
“قبل أن يُسمح للموظفين العاديين بالدخول، يدخل أشخاص يقال إن لديهم حجوزات مسبقة، هؤلاء يقبضون مبالغ كبيرة بالدولار والليرة التركية، أحياناً آلاف الدولارات، وبعدهم يُقال لنا إن السيولة نفدت؛ والمؤسف أن من أصل ألف موظف ينتظرون، قد يتمكن مئة فقط من القبض، لأن هذا ما تبقى من المال”، وفقا لما تقوله عفراء.
خسارة مضاعفة
لا تقف خسارة عفراء عند باب المركز، فراتبها يحول حصراً بالليرة التركية، ووفق سعر صرف البنك المركزي التركي، وفي إدلب، يُتداول الدولار في السوق بنحو 44 ليرة تركية، بينما يُحتسب لها داخل المركز بنحو 39 ليرة تقريباً، الفارق يبدو رقمياً بسيطاً، لكنه يتحول إلى اقتطاع فعلي من دخلها المحدود.
تقول عفراء: “الفارق خمس ليرات في كل دولار، عندما يكون راتبك 250 دولاراً، فهذا يعني أن نحو 30 إلى 35 دولاراً تتبخر فوراً بسبب فرق التصريف، أنا لا أستلم 250 دولاراً فعلياً، بل ما يعادلها بسعر أقل من سعر السوق، هذه خسارة مفروضة علينا لا خيار لنا فيها”.
وتضيف: “الناس تعتقد أن المسألة مجرد رقم على الورق، لكنها بالنسبة لي فاتورة كهرباء، أو أسبوع من مصروف البيت، أو جزء من إيجار المنزل”.
لكن فارق الصرف ليس العبء الوحيد، فبسبب غياب أي مركز PTT داخل إدلب، تضطر عفراء للتنقل بين مراكز ريف حلب الشمالي بحثاً عن سيولة متوفرة.
“في الشهر الماضي قصدنا جنديرس أولاً، انتظرنا ساعات، ثم قيل لنا إن الأموال لم تصل بعد، انتقلنا بعدها إلى اعزاز، لكن الدور كان طويلاً جداً، وقيل إن المبالغ المتوفرة محدودة، في اليوم التالي قصدنا عفرين حتى تمكنا من القبض، هذا التنقل ليس مجانياً، فكلفة الطريق، سواء عبر سيارة خاصة نتقاسم أجرتها أو عبر وسائل نقل عامة مكلفة ومرهقة، وإن عدنا دون قبض الراتب، نخسر يوم عمل أيضاً، وعملي يعتمد على جلسات ومواعيد، وعندما أغيب يوماً كاملاً، أضطر لتعويضه بضغط إضافي”.
بحساب بسيط، تقول عفراء إن ما يتبقى لها فعلياً بعد فرق التصريف وأجور التنقل قد ينخفض إلى أقل من 200 دولار، وترى عفراء أن الأثر لا يقتصر على الجانب المالي بل الشعور بالعجز.
نظام مغلق
تؤكد عفراء أن المنظمات التي تعمل فيها تبلغهم دائماً بأن التعامل مع نظام PTT مفروض كآلية رسمية، ولا يمكن تجاوزه؛ “يقال لنا إن هذا هو الخيار المتاح، وإنه أكثر أماناً وتنظيماً، لكن ما نعيشه على الأرض مختلف تماماً”.
وترى أن المشكلة لم تعد تقنية فقط، بل بنيوية، “عدد المراكز لا يتناسب مع عدد المستفيدين، إدلب لا يوجد فيها مركز أصلاً، فنضطر للتوجه إلى ريف حلب، هذا يعني ضغطاً إضافياً على مراكز تعاني أصلاً من نقص في السيولة وتعطل متكرر في الشبكة”.
وتضيف: “عندما تصل المبالغ متأخرة، أو بكميات محدودة، يتحول الأمر إلى سباق، من يصل يدخل أولاً يقبض، ومن يتأخر يعود فارغ اليدين”.
بالنسبة لعفراء، الحل لا يقتصر على زيادة عدد المراكز، بل في إعادة النظر بالآلية كاملة، “إما أن تُضخ سيولة كافية تضمن قبض جميع الموظفين في يوم واحد، أو أن يُعتمد نظام بديل داخل إدلب يخفف الضغط ويمنع خسائر التصريف، واستمرار الوضع الحالي يعني استنزافاً شهرياً لآلاف الأسر”.
وتضيف: “نحن لا نطلب امتيازات، بل إجراءات عادلة، الراتب مقابل عمل نقوم به بانتظام، وليس منة تُمنح لنا بعد ساعات من الانتظار والصراخ، ومن حقنا أن نستلمه بكرامة، دون أن نخسر جزءاً منه في الطريق، ودون أن نُعامل كعبء على بوابة مركز”.
في رمضان، تتكثف الصورة: صائمون يقفون بطوابير غير منظمة، أموال تصل متأخرة أو لا تصل، وحجوزات تمر سريعاً في حين يبقى الموظفون العاديون خارج الباب.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
