«نبض الخليج»
في ظل تصاعد وتيرة الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، يتكرر في النقاشات السياسية والإعلامية بشكل عام، وفي الأوساط الفلسطينية بشكل خاص، سؤال: من هو بديل إيران في دعم القضية الفلسطينية؟
غير أن هذا السؤال، في جوهره، يقوم على افتراض خاطئ، وكأنه يختزل تاريخ القضية الفلسطينية في علاقة سياسية مع دولة بعينها، متجاهلًا أن الشعب الفلسطيني يخوض نضاله منذ أكثر من قرن، وأن ثورته الوطنية سبقت ظهور الدور الإيراني في هذه القضية بسنوات طويلة.
فالقضية الفلسطينية لم تبدأ مع إيران، ولم تتشكل في ظل الثورة الإيرانية، ولن تتوقف بغيابها. إنها قضية شعب واجه مشروعًا استعماريًا استيطانيًا منذ بدايات القرن العشرين، وخاض مراحل نضالية متعاقبة من المقاومة والصمود قبل أن تدخل إيران أصلًا إلى المشهد السياسي المرتبط بفلسطين. وهي قضية تستحق وقفة، وتتطلب أن يُفرد لها ما يسلط الضوء عليها ويوضحها بشكل جلي للرأي العام عبر سرد يبرز حقائق تاريخية تُظهر حقيقة العلاقة وكنهها.
الثورة الفلسطينية قبل الثورة الإيرانية
تأسست منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، ثم دخلت القضية الفلسطينية مرحلة جديدة مع صعود الكفاح المسلح أواخر الستينيات بقيادة الحركة الوطنية الفلسطينية.
وجاءت معركة الكرامة عام 1968 لتشكّل لحظة مفصلية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، حين تمكنت المقاومة الفلسطينية، إلى جانب الجيش الأردني، من التصدي للقوات الإسرائيلية وإجبارها على الانسحاب. وقد شكّلت تلك المعركة نقطة تحوّل معنوية وسياسية، إذ أعادت الاعتبار لفكرة المقاومة بعد هزيمة عام 1967.
وفي الداخل الفلسطيني المحتل، شهد منتصف السبعينيات محطة نضالية مهمة تمثلت في يوم الأرض عام 1976، حين خرج الفلسطينيون في الجليل والمثلث والنقب احتجاجًا على مصادرة الأراضي، وارتقى ستة شهداء في تلك المواجهات. وقد مثّل ذلك الحدث أول انتفاضة جماهيرية واسعة للفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948، ورسّخ حضور الهوية الوطنية الفلسطينية في الداخل.
كل هذه المحطات وقعت قبل قيام الثورة الإيرانية عام 1979، أي قبل أن تدخل إيران أصلًا إلى المشهد السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية، وقبل أن ترتسم ملامح أي علاقة واضحة بين الطرفين.
حتى عندما اندلعت الحرب الإسرائيلية الإيرانية منتصف حزيران من عام 2025، ودارت بعدها مفاوضات بين الطرفين، لم تُدرج إيران أي بند يتعلق بوقف الإبادة الجماعية على غزة.
بيروت 1982: الصمود الفلسطيني في زمن الحروب الإقليمية
في صيف عام 1982، واجهت المقاومة الفلسطينية واحدة من أخطر مراحلها التاريخية خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت الذي استمر قرابة ثلاثة أشهر.
خلال ذلك الحصار، خاضت المقاومة الفلسطينية معركة شرسة، وأبدت صمودًا عسكريًا وسياسيًا استثنائيًا في مواجهة الجيش الإسرائيلي في ذلك الوقت، وسط تضامن عربي ودولي واسع.
لكن في تلك اللحظة كانت إيران تخوض حربًا مفتوحة مع العراق الشقيق منذ عام 1980، وهي الحرب التي استمرت ثماني سنوات واستنزفت البلدين والمنطقة بكاملها. بل إن تلك المرحلة شهدت لاحقًا واحدة من أشهر الفضائح السياسية الدولية، وهي فضيحة إيران–كونترا في منتصف الثمانينيات، والتي كشفت عن صفقات سلاح سرية جرت بين الولايات المتحدة وإيران عبر إسرائيل.
بمعنى أنه في الوقت الذي كان الفلسطينيون يقاتلون الجيش الإسرائيلي في بيروت، كانت إيران غارقة في حرب إقليمية أخرى، ومنخرطة في صفقات سياسية وعسكرية مع قوى دولية، أحد أهم أطرافها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.
الانتفاضة الأولى: ثورة شعبية فلسطينية
اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، المعروفة بانتفاضة الحجارة، وكانت واحدة من أهم محطات النضال الفلسطيني المعاصر.
وقد تميزت هذه الانتفاضة بطابعها الشعبي الواسع، حيث شارك فيها المجتمع الفلسطيني بكامل مكوناته: العمال، والطلاب، والنساء، والنقابات، والمؤسسات الأهلية. وقد نجحت في إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي.
في تلك المرحلة أيضًا، كانت إيران لا تزال منشغلة بتداعيات الحرب الطويلة مع العراق، ولم يكن لها أي دور مؤثر في مسار الانتفاضة.
الانتفاضة الثانية “الأقصى” وتحولات الإقليم
مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، دخل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مرحلة جديدة من المواجهة المسلحة.
لكن هذه المرحلة تزامنت مع إرهاصات تحولات إقليمية كبرى، أبرزها الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وهو الحدث الذي أعاد تشكيل موازين القوى في المنطقة. وقد تمدد النفوذ الإيراني داخل العراق في ظل الاحتلال الأميركي، ما فتح فصلًا جديدًا من الصراعات الإقليمية التي لم تكن القضية الفلسطينية في مركزها. بل كان لإيران وميليشياتها ممارسات بشعة وانتهاكات جسيمة ضد شريحة من شعبنا الفلسطيني في العراق، سنأتي على ذكر تفاصيلها.
العلاقة مع الفصائل الفلسطينية
لا يمكن إنكار أن إيران قدمت دعمًا لبعض الفصائل الفلسطينية، خصوصًا منذ بداية التسعينيات. وقد بدأت العلاقة مع حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس تحديدًا بعد حادثة إبعاد قيادات الحركتين إلى مرج الزهور جنوبي لبنان عام 1992.
لكن من الضروري جدًا هنا التمييز بين الدعم الفصائلي والدعم الوطني الشامل للشعب الفلسطيني. فالدعم الإيراني كان موجّهًا أساسًا إلى فصائل بعينها، ولم يكن دعمًا شاملًا للمجتمع الفلسطيني أو لمؤسسات المشروع الوطني الفلسطيني. وقد انعكس ذلك في كثير من الأحيان على المشهد الداخلي الفلسطيني، حيث ساهم في تعميق الانقسام السياسي، ومن ثم الجغرافي، لا سيما بعد عام 2006، بدل المساهمة في تجاوزه.
الحروب على غزة واختبار العلاقة
تعرضت العلاقة بين إيران والفصائل الفلسطينية لاختبارات متكررة خلال الحروب الإسرائيلية على غزة.
ففي حرب 2008–2009 (معركة الفرقان)، ظهرت انتقادات داخل المقاومة بشأن رفض طهران تزويدها بأسلحة نوعية مثل صواريخ كورنيت المضادة للدروع، والتي كان يمكن أن تحدث فارقًا مهمًا في تلك المواجهة، بحسب تصريحات لبعض قيادات المقاومة.
وفي حربي 2012 و2014، توترت العلاقة بين إيران وحركة حماس نتيجة لموقف الأخيرة من الثورة السورية، وانعكس ذلك في مواقف سياسية بدت متأخرة أو فاترة خلال تلك الحروب.
ومع تغير قيادة حركة حماس عام 2017، دخلت العلاقة مع إيران مرحلة جديدة من التقارب في إطار ما سُمّي بمحور المقاومة وشعار وحدة الساحات، والتحضيرات لما سُمّي وقتها بالمعركة الكبرى، وهي ذاتها التبريرات التي قُدّمت حينها لإعادة العلاقة مع نظام بشار الأسد نهايات عام 2022.
غير أن معركة طوفان الأقصى والحرب الأخيرة على غزة كشفت حدود هذه المعادلة، إذ وجدت غزة نفسها في مواجهة عسكرية مدمرة، في حين بقيت المعركة عمليًا محصورة داخل القطاع، ولم تشهد تدخلًا إيرانيًا. بل سيقت لعدم التدخل مبررات تنفي علم إيران وأطراف محورها بهذه المعركة. وحتى عندما اندلعت الحرب الإسرائيلية الإيرانية منتصف حزيران من عام 2025، ودارت بعدها مفاوضات بين الطرفين، لم تُدرج إيران أي بند يتعلق بوقف الإبادة الجماعية على غزة.
إن الاعتراف بالدعم الذي قدمته إيران لبعض الفصائل الفلسطينية لا يعني اختزال القضية الفلسطينية في هذا الدعم، ولا تحويله إلى أساس وجودها أو استمرارها.
فلسطينيون بين نيران الحروب الإقليمية
غير أن النقاش حول الدور الإيراني في القضية الفلسطينية لا يمكن أن يظل نقاشًا انتقائيًا يتجاهل ما جرى للفلسطينيين أنفسهم في بعض ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة.
ففي سورية مثلًا، وجد مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم في قلب حرب مدمرة لم يكونوا طرفًا فيها، وتعرضت مخيماتهم، وعلى رأسها مخيم اليرموك، للحصار والقصف والدمار والتهجير. وقد شاركت ميليشيات مدعومة من إيران إلى جانب قوات النظام السوري في العمليات العسكرية التي طالت تلك المناطق.
ومن أكثر الأحداث مأساوية في هذا السياق مجزرة شارع علي الوحش في محيط مخيم اليرموك بدمشق، حيث قُتل أكثر من 1500 فلسطيني سوري في واحدة من أكثر الوقائع دموية في تاريخ اللاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين. وهي نموذج فقط لحجم الإجرام الذي ارتكبته إيران وميليشياتها بحق فلسطينيي سورية على مدار 14 عامًا.
ولا يختلف حال الفلسطينيين في العراق كثيرًا بعد الغزو الأميركي عام 2003، إذ تعرضت الجالية الفلسطينية هناك لحملات اضطهاد وتهجير على يد ميليشيات مسلحة مرتبطة بإيران. وقد شهدت تلك المرحلة عمليات قتل وخطف واعتقال دفعت آلاف العائلات الفلسطينية إلى الهروب من العراق نحو الحدود السورية، حيث عاش كثير منهم سنوات طويلة في مخيمات ضمن ظروف قاسية، مثل مخيمي التنف والوليد في وسط الصحراء.
هذه الوقائع، من دون شك، تطرح سؤالًا أخلاقيًا لا يمكن تجاهله: كيف يمكن التوفيق بين خطاب إيران ومحورها في الدفاع عن القضية الفلسطينية ودعمها، وبين ما تعرض له فلسطينيون في سورية والعراق ضمن مناطق نفوذ القوى ذاتها التي ترفع هذا الشعار؟!
الخلاصة
إن الاعتراف بالدعم الذي قدمته إيران لبعض الفصائل الفلسطينية لا يعني اختزال القضية الفلسطينية في هذا الدعم، ولا تحويله إلى أساس وجودها أو استمرارها. فالقضية الفلسطينية قامت أساسًا على إرادة شعبها وصموده ونضاله الطويل، وليس على تحالف مع دولة بعينها أو محور إقليمي محدد. ولهذا فإن السؤال الأجدر بالطرح ليس:
من هو بديل إيران؟
بل: كيف يمكن إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على قاعدة الوحدة الوطنية والاستقلالية السياسية، بعيدًا عن تحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة يتم توظيفها في صراعات المحاور الإقليمية؟
باختصار، قضية فلسطين كانت قبل إيران، وستبقى بعدها؛ لأن جوهر القضية في الأساس هو شعب يقاوم من أجل حريته وكرامته وتحقيق مصيره واستقلاله.
للمزيد: تابع موقع نبض الخليج ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : شبكة المعلومات الدولية
